العقل العلمي بين منظومتي التعليم تنويرا والتلقين إظلاما وتخلفا ؟

 

يمتلك كل من الأفراد والجماعات عقلا موصوفاً في ضوء هويته، وهوية اشتغاله. فهناك العقل العلمي مثلما هناك ذهنية الخرافة ومن يتحنط بها ليشتغل بها نهجا وممارسة حياتية يومية. أما العقل العلمي فلا نجده إلا بتمكين قدراته من التحليل والتركيب بصورة خلاقة وهو ما يقتضي دربة وخبرة علمية ملموسة التجربة. وأما العقل المتخلف فهو ما يقيد وجوده واشتغاله بالخرافة ودجل أضاليلها لينشغل ويُشاغل بذاك المنطق التلقيني القائم على لغو ما يُحشى به من مفاهيم جامدة متكلسة أو متحنطة بقيود العبودية…

إنّ من أبرز فرص عشعشة منطق الخرافة هو إشاعة الأميتين الأبجدية والثقافية الحضارية ففي الأولى تصير اللغة وعاء فارغاً ومجرد رموز يمكن أن تقرأ بها نصوصا بعينها ولا يمكن التحول عن تلك النصوص القوالب من دون عثرات جمة.. وأيضا هناك حال من أمية أبجدية تعود لتخلف استخدام الحرف للإغناء وإثراء القدرة العقلية دع عنك أمية أبعد تخص القطيعة مع التكنولوجيا وأبجديات برامجياتها.. فإن انتقلنا إلى المنظومة الروحية الثقافية فإننا سنجابه تحنّطا مفهوميا منغلقا يستغلق على أي شكل للحوار والمناقشة وتشغيل العقل في تحليل أمر أو تفكيكه بقصد الاختبار والتناول والمعالجة، غذ عادة ما يكون الجمود مستندا إلى المنع والحظر وما يسمونه التحريم والتكفير، ما لا يسمح بمتابعة حوار مهما كان أوليا مبدئيا…

إنّ تجميد العقل وتكبيله بالقيود والمفاهيم المسبقة الحاجبة لقدرة العلم على إدراك الحقائق وتحليلها في وجودها وشروط ذلك، إنّ كل ذلك هو تفعيل لغسيل الدماغ ومنعه من وعي وجوده من جهة وإدراك نهج اشتغاله ما يؤدي لفرصة وحيدة تكمن في حشوه بخلفية استسلامه لسلبية الاستقبال التلقيني…

والأنكى، أن ذاك التلقين لا يتم إلا بسطحيات ساذجة من حكايا الخرافة ودجل تلاعباتها وفرض استباقي لتصديقها بلا مناقشة وتمكينها من العقل على أساس إسقاط القدسية وهالة عدم مناقشتها… هنا تنمو الخرافة أدغال أباطيل وأضاليل لتحتل حركة الإنسان بعد فرض استعباده من جهة وإصابته بالرعب والهلع حد الشلل…ومما يُخضِع هذا الإنسان لنلك السلطة المرضية بخاصة هنا السلطة أو الدكتاتورية مدعية التدين المزيف حال الإفقار وإشاعة البطالة وعنف الحاجة والفاقة ما يتطلب سدّ لقمة العيش ممن غرس فكرة امتلاكه كل شيء ومن ذلك الثروة الوطنية بعموم تفاصيلها!

وحيثما ساد نظام المافيا وإفسادها الحياة، ساد معها التراجع والانكسار في منظومة قيمية كان ينبغي أن تنتمي للعصر وحداثته لكنها هنا تتحنط عند مستويات القبول أو الخنوع لمنطق الاستغلال وإفرازاته المرضية السلبية..

إن أخطر ما يتعرض للإهمال المتعمد بعد قضية البطالة والفقر المشاعة بقصد هو التعليم إذ يتعرض لأفدح الانتهاكات بمنظومة اشتغاله وقدرته على غنتاج مخرجات إيجابية! ونحن نجد تعاضد مجمل مخرجات النظام العام على الدفع باتجاه وقف بناء المدارس ومرفقاتها الضرورية وفرض مناهج ومقررات تستل مفاهيمها من غيبيات تعود للخرافة ودجلها قبل تفكرها بالدين وبالقيم الروحية السليمة تحديداً ..

