العرب وبراديغم :” المراحل الإنتقالية”

 
العرب وبراديغم :

كتب “أنطوني إيدن”في مذكراته:وهوثعلب السياسة الدولية ورئيس الوزراء الأ سبق في حكومة المحافظين البريطانيين والمهندس العملي لتنفيذ مشروع سايس بيكو المشؤوم” في الشرق العربي في الأربعينات، والماسك بمفاتيح الأبواب المغلقة في السياسة الإبليسية الأنغلوساكسون في الشرق الأوسط التي تقاسمها مع عديله الداهية” السير ونستون تشرشيل” :
من اراد وأد مشروع سياسي ناجح في مهده،فعليه بإحالته على اللجان لمدارسته،ثم يتم تقسيمه إلى”مراحل إنتقالية” تقودها “حكومات إنتقالية”بهدف إخضاعه لهراسات”التفتيت”للرمي به في غياهيب النسيان ،تفاديا للقلاقل، وتطمينا للدهماء
تمهيد:

لقد كثرالحديث فيما بعدالربيع العربي عن “المراحل الانتقالية” و”الحكومات الانتقالية”التي إستهلها الغرب ب”ياسمينة
” تونس الخضراء،وحولها الى نباتات صحراوية مشوكة،إستخفافا بالغباء العربي (كمصطلحين قديمين قدم تاريخ الغرب: وافدين من شمال المتوسط وما وراء الاطلسي)

وقد أوصل الغرب الحكومات الربيعية”الإنتقالية”في ما بعد الربيع العربي،الى الطريق المسدود مبكرا، وعفر وجوه شعوبها في أتربة مستنقعات الفوضى كبراديغم تم إيجاده في ما بعد الحرب الباردة ،وكتصورغربي أصيل في نظرية المعرفة الغربية الكونية-كما سنرى لاحقا-
الموضوع:

إذا لاحظ أحد كبراء الغرب:” أندري مالرو” بأنه “في المتاحف فقط :نتعلم أن نرسم…ولكن الهدف ليس أن نكون بيكاسو”….،وأضاف أحد كبارالقوم من عندهم من التفكيكيين هو”دريدا”قائلا:”في كتب الفلسفة :فقط نتعلم أن نتفلسف ونستخدم عقولنا ولكن الهدف ليس هو أن نكون سقراط او أفلاطون أو أرسطو”

وعلى مقاسهما نقول “في الربيع العربي تعلمنا فقط الفوضى والإمعية والصًبيَنة،وليس الهدف ان نخلق “ثورة” منظمة منضبطة هادفة “لإجتتاث أصل الوباء من بين ظهرانينا،بترحيل مظاهرالغرب عنا –كيفما كانت- والتخلص من النزعة السادية والسيادة لصانعي الدمى العربية ومناهضة سلطتهم الأبدية الأبيسية،لنحل معضلاتنا في ما بيننا بالسلم والتآخي والمحبة والموعظة الحسنةمع جيراننا الذين نتقاسم معهم الجغرافيا والتاريخ والدين والمصالح المشتركة ،لكي نؤسس لإحياء الامة “لأن:( الله لا يغير”ما”بقوم حتى يغيروا”ما” بأنفسهم) –بالنص القرآني- وبحسب احد كبار حكماء الغرب الذي قال في هذا المعنى أيضا وهو “مونتين”:” اذا كان بإمكاننا ان نكون علماء إنطلاقا من معرفة الآخرين .فنحن لن نكون حكماء إلا انطلاقا من حكمتنا الخاصة” …
ومن هذا الباب….،فمن يزعم بأن”الربيع”ربيع للعرب، فقد ضل وغوى وحقر عقله ولغى….،مادام التحليل العقلي يظهربان ما يسمى ب”المراحل الإنتقالية”في الربيع العربي وحكوماته “الانتقالية” في ما بعد الربيع العربي- لا تخدم سوى الأجندات الغربية –”-وكم سنرى في المستقبل القريب من حكومات”كاستينغ “عربية من الدرجة الثالثة أو الربعة :تقوم بأدوار إستعراضية مثل الكرنفالات السمجة

