السعودية ملتزمة بتحالفها الاستراتيجي مع أمريكا ضمن علاقات مفتوحة ومتوازنة مع القوى الكبرى

 

السعودية ملتزمة بتحالفها الاستراتيجي مع أمريكا ضمن علاقات مفتوحة ومتوازنة مع القوى الكبرى
بعدما وقعت أمريكا مع دول غربية أو بات ما يعرف 5+1 في 2015 اتفاق نووي مع إيران، واعتبرت السعودية حينها أن هذا الاتفاق موجه ضدها، بل وصل الأمر أن أتهم أوباما السعودية أنها لا تتفهم السياسة الأمريكية في المنطقة ولا تساعد أمريكا على تطبيق سياساتها، وطالب السعودية أن تتعايش مع إيران، لكن بعدما أدركت السعودية أن لا مناص من المواجهة، فقررت الدفاع عن أمنها القومي والخليجي والعربي، فشكلت تحالف عربي عسكري لوقف النفوذ الإيراني في اليمن، وأرسلت رسالة للعالم أنه بما قامت به كان دفاعا عن أمنها تزامن ذلك مع تشكيلها تحالف إسلامي واسع في خطوة لم تخطر على بال أمريكا وإن كان أمريكا ساهمت في فرط هذه التحالفات.
لكن مع وصول ترمب إلى رئاسة أمريكا، قام بأول زيارة خارجية إلى السعودية، وصفت حينها بالزيارة التاريخية في 20 مايو 2017 لصياغة رؤية مشتركة بين الولايات المتحدة وشركائها، والاجتماع بزعماء وقادة 55 من الدول العربية والإسلامية، وعقد 3 قمم الأولى كانت قمة سعودية أميركية، والثانية خليجية أميركية، والثالثة أميركية إسلامية لمحاربة الإرهاب والتطرف لتدشين مرحلة جديدة في التنافس بينها وبين الصين وروسيا.
ضمن استراتيجية السعودية لبناء علاقات مفتوحة ومتوازنة مع القوى الدولية الكبرى، أتت زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لموسكو في 5 أكتوبر 2017، أزعجت أميركا، فأدرجت التحالف العربي في اليمن بقيادة الرياض على اللائحة السوداء.
حيث يثير الانفتاح السعودي على بعض الدول الكبرى وبشكل خاص الانفتاح على كل من روسيا والصين العديد من التساؤلات في واشنطن نظرا لما يترتب على ذلك من تأثير على العلاقات السعودية الأميركية، وبشكل خاص بعد المناورات المشتركة بين السعودية والصين التي هدفت إلى تحسين العلاقات بين البلدين، وقد تؤدي إلى زيادة المشتريات العسكرية السعودية من الصين، وكانت مناورات السيف الأزرق التي أجريت في 2019 في قاعدة الملك فيصل في مقر القيادة البحرية السعودية الغربية، وهي من الأحداث الهامة إذ ترغب السعودية في تواجد الصين في مضيق باب المندب ومنطقة البحر الأحمر، وهو ما طرح تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة الأميركية ومستقبل العلاقات السعودية الأميركية.
ترى السعودية أن الشراكة مع الغرب وبشكل خاص مع الولايات المتحدة لا يمنعها من البحث عن مصالحها بما يضمن أمنها الوطني والإقليمي سواء بالتعاون مع روسيا أو مع الصين أو مع أي دولة أخرى، خصوصا وأن البيئة الدولية تساعد في الوقت الراهن على الانفتاح على الجميع، خاصة وأنه يمكن استحضار عام 1945 حين ظهرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين عظيمتين في ذلك الوقت، ومع التراجع الأمريكي الكبير في الوقت الراهن سيظهر روسيا والصين كقوتين عظيمتين للقرن الواحد والعشرين بالتزامن أيضا مع تراجع الاتحاد الأوربي.
