الجوكر … الحرية بطعم الكورونا

 

أكبر جدلية يمكن أن يغرق في بحورها الإنسان محاولة إيجاد الخط الفاصل بين الواقع والخيال، والأصعب تحديد في أيٍ من العالمين نعيش. فماذا إن كانت حياتنا هي مجرد حلم، أو بالأحرى في كثير من الأحيان كابوس؟ وكيف ندلل على أن ما نحياه هو حياة حقيقية وليس واقع افتراضي؟ ولو افترضنا جدلاً أن ما نحيا به هو الواقع، لسوف يكون ذلك مصدر سعادة كبرى لنا؛ لأننا في ذلك الوقت لسوف نسعد بما نحققه من إنجازات، وأن جميعها لسوف تتذكرها الأجيال القادمة وتذكرنا معها. وأكثر من كل هذا، لسوف نكون نحن صناع التاريخ، ولسوف تصير حيواتنا تاريخ مصغر ليدخل في دائرة التاريخ الأكبر، أو كما يسمى بالسردية الكبرى. ومن الوسائل التي اخترعها الإنسان ليصير بها مدوناً لتاريخ حقبة ما، وفي نفس الوقت من السهل تناقلها بشكل محبب بين مجتمعات العالم شتى، كانت صناعة الأفلام، والتي تطورت لتكون معملاً للإبداع قد يلمس الواقع بشكل خفي، لكنه يعمل على تصوير مكنونات البشر بشكل تجريدي فني يحث المشاهد أن يرى ويفكر، وهو يستمتع بصناعة فنية راقية. فمشاهد الفيلم تنقل ملامح من الواقع، وخاصة في الأفلام التي تهتم أكثر بالإطار الفني، لكن مشاهد الفيلم الخيالية لا يمكن أن تمثل الواقع بجميع تفاصيله؛ لأنها حبيسة عالم الخيال الكائن في صناعة السينما الذي مبناه التوكيد على عناصر فنية تجعل للمشهد الواحد أبعاد فنية متعددة.
ومن الأفلام التي عصفت بمفاهيم كثيرة لدى المشاهد والمنتج كان الفيلم الأمريكي “الجوكر” Joker الذي تلاقفته دور العرض بجميع أنحاء العالم بشغف منذ إطلاقه بدور العرض الأمريكية في 4 أكتوبر 2019، وحقق إيرادات عالمية غير مسبوقة بالرغم من أنه فيلم منخفض الميزانية، وكذلك بالرغم من أن الفيلم مصنفاً كفيلم “محدد” Restricted أي لا يصلح للرؤية لجميع المراهقين تحت سن السابعة عشر، لأنه يسبب الشعور بالاضطراب والقلق. وفيلم “الجوكر” Joker هو فيلم نفسي بحت، يسعى لتأصيل وتحليل الشخصية الهزلية “الجوكر” Joker التي تظهر مع شخصية البطل “باتمان” Batman، ودائماً ما يتم تصويرها بأنها أصل الشرور والقلاقل في مدينة “جوثام” الخيالية. وبالرغم من كم الشر العالم الذي تنطوي عليه تلك الشخصية التي تختار لنفسها أن تظهر صابغة وجهها بالألوان كأي مهرج، إلا أنه كان دوماً من المدهش أن كل من يقع عليه الاختيار لتمثيلها، كان يقع في حبائلها، لدرجة أن العديد ممن شخصوها كان من الصعب عليهم التخلص من تقمص الشخصية لفترات طويلة. وكل ممثل كان يحاول أن يتخييل السبب وراء تحول تلك الشخصية التي يفترض أن تكون طيبة وترسم البسمة على شفاه الآخرين إلى ذلك الشر العارم بكل سلاسة، وبطريقة تدعو للتعاطف.
ثم ظهر أخيراً فيلم “الجوكر” Joker الذي يحاول نبش ماضي تلك التركيبة النفسية المعقدة، فوجد المشاهد البطل شخص لم ينل قسط كافِ من التعليم لإصابته بمرض نفسي منذ الصغر يمنعه من الانخراط في الحياة بشكل كامل. وأما عن جسده، فهو شديد النحول، لدرجة أن العظام بارزة بشكل يبعث للتعاطف. وبالرغم من الفقر الذي يجعله يعمل كمهرج، ويتحمل سخافات البشر واعتداءهم الجسدي عليه بالضرب بصورة متكررة دون أدنى سبب، إلا أنه يحاول أن يكبح كل غضبه ويتعامل بدماثة مع الجميع، حتى في أحلك الظروف؛ فهو راغب عن إيذاء أي فرد بإظهار مشاعره الغاضبة، وكل هدفه في الحياه أن يصير سعيد من خلال إسعاد الجميع. ومن ثم، قد يتركونه في نهاية الأمر ليصير سعيداً، عندما يحقق طموحه في أن يصير ممثل كوميدي إرتجالي Stand-up Comedian. فصار شديد اللطف مع الآخرين، وإبناً شديد البر بوالدته التي يعيش معها ويرعاها، ويرضخ قسراً لرغبتها في أن تعامله كطفل عمره لا يتجاوز العشر سنوات. وبكل خنوع، يحضر طعامها، ويطعمها، ويغسل جسدها، ويستمع لحكاياتها المكررة دون أدنى اعتراض، ناكراً وجوده ورغباته تماماً أمامها. وبسبب كل هذا الكبت النفسي الذي فرض على “آرثر فليك” Arthur Fleck أن يدفن حياته ومشاعره النابضة، صار بؤسه مضاعفاً من ردة فعلة الغريبة عندما يصير في حالة تتطلب البكاء، أو النحيب، أو الغضب، أو الحزن، أو القلق؛ لأنه بدلاً من أن ينفث عن مشاعره بالصراخ أو العويل كأي فرد طبيعي، يبدأ في إطلاق ضحكات طويلة مجلجلة متواصلة.
وبالرغم من كون بطل الفيلم حر وطليق، إلا أنه يعيش حبيس عالمه الضيق الناجم عن المرض النفسي، والسيطرة الغاشمة لأمه، وإساءات الآخرين له، واستياء الآخرين من جميع تصرفاته التي لا يقصد بها إلا أن يتحامل على نفسه ويتصرف بلطف زائد. وبسبب ذلك الحبس الإجباري في محيط نفسي مشوه شديد الضيق، فيما يبدو أن “آرثر فليك” Arthur Fleck قد أصيب بما يسمى ب”متلازمة الكوخ” Cabin Fever والتي تنجم من عزل الإنسان في مكان ما لفترات طويلة، فتظهر آثار المتلازمة في شكل قلق، أو عنف، أو اضطراب، أو النوم لفترات طويلة، أو العكس. وأهم أعراض تلك المتلازمة هو محاولة الخروج من هذا العالم في لحظة ما لكسر جميع القيود بشكل غير عقلاني، كمحاولة لاسترداد حياة قد تم هدرها.
وهذا بالفعل ماحدث لبطل الفيلم، الذي فشل في جميع علاقاته وحتى في حلمه أن يصير ممثل كوميدي إرتجالي؛ لأنه لم يوجد أحد يفهم نكاته البائسة التي توضح مرضه النفسي العضال. ولحظة التنوير وجدها عندما فك تخلص من جميع قيوده بقتل ثلاث شباب اعتدوا عليه دون سبب وهو في طريق عودته للمنزل ولا يزال يضع مساحيق المهرج على وجهه، وهؤلاء الشباب يعملون في مؤسسة وين الكبرى التي يعتبرها الجميع أصل الشرور في مدينة جوثام الخيالية، والتي يحتقر صاحبها توماس وين Thomas Wayne جميع من يحقدون على الأغنياء والناجحين أمثاله ويسميهم “مهرجون”. ولدهشة بطل الفيلم، أن أفراد الشعب بدلاً من شجب ما فعله، إلا أنهم جميعاً تضامنوا من قام بقتل ممثلي توماس وين الذي يحقر من الفقراء والمحرومين. ولما علموا أن قاتل كانت أصباغ المهرج على وجهه، وضع الجميع قناع “المهرج” تضامناً مع القاتل المظلوم، كنوع من المعارضة الصامتة التي قد تخرجهم من “متلازمة الكوخ” التي أيضاً يعانون منها بدرجات متفاوتة، وإن كانت لا تضاهي الدرجة الخطيرة التي يعاني منها بطل الفيلم.
وتأتي الذروة عندما يبدأ بطل الفيلم بقتل جميع من أساؤوا إليه واحداً تلو الآخر بلا خوف، وبشكل علني. ويتزامن مع ذلك خروج الجموع في أعمال شغب ونهب تعصف بأرجاء المدينة وتدمرها. بل وأنه عندما يقبض البوليس على بطل الفيلم الذي أعلن عن شخصيته الجديدة سوف ينتهجها باسم “الجوكر”، يقوم الجموع بمهاجمة سيارة الشرطة التي تنقله، ويقتلون أفراد الشرطة، ثم يحررون “الجوكر” الذين يتخذون منه زعيماً؛ لأنهم يفهمون ما يعصف بكيانه، ويفهمون رقصاته، ونكاته التي لم يفهمها أحدهم من قبل، واعتبروها نابعة من مريض نفسي.
لكن كانت المفاجأة عندما قفز المشهد المهيب الذي يرقص فيه “الجوكر” على سيارة الشرطة وسط الحطام، والدمار، وأعمال الشغب، بينما يهتف الجميع له ويحيونه أنه قفز من شاشات العرض إلى أرض الواقع بجميع تفاصليه، بل وصار يتكرر مراراً وتكراراً في عرض مستمر منذ يوم الجمعة الموافق 29 مايو 2020 في عدة ولايات أمريكية في مظاهرات تم تسميتها ب”يوم الثأر”، بسبب مقتل شاب أفريقي أمريكي “جورج فلويد” مخنوقاً على يد أحد أفراد الشرطة الذي برك بركبته على رقبة الراحل جورج فلويد حتى أزهق روحه. وأكد المتخصصون أن السبب في تداعيات الموقف العاصفة هو “متلازمة الكوخ” التي أصابت جموع الشعب بعد حبسه لفترات طويلة في المنزل بسبب تفشي فيروس كوفيد-19 المستجد، والذي لا يزال يعجز العلماء عن وجود علاج له.
والمشكلة الكبرى في هذا الموقف الغريب هو خروج واحداً من أقسى مشاهد العنف النفسي من حيز شاشات السينما إلى أرض الواقع. لسوف يعصف بالعالم في القريب العاجل وبشكل متلاحق العديد من الأزمات بسبب تفشي المرض، وحالات الموت المتكررة القاسية، وضيق الظروف المعيشية، وفقدان الكثير لوظائفهم وأموالهم بسبب تدهو النشاط الاقتصادي العالمي بسبب تفشي فيروس كوفيد-19 المستجد المعروف باسم “كورونا”. التساؤل هنا، ما هو مشهد العنف القادم الذي سوف يحاكيه البشر للثنفيث عن غضبهم والوصول لحالة من الحرية فقدوها في ظل سجن افتراضي من الظروف؟ المشهد العالمي المتأجج بالاضطراب ينذر بالعديد من المخاوف، ولن تسلم أي دولة من تكرار مشاهد عنف غاشمة يقع الأبرياء فريسة لها، وتؤثر بالسلب على الجميع.

لا تعليقات

اترك رد