ومن منظور هذه الضميمة، نسمح لانفسنا بالتذكير بما يلي :
ان الغرب – المبدع لمصطلح “المراحل الانتقالية”وليس العرب- قد مرعبرمساره التاريخي الطويل والمعقد بمراحل إنتقالية متعددة، وتقلب فيها كلما عنت له في الآفاق بوادر تغييرات-غير منتظرة- قد تربك مفهومه “السيادي” للكون،وتهدد نظام إستعباده للبشرية وهي تاريخيا كالتالي:

اولا :المرحلة الإنتقالية الحضارية الأولى:
بدأت بإنفصال الغرب عن الحضارات المجاورة له (من أرض حمورابي إلى مصر أخناتون (1350قبل الميلاد) متنكرا لأفضالها عليه ،وتأثيرها على الحضارات البشرية،حيث إستهل الغرب نكرانه لباقي الحضارات الإنسانية الشرقية، بفرضه لمفهومه الحضاري اليوناني على البشرية “كمعجزة أولى للانسانية ، تلتها عبقرية السيادة الرومانية العسكرية، ثم ختمها باليهودية كأم أولى للبشرية وتعاليها على سائر الديانات الكونية،

المرحلة الثانية: نظام “الإمبراطورية المسيحية”:
إختتم الغرب حقبته”المرحلية”الأولى-بعد فشلها- بفرض ديانة عيسى عليه السلام التي إستوردها من موطنها الاصلي ببلاد الشام الكبير-بحيث لم يعرف الشاميون كيفية الحفاظ على دينهم ،-يقول الانثروبولوجي الفرنسي”سيرج لاتوش- بعد ان فرغها الغرب من محتواها الصافي الأصلي وحولها الى صليبية عرقية مقيتة،ولدت ما يسمى بالحضارة المسيحية الغربية التي بموجبها شن الغرب حملاته على الشرق”الشرير”عبرحروبه الدامية العبثية لقرون المسماة بالحروب الصليبية

وبالتالي فقد تبين الغرب الهجومي المصادم بأن مصيره السيادي الى زوال –بعد ان فشل الغرب الجديد –في شكله الديني الماسيحاني، بعد تهافت “ديموقراطية” إغريقيته التليدة، وافول رومانيته المجيدة، التي غلفهما ب”تدينية كنسية طقوسية “تحولت من إتباع تعاليم المسيح عليه السلام الى إقتتال حول أقوال المسيح المولدة للحروب الهمجية (كحرب السبعامائة عام الدينية) ما بين العرق الواحد والجغرافية الأوروبية الواحدة والدين الواحد ،،، حيث باتت يقينية السيطرة والهيمنة الكلية على الحضارات امرا مشكوكا فيه منذ اندحار الاغريق والرومان مبكرا على ايدي الفرس قبل مجيء الاسلام الذي قضي بدوره على عظمة الفرس وكسر شوكة الرومان

المرحلة الثالثة:مرحلة نظام”الدولة-الإمبراطورية”:
التي جاءت بعد الإخفاق الصليبي، وموت العالم المسيحي الذي اوجده ملك فرنسا “شارلمان “بحد السيف، والتنصيرالقهري والوحشي لقبائل الساكس والهون ومتوحشي السكندنافيين

المرحلة الرابعة:نظام “الأمبراطورية-العالم”:
ومؤسسها كارلوس الخامس الملقب ب” شارلكان”وهو ملك إسبانيا وإمبراطورالإمبراطورية الرومانية المقدسة
وأحد أعظم الشخصيات في التاريخ الأوروبي ، حكم إمبراطورية مترامية الأطراف وموزعة على ثلاث قارات، حتى إنها الشمس التي لا تغيب عنها الشمس في القرن السادس عشر سيطر على معظم أوروبا والمكسيك وأمريكا الجنوبية ونهب روما الفاتيكانية وكاد أن يسيطر على الإمبراطورية العثمانية بعد إلحاق هزيمة شنعاء بسليمان القانوني ، غير أنه تنازل عن الحكم موزعا إمبراطوريته على إبنيه ّ فيليب وفرديناند ليتزهد منعزلا في الأديرة في أخر حياته
غير أن “الإمبراطورية-العالم” كانت سريعة الزوال بعد اقتتالات الامبراطوريات الأوربية الصاعدة المؤسسة على القوميات والعرقيات الأوربية