وما لاح في الأفق من حرب حصص بين السعودية وروسيا عندما لم يتفق الطرفان على خفض إنتاج النفط لمواجهة تداعيات فايروس كورونا والتي ساهمت في انهيار أسواق النفط والأزمة الوجودية لصناعة النفط الصخري في أميركا، مما أدى إلى مزيد من التوتر بين السعودية والكونغرس، لكن توافق السعودية وروسيا وضمنيا النفط الصخري على خفض الإنتاج أشبه بعملية وقف إطلاق النار بين جميع الأطراف، وكان هناك اعتراف من قبل الطرفين قيادة السعودية لأسواق النفط العالمية من أجل استعادة استقرار أسواق النفط.
ما يزعج الولايات المتحدة أيضا دعوة روسيا السعودية إلى استبدال مظلة الدفاع الأميركية في الخليج بترتيب أمني متعدد الأطراف من شأنه أن يشمل الولايات المتحدة وكذلك الصين وأوربا والهند وهو ما جعل أمريكا تجدد مسؤوليتها عن أمن الخليج، خصوصا وأن الاقتراح الذي تقدم به بوتين ولد ميتا بسبب أن السعودية ترفض التعامل مع إيران دون شروط مسبقة، وكذلك الصين لا ترغب في القيام بدور عسكري رئيسي في الشرق الأوسط على الرغم من تأسيس أول قاعدة عسكرية أجنبية لها في جيبوتي.
لكن تسعى السعودية نحو تأمين مكانة لها في عالم علاقات القوى الكبرى حتى لا تظل أسيرة علاقات محددة، كما أن التاريخ يذكرنا أن مساهمة القوة الناعمة للصين ليست لعبة محصلتها صفر وهو ما تستوعبه الدبلوماسية السعودية وتبني استراتيجياتها عليه وترفض رهن علاقاتها بدول محددة.
تعتقد الولايات المتحدة أن شراكتها مع السعودية استراتيجية بسبب أن لها أهمية في زمن المنافسات الكبرى، وفي زمن رؤية الحرب على الإرهاب من أنه كان الخطر الحقيقي لكنه انتهى ولم يعد الآن، لذلك تحرص الولايات المتحدة أن تعيد تموضعها، ومنزعجة الولايات المتحدة من سعي السعودية لشراء منظومة صواريخ إس 400 خصوصا بعد تعرض منشآتها في أرامكو أوقفت نصف إنتاجها، فهي تسعى نحو حماية منشآتها، ولن تكتف بتأكيد الولايات المتحدة على أنها ملتزمة بحماية أمن الخليج ومصالح شركائها في المنطقة.
لذلك ترى في إقامة علاقات مع الصين خصوصا وأن الولايات المتحدة تعتبر هواوي و5G هما وسيلة جمع معلومات استخبارية وتدعي أنه مشروع تجاري، وتعتبر الولايات المتحدة أن الصين تقوم بأعمال تهدد الأمن الأميركي، ولا تود السعودية كما الاتحاد الأوربي الانجرار خلف الولايات المتحدة في الصراع التجاري القائم بين الطرفين، فيما السعودية ترى أنه حقها الطبيعي في إقامة شراكات عالمية كما تقيم شراكة مع الولايات المتحدة وهي تتبع سياسة الأبواب المفتوحة .
كما تدرك السعودية أن إيران ستستمر في مواصلة مشروعها وفق التحرك الدولي، وهي تراقب عن كثب الموقف الأوربي المتردد، ولا تود دول الخليج أن يستمر الصراع بينها وبين إيران بسبب أن لأمريكا أجندة تختلف عن أجندة السعودية، وإن التقت الأجندة في عهد ترمب، وفشلت إيران وأذرعها في تحويل الأنظار عن تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى تصوير الموقف أن السعودية وافقت على صفقة القرن أو أن السعودية تتحالف مع إسرائيل ضد طهران التي تود تحرير القدس، مما يعتبر فشلا في معالجة الصراع بينها وبين السعودية، وتحويله من صراع إلى تعاون مصالح، خصوصا وأن السعودية كما إيران يدركان أن الولايات المتحدة تلعب على الصراعات البينية وعلى تأجيجها من أجل التموضع.
