الاستراتيجية الامريكية بالشرق الاوسط مصر انموذجا …..

 
الاستراتيجية الامريكية بالشرق الاوسط مصر انوذجا .....

القطبية كمفهوم أمريكي تبنته السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقد التسعينيات والذي سوقته بعد تداعيات حل الاتحاد السوفيتي وهيمنتها كقطب رئيس يقود البوصلة الكوكبية كما تشتهيها وخنوع القوى الكبرى لاتجاهات البوصلة هذه ، جعل العالم عرضة للازمات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتتالية ، وانهيارات هنا وهناك وحروبا وبلدانا تقسم وتجزأ ، واقتتال ديني وطائفي وعرقي في اغلب المناطق ، وصراع قوى إقليمية وداخلية في اغلب البقاع ، مما جعل العالم ممزقا ، وقد سوق الأمريكيون فكرة صدام الحضارات لهنكتون ، وهذا بدوره شجع الدول و الشعوب والأقليات والطوائف والفئات أن تتبنى سياسات مضادة للسياسات الأمريكية التي ينظر إليها كسياسات هيمنة و عدوانية واقصائية .

المتابع يرى أن الولايات المتحدة تطرح أفكارا وأيدلوجيات وتختبرها بين فترة وأخرى ومنها العولمة والفوضى الخلاقة والقطبية وغيرها ، ولكنها فشلت جميعها في تحقيق عدالة ما وساهمت بمزيد من التخلف والجهل والانقسامات والفوضى والتشرذم المجتمعي في اغلب بقاع العالم ، وزاد الفقر فقرا وحلت الأمراض وتفشت الأمية والمجاعة والحروب الإقليمية وزاد التطرف والتعصب المجتمعي بغض النظر عن خلفياته وفقد السلام والتضامن الاممي.

لقد أدركت الدول الكبرى إلى المصير الذي ينتظرها جراء قطبية الولايات المتحدة بصفتها شرطيا على العالم والذي تقوده للمجهول ، فشكلت بعد عام 2001 كارتلات اقتصادية سياسية وأصبحت قوى عملاقة مثل مجموعة الآسيان والاتحاد الأوربي وكذلك بروز البرازيل وبعض الدول في أمريكا الجنوبية كقوى اقتصادية عملاقة وكذلك بروز تركيا كقطب اقتصادي وسياسي محوري ، وعودة الاتحاد الروسي كقوة اقتصادية هائلة وظهور إيران على الساحة النووية العالمية وتنامي نفوذها في مختلف مناطق العالم كقوة خفية أو ظاهرة تستطيع أن تؤثر في المتغيرات السياسية لكثير من الدول ، والصدمات المالية والاقتصادية التي واجهتها الولايات المتحدة منذ عام 2006 وصعودا والذي جاء باوباما لسدة الرئاسة الأمريكية ، وشلل الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية والربيع العربي الذي أوصل الحركات الإسلامية المتشددة إلى واجهة الحكم وما سببه من تمزيق لحمة النسيج الوطني العربي ، كل هذا وذاك ساهم بشكل وبآخر أن يجعل العالم يعيش فترة أللاستقرار والتوتر ويشهد مزيدا من الصراعات الإقليمية والدولية والمحلية ، وهذا يجعل من هذه الأسباب والعوامل للعالم الحق في تشكيل جديد لموازين القوى والعمل على إعادة الاستقرار له .

والموضوع الذي نحن بصدده هو ما تشهده مصر من تغيير كبير على الصعيد السياسي بعد فشل الإخوان المسلمون بعد توليهم نظام الحكم من إدارة البلاد إدارة تليق بمكانة مصر على المستويين الدولي والعربي وان تنقذ المصريين من المشاكل التي يعانون منها ، ومن أهمها الفقر والبطالة ، واليوم نشهد بأم أعيينا إصرار الشعب المصري على التغيير وإعادة مصر إلى ما كانت عليه سابقا كدولة محورية للعالمين العربي والدولي ولخلق توازنات مفقودة في الشرق الأوسط ، حيث تعاني الدول العربية من هيمنة قوتين كبريتين في المنطقة وهما ( إسرائيل وإيران ) اللتان تنفذان أجندتهما الإقليمية بالمنطقة وحسب مصالحهم .