المرحلة الخامسةنظام “الدولة-الامة”: أو “الإمبراطورية البونابرتية”
جاءت بعد عصر التنويروالثورة الفرنسية المسوغ للحملات البونابرتية الإستعمارية من اقصى جنوب البرتغال الى اقصى الشمال الاوروبي بالدول السكندنافية وصولا الى روسيا ومصروبيت المقدس وانتهت بإحتلال الجزائر

المرحلة السادسة:نظام” الإقتصاد-العالم”
وهي المرحلة التي جاءت بعد ان حطت الحرب الهمجية الغربية الثانية اوزارها–المسماة زورا ب”العالمية” وهي بداية مرحلة سيادة الولايات المتحدة (–الوليد الغربي الحداثي-الديموقراطي-المتحضر الوارث لكل من ” الإمبراطورية –العالم” و “الدولة –الأمة” ) وجاءت مع رئاسة فرانكاين روزفلت بعد خروج امريكا من “الإنعزالية” والدخول في ما يسمى ب ” التقدمية- الإمبريالية” –أو التخلي عن “العهد القديم التوراتي” الحمائي للدخول في ” العهد الجديد” الذي أصل له ” في أواخر القرن التاسع عشر جيمس مونرو خامس رؤساء الولايات المتحدة من 1817 إلى 1825. وإعلان مبدأ مونرو بعام 1823 الذي أبدى فيه معارضة الولايات المتحدة لأي تدخل أوروبي في شئون الأمريكيتين معا
.
وكانت مرحلة” الإقتصاد-العالم” هي بداية” الإستعمار الأمريكي لأوروبا اقتصاديا وثقافيا-عن طريق اكبررشوة في التاريخ اسمها”مشروع مارشال” الذي يستهدف بالتحديد تطويق الأنظمة المارقة الشيوعية باحتواء البعبعين الروسي والصيني “والدول العاقة الإشتراكية”التي تدور في الفلك السوفياتي من دول عدم الانحياز من بكين الى كوبا

المرحلة السابعة ما قبل الاخيرة:”النظام العالمي الجديد”:
جاء بعد نهاية الحرب الباردة للهيمنة الكليةعلى العالم بأسره عبر الترويج للاطروحات الجديدة لفهم عالم مابعد الاتحاد السوفياتي،تتويجا لهيمنة”الاحادية القطبية”وهي اطروحات “النهايات”:نهاية التاريخ ،نهاية الدولة، نهاية الإيديولوجيا،واطروحات صدام الحضارات، والفوضي العالمية الجديدة ،حيث جاء الربيع العربي ضمن خطابي :النهايات والفوضى العالمية الجديدة بقصد تفكيك الأنظمة ” المارقة” والإتيان بدمى حكومات “مرحلية” مؤقتة إنتظارا للوصول الى المرحلة الأخيرة وهي ” السيادة” الكونية المنتظرة على الندى القريب أو إشعال حرب كونية شاملة وهو ما ستلقى تبعاته على “المرأة الحديدية” المسماة (أمريكيا) بهيسترية الحروب ودلوعة ” وول ستريت” وحصان طروادة “المؤسسة الحاكمة” Establishment
وسنعايش المرحلة الإنتقالية القادمة لا محالة بعد أن يتم إختيارسيد أو سيدة البيت الأبيض –الذي قد تم الفصل فيه مسبقا–من تحت الطاولة- وهو باليقين ليس”دونلد ترامب”

