دروس رمضانية في الخيمياء: حولَ مائدةِ العشقِ والرياضيات (4)


 

رفعَ جدّي رأسَهُ، ونظرَ إليّ بعينيْنِ متفحّصتين وكأنه يراني لأول مرّة، ثمّ قال: «لماذا هذا السؤال يا أسماء؟ أعتقدُ يا ابنتي أنّهُ لا يليق بمقامنا، ولا بهذا الشهر الفضيل، ما لنا نحن والسّحرة والمشعوذين! أعلمُ جيّداً مدى كرهكِ لهُم، وأعلمُ أيضاً أنّكِ تعتبرينهم من شياطين الإنس، وإنّي لا ألومكِ أبداً في هذا، لأنّهم حقّا كذلكَ، وما هُم سوى مضلّلين وكذّابين وأفّاقين، يقتاتونَ على جهل النّاس وسذاجتهم وبساطتهم، لكنْ ثمّة شيءٌ عليكِ أنْ تفهمينَه جيّداً: الشيخ أحمد ليسَ بساحرٍ ولا هو بكاهنٍ بالمعنى التشعوُذيّ إيّاه، وإنّي أعتقدُ أنّ خوفكِ الشديد من المشعوذين هو الذي جعلكِ ترين فيهِ ما توهّمتِه أنتِ عنهُ حينما سمعتِه يطلبُ مِنْ صاحبِ الدّكّان أن ينسخَ صورة المرأةِ الحسناء باللونين الأبيض والأسود، فكثيراً ما يحدثُ ألّا يرى الإنسانُ في الغير سوى الصورة التي يرسمُها في خيالهِ عنه!»، «لكنّه يا جدّي هو نفسه اعترفَ بذلك، وقال لي بالقرب من المدرسة إنه ساحر»، «لقد قالَ لك ذلكَ ليتقرّبَ منكِ ويعرفكِ أكثر، لأنه حسبَ ما أخبرني بهِ، يعتقدُ أنكِ الحرفَ الذي كان يبحثُ عنه منذ سنين في هذا البلد لينقلَ إليهِ علومَه، فهُو عالِمٌ جليل وليس بساحرٍ أبدا. أرجو يا ابنتي أن تتعلّمي من هذه التجربة الدرسَ الآتي: ما كلّ شيء في الوجود يبدو كما هُو حقيقةً؛ الكلام مثلا يزيّفُ الحقائق، نبرة الصوتِ تزوّرُ كلّ شيء، الشكل والمظهر الخارجي للإنسان كذلك. عليكِ أن تحاولي دائما النظر حيثُ لا ينظرُ الآخرون. أنتِ مثلا حينما كنتِ أمام دكّان المدرسة ورأيتِ صورة المرأة، طرحتِ سؤالا مُهّمّاً للغايةِ، كان منَ المُفترضِ أنْ يأخذَكِ إلى الطريق الصحيح، لقد قلتِ للشيخ: [ما أجمَلها من فتاة أيّها الشيخُ الجليلُ، هل هي ابنتكَ؟]، ثمّ واصلتِ تعليقاتكِ المتلاحقة الواحدة تلو الأخرى دونَ أن تعطي للرجل فرصةً ليشرح لكِ من تكون حقا تلك الفتاة، ولا لماذا كان يقفُ بصورتها هناك. وهذا هو عيب من عيوب الإنسان الكبيرة؛ إنّها العجلة يا أسماء، والسرعة في الحكم على الغير. لذا، وقبل أن نواصلَ ندوتنا هذه، فإنني أطلبُ منكِ أن تعتذري للشيخ على كلّ ما بدرَ منكِ في حقّه، واسمعي بعد ذلك ما سيقوله لكِ باهتمام شديد»، فاجأني جدّي بكلماتهِ، وأحسستُ بالنّدَم على كل ما بدرَ منّي، واعتذرتُ للشيخ أحمد كما يليقُ بمقامه الكريم، لكنّهُ بهرنَا جميعا حينما قال: «أنا من عليّ أن أعتذر لكِ يا ابنتي ولستِ أنتِ؛ أنا منْ وقفتُ أمام الدّكّان فأفزعتكِ بلباسِي الدّيني الذي فَقَدَ مصداقيته تماماً لدى الجيل الجديد بسبب ما يرتكبُه رجالُ الدّين اليومَ من معاصي يندى لها الجبين، أنا من أدخلتُ الرّعبَ على قلبكِ الطيّب حينما طلبتُ من صاحب الدّكّان أن ينسخ لي الصورة باللونين الأبيض والأسود فظننتِني ساحراً، وأنتِ معذورة في هذا، فمُعظم رجال الدين اليوم سحرة ليس إلاّ، مُنشغلون بالدّجل والشعوذة، وأنا من يجبُ أن يقوم الآن ليقبّلَ جبينكِ، لأنكِ لولا خوفكِ على الفتاة صاحبة الصورة ومحبّتكِ العظيمة لها من بابِ أنها صورة من تجليات الخالق لما اكتشفتُ منْ تكونينَ»، «لا يا سيدي الفاضل، الأمر لا يستدعي كلّ هذا، فقد سامحتُكَ وأنتَ اليوم ضيف عزيز عندنا وشيخ جليل بيننا، ولم يبقَ الآن سوى أن تحدّثَنِي عن صاحبة الصورة»، «إنّها حبيبتي، لا تستغربي الأمرَ يا ابنتي، أعرفُ أنّهُ ثمة فارق كبير في السنّ بيننا، لكنّ العشقَ لا يعترفُ بالعمر ولا بالزّمن، وهذا هو الدّرس الذي لم يتعلمهُ لليوم رجالُ الدين، إنهم منشغلون بإشعال فتيل الكراهية في كلّ مكان، ونسوا أن السّحر الحقّ الذي لا يضاهيه سحر، هو العشق. حبيبتي اسمُها بيان، ولقدْ كانتْ أستاذةً للفنون الجميلة، ومن الرائدات في الفن التشكيلي بالمغرب، رأيتُها في إحدى المناسبات الخاصة بعيد العرش فسحرتْنِي بجمالها وأدبِها وأخلاقها، وحينما علمتُ بعد ذلكَ أنها غير متزوجة قرّرتُ التقرّبَ منها، فتوهّجَ نورُ شمعة العشق بيننا وتزوّجنا على الرغم من مكابرات زوجتي الأولى. بيان كانت إنسانة نبيلة ومُسالمة ومُحبّة للجميع، وحاولتْ لأكثر من مرّة التقرب من زوجتي الأولى إرضاء وإسعادا لي، إلى أن تحوّلتْ مشاعر الكراهية الدفينة في قلب زوجتي الأولى نحو بيان إلى مشاعر وداد ومحبّة واحترام، لا أحدَ منّا كان يشكُّ في مصداقية هذا التحول. لا أحدَ منّا كانَ يظنُّ أنَّ نار الحقد كانت من الممكن أن تدفع بزوجتي الأولى إلى اللجوء إلى أحدِ المشعوذين للتخلص من بيان، نعمْ يا ابنتي لقد قتلتْ زوجتي الأولى حبيبتي الأبدية بيان: كانت الملعونةُ تدُسّ لها السُّمَّ في الأكلِ في كلّ مرة كانت بيان تحلّ عليها ضيفة. ماتتْ بيان وماتتْ معها كل معاني الفرح والسعادة من حولي. وأنتِ يا ابنتي حينما رأيتِنِي قبل أيّام عند صاحب الدكّان، كان غرضي من الصورة بالأبيض والأسود تسليمها لصديقة بيان، وهي فنانة مثلها، كنتُ أريدُها أنْ ترسم لي لوحة كبيرة أعلّقها عندي بغرفتي ليظلَّ وجه بيان عندي وأمام ناظري بالأبيض والأسود، لأنّ بيان نفسها كانت تحبُّ هذين اللونين بشكلٍ عجيب، ومعظم لوحاتها كانت بالأبيض والأسود»، «طيّب، وما قصّة النار التي لمْ تلتهمْ صورة بيان؟»