إن اعتلاء عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم شكل تحولا خطيرا ومهما ليس على الصعيد المصري أو العربي بل سيعد نقطة تحول في موازين القوى في المنطقة وسيضمحل دور إيران وإسرائيل بشكل كبير جدا ، لان مصر ستشكل حاضنة للعرب في قراراتهم السياسية والاقتصادية والثقافية ، الثقافة المصرية ستهيمن على باقي الثقافات العربية بل على الثقافة التركية والإيرانية والأجنبية .

وأقول الثقافة المصرية اقصد بها سيعاد النفس القومي العربي من جديد باعتبار إن الغزو الثقافي الذي يواجه العرب هو تحديات قومية خارجية أو تحديات مختلفة ومنها السيطرة على منافذ البترول في هذه المنطقة فلابد من مشروع من هكذا نوع يعيد للعرب شتاتهم أولا ويعيد برامج التنمية لديهم ثانيا ، وخاصة إن رؤوس الأموال العربية هربت بسبب توقف التنمية في بلدانهم وكذلك إغراءات الدول الكبرى لاستثمار رؤوس الأموال العربية عندهم ، والفساد الإداري الذي تعاني منه اغلب الدول العربية الذي يعد آفة بوجه مشاريع التنمية المستدامة.

إن المشروع العربي الجديد سيواجه تحديات كبيرة وهذه التحديات كانت سابقا تمثل تحديات خارجية في اغلبها لكنها ستواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية عالمية وإقليمية مجتمعة ، ولكن المختلف اليوم عند الشعوب العربية هناك فرصة للتعبير عن رأيها في جو وفي فسحة من الحرية عكس ما كان سائدا في العقود الماضية الذي كانت تقمع فيه الاصوت المناهضة والمعارضة ولا صوت غير صوت الحاكم المتسلط على رقاب الشعوب .

ساهمت بعض دول الخليج بشكل عند تولي السيسي بإنجاح خططه لانتشال مصر من واقعها الاقتصادي المؤلم وكذلك التخلص من الإرهاب ، وسيسهم إعادة بشار الأسد للحكم أو بقائه كما هو محافظا على نظام حكمه لسوريا وقبول الخليج بهذا الوضع واطمئنان إيران على مصالحها القومية ستشكل عوامل مهمة في تهدئة المنطقة .

وان وصول السيسي للحكم في حقيقة الأمر هو تحدي كبير أمام الدول الكبرى كأمريكا والغرب من جهة والاتحاد الروسي والقوى الاقتصادية الناعمة آسيان من جهة اخرى، وستتسابق هذه الدول في دعمها للسيسي وان يكون لها موطأ قدم في مصر على شكل استثمارات عسكرية واقتصادية وسياسية ، حيث ستكون مصر هي اللاعب الرئيسي في التغييرات التي ستحصل بالمنطقة بعد وصول السيسي وكذلك ما سيلعبه من التأثير على قرار العرب وتوحيده .
هناك تداعيات كبيرة على الساحة العربية ستبرز بعد فترة وجيزة من بيان ملامح وشكل النظام الذي سيؤسسه السيسي في مصر ومن أهمها استنساخ التجربة المصرية في تولي دفة الحكم في هذه البلدان، والسؤال المهم والأخير : من اخطر التحديات التي ستواجه السيسي هي رمزيته وشعبيته فهل سيفلح في إقامة دولة مدنية متعددة تقوم على أساس دستور مدني فيه تداول سلمي للسلطة على المدى الطويل ؟

1 تعليقك

  1. Avatar رياض الدليمي

    شكري وتقديري لمجلتكم الغراء على مجهودها الرائع تقبلوا فائق الاحترام

اترك رد