وفي النهاية ،فإننا نستخلص ما يلي:
اولا: كان لكل مرحلة إنتقالية غربية متخصوصوها في مجالات الستراتيجيات المحكمة،المبنية على المخططات البعيدة المدى، يتنافس فيها الدارسون(الجيو—سياسيون-ستراتيجيون) بمدارسهم ذات الإمكانيات الجبارة ،ولكل مدرسة تصورها ومناهجها وأتباعها من المنظرين في مجالات العلوم الإنسانية وعلاقتها ب” الجيو-سياسة “،

– ولكل نظام سياسي غربي “مرحلي” أهدافه وخططه وثعالبه وكواسره وذئابه وصقوره وحمائمه- وكلها من ذوات الأنياب والمخالب الفتاكة

– وكل الأنظمة الغربية السياسية:(اليمينية/اليسارية) المتناوبة-تاريخيا- بدءا بأكذوبات”الحداثة “والديموقراطيات والحريات،مارست نفس الادواراللولبية والتحقيرية تجاه الشعوب الدنيا المنهوبة،عبر مهازل مسرحية لعبة تدوال السلطة ما بين اليمين واليسار،وعن طريق طروحات الرجعية والتقدمية والأنواروالظلامية:
فقد كان الجنرال دوغول المتدين المسيحي واليميني-على سبيل المثال- اكثر”ثورية”و”يسارية و”تحرريا و”تقدميا” في مواقفه السياسية تجاه استقلال الجزائر وقضية الصراع العربي /الاسرائيلي ومجابهة الإمبريالية (الأنجلو-أمريكية) في اوروبا والمكسيك وكندا والمانيا من نابوليون الثوري الجمهوري( صاحب الحملتين الصليبيتين على بيت المقدس ومصرحيث يعتبر الكثير من عباقرة العرب بأن حملة نابوليون على الشرق كانت”مباركة”لانه حمل اليهم آلة المطبعة من باريس–فانظر !- وكأن ملايين المؤلفات الغزيرة التي كتبها العرب السابقون منذ العصرالأموي الى ما قبيل سقوط غرناطة التي دونها فطاحل اللغوييين والنحاة والبلاغين والمناطقة والمتلكمة والمتصوفة والعارفين والفقهاء والأصوليين والفلكيين والرحالة والجغرافيين ومن ذوي البيان والتجويد من فحول الادباء والشعراء والكاتبين، كانوا يكتبون كتبهم ويطبعونها بأرجلهم، وكان الكتابة والخط ليسا من اختراع العراقيين والمصريين وان الطباعة ليست من اختراع الصينين
بينما كان عديل الجنرال دوغول ومنافسه اللذوذ”فرانسوا ميتيران”(الإشتراكي- اليساري) هو المتخلف عن المقاومة ضد النازية وكان موظفا في حكومة فيشي العميلة لهتلر

وهو صاحب فكرة الهجمة على مصر عندما كان وزيرا للدفاع بتحالفه مع إسرائيل وبريطانيا في “الهجوم الثلاثي”على مصرعام 1956

وهو نفسه الذي كان يحذر جورج بوش الأب من التلكإ في عدم ضرب العراق ،مردداجملته المشهورة”ان الحرب على العراق هي حربي انا”-علما بانه كان من خلص أصدقاء “صدام حسين” مما حدا بوزير دفاعه””شوفينمان”بالإستقالةو كتب عن مهزلة تلك الحرب والخطاب المزدوج الغربي كتابا ضخما جذيرا باعادة قرائته،مما يدل على مفاهيم التقدمية والرجعية هي مواقف تاريخية وليست تمظهرات بالتعمم او بالتكرفط أو بالتموقع في ” اليسار” أو في ” اليمين””فالرجل العظيم –كما يقول فيلسوف الرومان “سينيكا”ينفع بعلمه وينفع بقوله ،وينفع بعمله ،وينفع بمجرد أن يمشي على الأرض”

لا تعليقات

اترك رد