، «حينما عدتُ إلى البيت، جلستُ كعادتي فوق الأريكة وأخذتُ الصورة بين يديّ وبدأتُ أحدّق فيها لساعات طوال وأنا أتذكّرُ كل لحظة من لحظات السعادة والهناء التي عشناها معا، ولمْ أدر كيف أنني ووسطَ موجة غضب عارمة من نفسي على عدم تقديري لحجم نار الحقد التي كانت تلتهمُ قلب زوجتي الأولى، قمتُ بكّل ما في من قوة وجلبتُ ألبوم صُوَر بيان وقرّرتُ أن أحرقها جميعها حتى لا يبقى منها أثر يقع من بعدي في أيدي الحاقدين الغيورين الذين لا يعرفون معنى العشق والمحبّة، وبالفعلِ أحرقتُ جميع الصور، إلا هذه الصورة التي لمْ تلتهمها أبدا ألسنة اللهب، حينها تذكّرتُكِ، وتذكّرتُ لهفتَكِ على الصورة وأنتِ تخطفينها من بين يديّ، وتذكّرتُ نظرات المحبّة في عينيكِ وأنتِ تنظرين إلى بيان وكأنكِ تعرفينَها منذ زمنٍ بعيد، وتريدين أن تحميهَا من خطر ما، ولكيْ أثبت لكِ صحّة ما قلتُه الآن، فإني أطلب منك يا ابنتي أن تذهبي لطفاً إلى المطبخ وتجلبين منهُ علبة الثقاب»، وبسرعة البرق فعلتُ ما طلبهُ منّي، وحينما جلستُ مرّة أخرى فوق اللحاف إلى جانب جدّي، أخرجَ هو صورة معشوقته بيان ثم أشعلَ عود الثقاب وباشر بحرقها لكنّها لم تحترق، ثم طلب منّي مرّة ثانية أن أعطيه قطعة ورق عادية، ففتحتُ حقيبتي المدرسية وأعطيته ورقة بيضاء من دفتري فأشعلَ فيها النار ولم تحترق هي الأخرى، وبعدَ ذلكَ طلبَ منّي مرّة ثالثة أن أجلبَ له قطعة ثوب تكونُ مهملة، فلبّيْتُ طلبه وفعلَ بها مثلَ ما فعل بالصورة والورقة البيضاء، إلا أنّه هذه المرّة وخلافاً للمحاولات الأولى التهمتِ النّارُ قطعة الثوب الصغيرة، وبادرَ جدّي إلى إطفائها بيده بسرعة فائقة دون أن ينبس بكلمة واحدة. عندها رفعَ الفقيهُ أحمد رأسه من جديد وقالَ: «أعتقدُ أنّ الذي حدثَ الآن أمام أعيننا هو السّحر بعينه، ولا أقصُد به سحر المشعوذين والكهنة ورجال الدين الدجّالين، ولكن دعونا نسمّيه يا سادتي بعجائبِ الخيمياء، وأعتقدُ أنه انطلاقا من علوم الخيمياء هذه سوفَ نصل معاً، خطوة بخطوة إلى السّببِ الحقيقي الذي جعلَ صورة بيان هذه لا تحترق دونا عن غيرها من صور الألبوم العديدة. والآن انظري جيّدا يا أسماء في هذه الورقة البيضاء التي أعطيتني إيّاها قبل لحظات؛ سأرسمُ لك فوقها بعضا من الأشكال الهندسية، وعليكِ أن تختاري إحداها وتُعلّلي سببَ اختياركِ.
وما هي إلا هنيهات حتّى رسم الشيخ دائرة، ومثلثا ثم مربعا، واخترتُ بدون أدنى تردد المرّبع، وقلتُ لهُ: «أَحَبُّ الأشكال الهندسية إلى قلبي المربّع، أراهُ جامعاً ومحيطاً بكل شيء، أرى فيه جدّية وحزما، وأرى فيه صدقا وعدلا، وأراهُ قبل هذا وذاك شاشةً كفيلة بأنْ أشاهِدَ فوقها كلّ شيء، إنه يذكّرُني بشاشة التلفاز وكذا بشاشات السينما الكبيرة، أمّا الدائرة فإني أنفرُ منها لأنّ الشّعور بالتيه أو الضياع وسطَ شيء لا حدّ ولا نهاية لهُ يقلقني بل يخيفني، فأنا لا أعرفُ أين تبدأ وأين تنتهي وإلى أينَ ستقودني، يُمكنكَ أنْ تقول عنّي أنني لستُ من أهل الدائرة ولكنني منْ أهل المربّع والمثلث أيضا، فهو الآخرُ شكله لطيف، يشبهُ إلى حدّ ما شكل البيوت أو المعابد، لكنني لا أحبُّ المثلثات حينما تتراكبُ مع بعضها البعض وتشّكلُ بذلكَ نجمة سداسية، لأنها تعودُ من جديد لتصبح دائرة مخيفةً مزوّدةً بقوّة وهميّة تُمَكّنُهَا منْ بلوغ أكبر درجاتِ العُلوّ وأقواها إلى أن تصبح قادرة على تدميرِ كلّ شيء»، «ما دمتِ قد اخترتِ المربّع وقلتِ إنّ المثلث أيضا يعجبك فانظري الآن ما أنا فاعله أمامك. أعطني ذاكَ الإزار الأبيض الذي يوجد فوق وسادة جدّكِ»، أعطيته الإزار، وساعدته على الوقوف كما أراد، ثمّ علّقَهُ في وسط الغرفة جاعلا إياه كحاجز يقسم الغرفة إلى جزء عريض وآخر ضيّق، ثم رسم بالقلم فوق الإزار مربّعا كبيرا ما إن وضع يده اليمنى بوسطه حتى أضاء وتحوّل إلى شاشة كبيرة، رأيتُ فوقها أشياء عجيبة من مناطق مختلفة من العالم، أدهشتني وجعلتني أصلُ إلى حالة رائعة من السعادة والانتشاء بهذا الدرس المبهر في الرياضيات الخيميائية الذي قلب كلّ المفاهيم لديّ عن المدارس والأكاديميات والجامعات وغيرها، وعن الأساتذة أصحاب الكراسي الرفيعة والألقاب الأكاديمية المضحكة. حينذاكَ التفتَ الشيخ أحمد إلى جدّي وقال لهُ مبتسما: «عجيبةٌ حفيدتكَ هذه، إنها لم تسألني حتّى كيفَ تحوّل الإزار إلى شاشة وكأنّ الأمرَ لا يعنيها، ولمْ تفزع من شيء، وكأنّها حقّاً بصدد مشاهدة فيلم سينمائي عادي جدّاً، إنّها سعيدة بشكل صادم، وكأنني لمْ أبْهِرْهَا، أو لمْ أقدّمْ لهَا شيئا غريبا أو جديدا يفوقُ كلّ خيال وعقل، الآنَ يمكنني أن أقولَ إنني عرفتُ لماذا لمْ تحترق الصورة التي لمستْها يدا حفيدتكَ أمام دكّان المدرسة». حرّكَ جدّي رأسَهُ في صمتٍ وقد رسمَ على شفتيه ابتسامة عريضة، ثم قال: «ثمّة شيء آخر ما لم تنتبه إليه ياصاحبي: لقدْ بدأت حفيدتي تملُّ من شاشتكَ المضيئة»، ولقد كان جدّي مُحقا فيما ذهب إليه، فطلبْتُ منَ الشّيخ أنْ يزيحَ الإزار ويشرحَ لي علاقة الخيمياء بالرياضيات، وعلاقة هذين معا بالإيمان والتوحيد.
ابتسمَ جدّي من جديدٍ وهو يحرّك رأسهُ، ثم وقفَ وقال: «لقد حانَ وقت ذهابكِ إلى المدرسة يا أسماء، هيّا قومي الآن ولتحرصي على الكتمان دائماً، فدروسكِ هُنا ليستْ كدروسكِ هناك، وبإذنه تعالى ستكونُ نقطة انطلاقنا في ندوة الغد من مقولة سيّدنا وحبيبنا عيسى روح الله «لوْ كانَ لَكمْ إِيمانٌ مِثْل حَبَّةِ خردلٍ لكنتمْ تَقولونَ لِهذا الجبل: اِنتقِلْ منْ هنَا إِلَى هُنَاك فَيَنْتَقل».
ابتسمتُ أنا أيضا وقمتُ وقبّلت يدَ جدّي ويدَ الشّيخ أحمد وقلتُ وأنا أودّعهما: «اطمئنّا يا أحبائي، أعلمُ جيّداً أنّ دروس الهُنا ليستْ أبدا كدروس الهُناك، ولو نطقتُ في المدرسة بحرف مما أدرسُه معكما خلال هذا الشهر الفضيل لكانَ أقلّ ما سينعتونِي به الجنون والهلوسة! شكرا لكَ جدّي، شكرا لك يا شيخي أحمد وإلى اللقاء مساءً بإذن الله حولَ مائدة الإفطار».
(يتبع في الحلقة القادمة من (دروس رمضانية في الخيمياء))

لا تعليقات

اترك رد