لذلك ليس من مصلحة أمريكا إنهاء أي صراع في المنطقة، كالصراع في اليمن من أجل أن تبقى السعودية تركض خلف تأكيد طلب بقاء القوات الأمريكية في المنطقة وكسب ودها، ويزعجها استعانة السعودية بقدرات خارج الدائرة الأمريكية، أو ترك المجال لمن يحاول احتواء الاحتقانات بين الجانبين، كما قامت سلطنة عمان من قبل كوسيط بين الولايات المتحدة وطهران في زمن أوباما في التوصل إلى توقيع اتفاق نووي بين إيران والدول ال5+1، خصوصا وأن إيران استثمرت احتلال أمريكا للعراق عام 2003 وتسليمه لها وجدتها فرصتها في تنفيذ مخططها التاريخي الذي لولا أمريكا لما تمكنت من تنفيذ هذه المخطط.
مثل هذه الظروف غير قائمة في الوقت الحاضر، لكن هناك موقفان داخل إيران، موقف المتشددين وهو الذي يريد الحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها في المنطقة بتمكين الإدارة الأمريكية، وبين موقف يرى أن الظروف والمعطيات السياسية قد تغيرت في المنطقة، بسبب أن الولايات المتحدة ترى في روسيا والصين دول منافسة لن تسمح لها أن تهدد أو تقوض مصالحها في المنطقة، وهو ما فرض عليها التدخل في وقف النفوذ الإيراني لصالح استراتيجياتها الجديدة، وليس من أجل الحفاظ على أمن السعودية كما تدعي لكن وجدت السعودية التقاء مصالح الطرفين، وحتى هذه الجزئية وهي حماية أمن السعودية لم يكن بالمجان، وهي تأتي ضمن اتفاقات دولية موقعة.
لا تستطيع السعودية بمفردها مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة ما عدا المناطق الحيوية التي تهدد امن السعودية الإقليمي مثل في البحرين وفي اليمن، وبالتعاون مع مصر ودولة الإمارات المتحدة ساهمت هذه الدول في حماية أمن البحر الأحمر ضمن اتفاقية الدول المتشاطئة، لكن التحرش الإيراني بالقوات الأمريكية في منطقة الخليج فقدرات الولايات المتحدة كفيلة بوقف هذا التحرش، وكذلك إطلاق إيران أول قمر صناعي عسكري فهو يعود للسياسات الأمريكية الجديدة إن أرادت وقفه، وتعتبره الولايات المتحدة قفزة ضفدع لا غير، رغم ذلك تحاول أمريكا أن تخيف السعودية بهذه التحركات، وتعتبر أن إطلاق هذا القمر لا يهدد أمريكا البعيدة بل هو تحذير وخط أحمر من أنها تكن عداء لشركائنا وحلفائنا، وأعتقد أنها تقصد بشكل خاص أن الخطر يهدد أمن إسرائيل.
أتى تصنيف حزب الله منظمة إرهابية مؤخرا عندما شعر العالم الغربي وبشكل خاص أوربا بخطره على أمنها، ويحظى لبنان بمكانة استراتيجية لدى الغرب، وعندما شعرت ألمانيا بخطر حزب الله وضعته على لائحة الإرهاب ومنعته من ممارسة دوره الإرهابي في ألماينا حيث يعد حزب الله ألمانيا منطلقا له إلى أوربا.
بدأ يدرك العالم الغربي أن إيران وأذرعها يقومون بتصدير الثورة ولكنهم غير أخلاقيين وغير خلاقين يتسببوا في تدمير المنطقة التي يمكن تسليمها لروسيا وللصين المتحفزة على حساب مصالح الولايات المتحدة والغرب، واكتشف الولايات المتحدة التي تمارس حربا تجارية مع الصين تدرك أن انسحاب الصين كقوة عظمى من السوق الاقتصادية العالمية تسبب أزمة للسوق فهي فقط تبحث عن تنازلات من الصين تصب في صالح الميزان التجاري بينها وبين الصين، لكن بعد وضع العقوبات القاسية على إيران لم تسبب أزمة للسوق العالمي.

لا تعليقات

اترك رد