والتعليم في ظل هذا النهج الماضوي ليس سوى ((تلقين معلومة)) لا حوار فيه ولا يتجاوز الفعل فيه منطقة التلقي والحفظ عن ظهر غيب لكل ما يأتيه يسلم به وبمصداقيته حتى لو كان مجرد خرافة مضللة! إنه لا يسمح بالفعل الذي يبني بالتجريب والاختبار والمناقشة…

وكثرما سمع التلامذة أنت لجوج، مهذار مكثار الأسئلة! ليُنهَر ويُكره على (القعود) ساكنا لا يناقش عليه فقط التلقي ممن يُملي عليه ويحشوه بمعلومة أو أخرى…

إن تخريب التعليم الذي تقدم حتى غدا الطالب يمنطقة الفعل البنائي بقدرات التحليل والتفكيك والتجريب هو تراجع قسري بالإكراه نحو مناطق كانت قد اضمحلت طوال عقود من نشأة الدولة الوطنية في شرقنا الأوسط!

والسر في تلك التوجهات سطوة المحافظين المتزمتين وذوي المناهج الماضوية الكتاتيبية الملائية ووقوفهم بسلطتهم وتصدرهم للمشهد لكل ما ينتمي للعصر..

أذكر على سبيل المثال لا الحصر اعتراضهم على إدخال ((التعليم الألكتروني)) نظاما تعليميا لا يقف عند تعلّم التكنولوجيا بمعلومات إدارة أجهزتها بل يغور عميقا في كنه بناء العقل العلمي بمعنى نهج تفعيل أدوار الطلبة في عملية التعليم والتعلم ودفع الأساتذة لتطوير إمكانات الحوار بالاتسناد إلى خبرات علمية وتجاريب واسعة عميقة وليست مجرد معلومة مكرورة كما تكرار حفظ أبيات قصيدة..

إن استنطاقا منهجيا جديدا يقوم على منظومة تعليم جديدة الجوهر والنهج بمعنى منظومة تشغيل (التفكير) وطابع الوجود التنويري هو ما يتصدى للظلامي القائم على القبول المسبق بدجل الخرافة.. وهنا نجد حركة تقدمية تتنامى وتعلو إلى حيث أحدث ما توصل إليه الحوار العلمي في بناء العقل وبناء الإنسان المعاصر ومنظوماته القيمية ومن ثم حاجته للتعليم ونظمه الجديدة الحديثة..

وبين منطقة الفعل والحركة ورفض القيود والمسبقات الحكمية المسبقة ومنطقة الجمود والتكلس والخضوع لنهج الملّائية واستقبال حشو الخرافة تناقض وتضاد في الاتجاه والمنهج والمضمون…

إننا بحاجة لمزيد معالجات تؤكد الحرص على خلق جمهور يعي حق تقرير المصير وإعلاء شأن الشعب وقدرته الفكرية على تبني الأحدث والأنجع في السير به إلى أمام وعليه وبظرف سطوة لصوصية لقوى الظلام على بلدان بمنطقتنا لابد من أن نثير التناول وبصورة معلنة تخاطب شعوبنا كي نتمسك بصحيح الخطى وصائبها ونقف بوجه الريح الصفرا .. فهلا تفكرنا وتدبرنا؟ هل اتخذنا القرار الأنجع؟ هلا اتفقنا على خيار التعليم ونظمه الأحدث طريقا لصنع وعينا وإدراكنا واقعنا ومشكلاته ومعضلاته بصورة صائبة كي نعالجه؟

أم أن بعضهم سيبقى متحنطا عند منطقة استسلام وخنوع وتبعية لماضويات ما أنزل بها دين ولا منظومة قيم سليمة من سلطان!؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد