أثمة مواطنة بلا مساواة ؟

 

سيكون العام الحالي 2020 مناسبة دولية مهمة للاحتفال بمرور ربع قرن على مؤتمر بكين حول المرأة، وهو المؤتمر الذي التأم في العام 1995 بحضور أكثر من 17000 ممثلة وممثل لنحو 189 دولة، وأصدر هذا المؤتمر التاريخي بالإجماع إعلاناً وبرنامجاً (منهاجاً) للعمل ضمّ : أجندة تعتبرُ ” شرعة الحقوق” بالنسبة للمرأة، منطلقة من اتفاقية سيداو التاريخية” القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ” لعام 1979.

ولعلّ هدف استعادة مخرجات مؤتمر بكين بعد 25 عاماً هو إجراء مراجعة وتدقيق، بخصوص ما تحقّق للمرأة خلال الفترة المنصرمة فما الذي تحقّق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما هي العوائق والعقبات في الموقف من مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؟ وكيف السبيل لتجاوز التحديات القديمة والجديدة؟ وسيتم في تلك الاستعادة التوقف عند قرارات وتوصيات المؤتمرات الدولية ذات العلاقة منها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 الذي يخص “المرأة والسلام والأمن” الصادر في 31/ أكتوبر (تشرين الأول) 2000، إضافة إلى الذكرى الخامسة لأهداف التنمية المستدامة العالمية، فضلاً عن 12 قضية ذات بُعدٍ استراتيجي مثل: الفقر والتعليم والصحة والعنف والنزاع المسلح والاقتصاد والمشاركة في السلطة وصنع القرار والآليات المؤسسية وحقوق الإنسان والإعلام والبيئة والتدريب وغيرها، والمراجعة تشمل جميع البلدان ، حيث تطلق الأمم المتحدة حملة رائدة تحت عنوان ” جيل المساواة: إعمال حقوق الإنسان من أجل مستقبل متساوٍ”.

فما المقصود من مبادئ المساواة التي تتبنّاها مؤتمرات المرأة وتقرّ بها الأمم المتحدة وتتساوق مع التطور الكوني على هذا الصعيد؟ إنها تعني المساواة: في الأجر وتقاسم الرعاية غير مدفوعة الأجر والعمل المنزلي ووضع حدّ للتحرش الجنسي وجميع أشكال العنف ضد

المرأة والفتيات وخدمات الرعاية الصحية التي تستجيب لاحتياجات المرأة ومشاركتها على قدم المساواة في الحياة السياسية وصنع القرار، وهذا يعني إزالة جميع العقبات القانونية والاجتماعية والتربوية والدينية والنفسية التي تحول دون ذلك، وهو ما ينتظر أن يبحثه اجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة ينعقد في نيويورك في 25 سبتمبر /أيلول/2020.

وكانت المراجعة قد حصلت خلال العقدين ونيّف الماضيين، ففي مطلع الألفية الثالثة كانت بعنوان : “المساواة، التنمية والسلام” في القرن الحادي والعشرين، وفي العام 2005 كان التركيز على قضايا “النزاع المسلح ومسألة صنع السلام” ، أما في العام 2010 فركّزت على “تبادل الخبرات والتجارب والتغلّب على العقبات وإلغاء القوانين التي تميّز ضد المرأة وقضايا العنف والعدالة”.

ولعلّ هذه القراءة الارتجاعية تعيدنا إلى المحطات التاريخية التي مرّت بها المؤتمرات الدولية حول المرأة، فلأول مرّة يجتمع عدد من النسوة في كوبنهاغن عام 1910 ليقرّرن يوم 8 مارس “آذار” من كل عام عيداً للمرأة العالمي، ولم يصبح الاحتفال رسميّاً بذلك اليوم إلّا بعد قيام ثورة أكتوبر الروسية العام 1917، فما كان حلماً تحوّل جزء كبير منه إلى واقع قانوني واجتماعي وأخلاقي بفعل كفاح طويل للمرأة وأنصارها، وليس بمعزل عن نساء ورجال صمموا على إحداث التغيير المنشود وتأمين حقوق المرأة في المساواة، علماً بأن تقدماً لاحقاً مهماً حصل على هذا الصعيد في ظل ميثاق الأمم المتحدة الذي أقرّ مبدأ المساواة وعدم التمييز بسبب الدين أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي، وهو المنحى الذي عمّقه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والعهدين الدوليين لعام 1966، الأول – الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني- الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وقد اتّخذت الأمم المتحدة بعدها مجموعة خطوات مهمة منها القرار بتحديد “العقد الدولي للدفاع عن حقوق المرأة”، معلنة العام 1975 بداية لهذا العقد. وعقدت لذلك العديد من المؤتمرات أهمّها: المؤتمر الدولي في المكسيك عام 1975 الذي صدر عنه إعلان الأمم

المتحدة المذكور بخصوص “عقد المرأة العالمي” و”المؤتمر الدولي للمرأة في كوبنهاغن” عام 1980 و”المؤتمر الدولي في نيروبي 1985″ والذي رسم استراتيجية للمرأة لعام 2000 محدّداً العام 1995 “عاماً دولياً للمرأة”، وهو المؤتمر الدولي الذي انعقد في بكين تحت شعار “التنمية والمساواة والسلام” والتي كان بعضها من شعارات المنظمات النسوية وبعض الداعين لقضيتها منذ بداية هذا القرن والتي ارتفع رصيدها في ستينات القرن الماضي، وشارك في هذا المؤتمر، إضافة إلى الحكومات مئات المنظمات النسوية والاجتماعية والمهنية ، بصفتها تنظيمات غير حكومية، وذلك تأكيداً للدور المتعاظم للمنظمات غير الحكومية الذي أخذ بالتعمّق والتعزّز وبخاصة لمؤتمر فيينا الدولي لحقوق الإنسان العام 1993.

إذا كانت اتفاقية السيداو، تشكّل العمود الفقري لمبدأ المساواة، فإن شعار بكين الجديد هو ” جيل المساواة”، وتلك مهمة كبيرة وأمامها عوائق عديدة وإشكالات نظرية وعملية، اجتماعية وقانونية واقتصادية ودينية وتربوية ونفسية ، لكنها جديرة بالإنسان والإنسانية، فالمساواة والشراكة ، ومعهما العدل والحرية، تكتمل المواطنة الحيوية والفاعلة.

لا تعليقات

اترك رد