هل هي بداية حرب باردة بين الولايات المتحدة والصين ؟ 2-2

 

تتقاسم الولايات المتحدة والصين القدرات التنافسية:
رغم أن الولايات المتحدة احتفظت بالمركز الأول في عام 2019 كأكبر دول العالم جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 254 مليار دولار أتت الصين في المركز الثاني بنحو 140 مليار دولار، لكن تستحوذ الصين على نحو نصف المناطق الاقتصادية الجاذبة في العالم ويوجد في الصين نحو 2543 من أجمالي 5383 منطقة اقتصادية خاصة على مستوى العالم، تتركز فيها عناصر الجذب تبعا لما كشفه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ولم تحقق طبول الحرب التجارية شيئا في تقليص المزايا الجاذبة داخل الصين.
ستظهر حقبة جديدة تحمل أصداء السنوات اللاحقة للحرب العالمية الثانية بحيث تحل حقبة جديدة من الصراع حيث تبدو أن أميركا على وشك إعلان حرب باردة على الصين في الوقت الذي يلحق الضعف بقدراتها على شن مثل هذه الحرب لكن هل تخرج الولايات المتحدة منها منتصرة كما خرجت من الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي منتصرة، لكن تبدو هذه المقاربة أقل إثارة للارتياح عما تبدو عليه للوهلة الأولى لأنها تذكرنا بخوض منافسة بالاعتماد على موارد مالية ضيقة خصوصا وأنها الولايات المتحدة تعاني من فيروس كورونا وضخت أموال ضخمة لمواجهة هذه الجائحة ما يعني أنها تنطوي على مخاطر هائلة.

صدارة الولايات المتحدة في مبيعات التجارة الإلكترونية:
بلغت مبيعات التجارة الإلكترونية 25.6 تريليون دولار في 2018 بزيادة قدرها 8 في المائة عن عام 2017 تعادل 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في 2018 وبصدارة أميركية الصادرة عن منظمة التجارة والتنمية التابعة لأمم المتحدة ( أونكتاد )، مبيعات الولايات المتحدة بلغت 8.640 تريليون دولار بسبب أن الولايات المتحدة أقامت مناطق متخصصة في التركيز على التطبيقات العلمية والمعرفة مع إقامة حاضنات علمية منذ عام 1959.
تأتي بعد الولايات المتحدة اليابان بنحو 3.280 تريليون دولار بسبب أنها وضعت خطة في عام 1971 أن تصبح عام 2000 في أن يعتمد الاقتصاد الياباني على المنتجات المعلوماتية وليس على الصناعات التقليدية، ثم الصين ثالثا بمبيعات 2.280 تريليون دولار أي ربع مبيعات الولايات المتحدة، فلا زالت الصدارة للولايات المتحدة، فكوريا الجنوبية بنحو 1.364 تريليون دولار، فبريطانيا بنحو 918 مليار دولار، ففرنسا بنحو 807 مليار دولار، فألمانيا بنحو 722 مليار دولار ثم إيطاليا فاستراليا وإسبانيا لكل دولة أكثر من 300 مليار دولار، بلغت مبيعات الدول العشر 19.11 تريليون دولار من مجموع مبيعات عالمية 25.65 تريليون دولار.
العلاقات بين الدول هي علاقات بين شعوب وشركات أكثر مما هي بين الدبلوماسيين والرؤساء:
هناك 155 شركة صينية مدرجة على ناسداك منذ عام 2000 رغم أن ترمب في مقابلة مع شبكة فوكس بيزنس نيوز التلفزيونية الأمريكية صرح من أنه يمكن قطع العلاقات بالكامل ويمكن أن يوفر 500 مليار دولار، رغم ذلك تعتمد الصين على الواقعية السياسية ولم تركز على الذات، لكن الولايات المتحدة تتصرف بالطريقة الصينية نفسها رغم كل الكلمات المعادية والنارية التي تصدر عن ترمب أو من المكتب البيضاوي، فبعد ثلاثة أعوام من الحرب التجارية بين بكين وواشنطن كانت قيمة الاستثمارات التي ضختها الشركات الأمريكية في بكين 14 مليار دولار في 2019 وهي الأعلى منذ عام 2005، في حين تراجع تدفق الاستثمارات الصينية إلى الولايات المتحدة نتيجة القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على الاستثمار الصيني داخل الولايات المتحدة، وكذلك نتيجة قرار صيني لمعاقبة الولايات المتحدة، لكن الدول التي تشتد الحرب الكلامية بينهما فإن العلاقات بين هي بين شعوب وشركات أكثر مما هي بين الدبلوماسيين والرؤساء ومن هذا المنظور فإن العلاقات الأمريكية الصينية ما زالت دافئة للغاية.

الحرب الباردة جزء من الانتخابات الأمريكية:
يعتبرها البعض أنها جزء من الانتخابات بين ترمب وجو بايدن على من يمثل الصقر الأكبر إزاء الصين وسيختلف الأمر بعد الانتخابات خصوصا إذا ما فاز ترمب بل هناك شكوك لدى فئة كبيرة من المحللين من أن ميزانية دفاع الولايات المتحدة تتجاوز 700 مليار دولار، بينما ميزانية الدفاع الصينية تصل إلى 178 مليار دولار في 2019 وزادت الميزانية بنحو 6.6 في المائة في 2020 وهو أدنى معدل منذ سنوات حيث يتعثر اقتصاد الصين وسط جائحة فيروس كورونا، وتعد التوترات مع تايوان التي تتمتع بحكم مستقل وترفض أن تكون على غرار هونج كونغ دولة واحدة ونظامين، والنزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي من بين الأولويات الدفاعية العليا لبكين، حيث تعتبر الصين صاحبة سيادة على بحر الصين الجنوبي، بينما تعتبره الولايات المتحدة وفق قوانين البحار الدولية أعالي البحار، لذلك أنشأت الصين جزر صناعية أقامت عليها قواعد عسكرية.

قلق أميركي من تنامي النفوذ الصيني في الشرق الأوسط:
تربط الولايات المتحدة بين البرنامج النووي في شبه الجزيرة الكورية الذي دعم البرنامج النووي الإيراني والبرنامج النووي الكوري يشكل تهديدا للولايات المتحدة بينما البرنامج النووي الإيراني يهدد أمن إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط وترى الولايات المتحدة أن الصين التي تغض الطرف عن النووي في شبه الجزيرة الكورية وهي تحمل راية العلاقات التجارية لكن لها أهداف أبعد من ذلك.
وإن كانت الصين لا تريد الإضرار بالمحادثات التجارية مع الولايات المتحدة وستقنع كوريا الشمالية التوصل مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، لكن لم يحن هذا الوقت، لذلك تدرك الصين أن الولايات المتحدة نقلت صواريخ باترويوت من السعودية بعدما تعرضت منشآت النفط إلى ضربات، وترى أن التهديد زال ونقلت هذه الصواريخ في آسيا لصد صواريخ كوريا الشمالية في حالة أي نزاع محتمل رغم أن هناك صواريخ ثاد في كوريا الجنوبية.
لكنها ملتزمة بالدفاع المشترك مع السعودية ونقل هذه الصواريخ هي إعادة تموضع، رغم أن هناك جهات تابعة لإيران يحاولون ضرب العلاقة بين السعودية وأمريكا ويروجون أن أمريكا تخلت عن الدفاع عن السعودية وهي تحليلات بعيدة عن الواقع بل ويجهلون العلاقة بين البلدين التي هي علاقة استراتيجية وليست علاقة عابرة كما يظنون وهم يعرفون ذلك ولكن من أجل تضليل الشعوب، وسيواصل ترمب بفرض حظر الأسلحة على إيران، واستصدار قرار من مجلس الأمن، ولن تمانع لا الصين ولا روسيا بسبب ترابط العلاقات بين الدول العظمى، والدليل على ذلك وقف الصين استيراد النفط الإيراني.

تشكل قوى عالمية متوسطة الحجم بديلا للنظام العالمي ثنائي القطب:
بعيدا عن الجلبة والضجيج الصادر عن واشنطن وبكين والمطالبة بفتح تحقيق حول مصدر وباء كورونا وكيفية إنجاز هذا التحقيق، وهي مواجهة أزمة لا تحدث إلا مرة واحدة في الجيل ،لكن هناك قوى عالمية متوسطة جاهدة نحو إحياء الأعراف القديمة للسياسات متعددة الأطراف تحمل بداخلها إمكانية تحدي محاولات الاستئساد والتنمر من جانب الصين وسد الفراغ الناجم عن غياب أمريكا، فيما الصين في حالة دفاع عن نفسها.
فشرعت دول في أوربا وآسيا في بناء أواصر جديدة فيما بينها حول قضايا الصحة العامة والتجارة والتخطيط لمستقبل يقوم على ما يعدونه الدروس الكبرى المستفادة من الوباء، فمثلا رئيس اللجنة المشتركة لشؤون الاستخبارات الاسترالية أندرو هيستي يرى أن على استراليا أن تعيد تعديل شروط التعاون بحيث يتوافر قدر أكبر أمام الدول من حرية الحركة الاستراتيجية، ومن أجل تحقيق ذلك يتعين بناء ائتلاف من الأمم ذات الفكر المتشابه حتى تتصرف هذه الدول على الساحة العالمية بصفتها دول متوسطة.

لا تعليقات

اترك رد