نهضة عقول الامة

 

من الحقائق المقررة ان نهضة الأمم لا تكون إلا بعقول أبنائها واجتهادا تهم الخلاقة وان تجديد العلوم والمعارف ليس إلا عن طريق واحد ان نعمل عقولنا في هذه العلوم والمعارف وان نستخرج منها مضمناتها المضمرات في كلمتها أو التي مندسة مبهمة في نفوس كتاتيبها غمغمت بها أثارهم غمغمة تائهة لا يلتقطها إلا البحث الدرب

هكذا يجب ان يكون تجديد علومنا ومعارفنا وهكذا فعل الناس في عصرنا وهكذا فعل سلفنا في عصورنا الأولي وممّا لا شك فيه أنّ كل مسلم يفخر بانتمائه لهذه الأمة يشعر بالألم والأسى لهذا الحال ويفكّر ويتفكّر بالسبيل الأمثل للإصلاح والنهوض الذي يعيد الأمة إلى مكانها السليم في المقدمة بين الأمم، وهنا يحار كلّ منا من أين يبدأ،

وتختلف التصورات حيث تصطدم في معظمها بالعوائق الكبار التي تستعصي على جهود الأفراد أو تحتاج إلى جهد جماعي منظم فعال غير متوفر ولا يسهل تحصيله، وبالتالي يشعر المرء أنه قليل الحيلة أمام حال الأمة وكأنها تدور في حلقة مفرغة لا خروج منها، فنعود إلى نفس النقطة، ويقعدنا العجز عن العمل فنبقى نراوح في المكان بدون أيّ تقدم فعلي يُذكر.

ولم تعرف امة بنت حضارتها بعقول غيرها ولا جددت معارفها بمعارف غيرها وقضية تسلل اليهود إلي الأديان والأفكار والأحزاب والعقائد والتنظيمات والجماعات والتنظير لها والحماسة وتوزع المواقع والأدوار والمراهنة عليها جميعا في وقت واحد لا تحتاج إلي دليل وشاهد وقد لنأتي بجديد إذا ذكرنا بدورهم في تخريب النصرانية وبقصة بولس ( شاو ل ) الذي كان اشد الناس عداوة للنصرانية وهو لم ير عيسي علية السلام ولم بسمعة وكان من ابرز وانشط المضطهدين للحواريين فانقلب فجأة إلي اشد المتحمسين لها

والحقيقة التي لابد ان نقولها ان اليهود تاريخيا لم يقتصروا علي صناعة الزعامات وإيصالها إلي الحكم والمكوث في ظلها كمستشارين وخبراء والتحالف معها لتحقيق أهدافهم وإنما تجاوزا تلك الصورة البسيطة إلي الوصول إلي مراكز التحكم والفاعلية

وذلك بتوفير طاقاتهم للاختصاصات المؤثرة والمنابر الفاعلة التي تجعل من الدول والمؤسسات ذات النفوذ والقدرة في دائرة التحكم فالتحالف مع الأقوياء لا ينطبق علي الأشخاص والدول والزعامات فقط وإنما التحالف مع التخصصات المتحكمة في المجتمع هو الأخطر أيضا

ثانيا تحرير العقل العربي
اليوم وبعد التجارب التي مرت بها الأمة العربية ومرت بها محاولة التمكن للوعي الإسلامي لابد من العقلاء ان يدركوا سنن في الوجود ويفهموا طبيعة العصر وكيفية إحداث التغير فيه فينصرفوا إلي بناء القاعدة بعلم وتخطيط وذكاء ويبتعدوا عن الخوض في المضاربات السياسية والصدمات الفوقية كي يتفرغوا إلي القيام بالمهمة الأساسية

وهي تربية المجتمع الإسلامي علي الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا فالهدم الشامل الذي نواة في المجتمع الإسلامي لا يفيد معه إلا البناء الشامل الذي يبني علي دعامتين ( أولاهما ) الفهم العميق لأصول الإسلام وقوا عدة ومقاصدة و( ثانيتهما ) إدراك دقيق لطبيعة تطور الحياة والحضارة في العصر الحديث

إنّ سلوك عامة المسلمين ونخبهم في القرن الأخير فيه تنكّرٌ واضح لتاريخنا وروح ديننا. فللإسلام أركان خمسة واضحة مَن أتى بها على حقيقتها كان مسلماً وله علينا حقّ الأخوّة وإن اختلفنا معه حول مسائل أخرى دون الكفر. كما أنّ المسلمين لم يكونوا لوناً واحدا خلال تاريخنا الممتدّ أربعة عشر قرنا، فتعدّد المذاهب والمدارس والاتجاهات الفقهية والعقدية بدأ منذ عهد الخلفاء الراشدين،

وكلّ محاولات القضاء على هذه الاتجاهات لن تعمل إلاّ على تعميقها وتأجيجها. والمطلوب منّا اليوم هو التركيز على معنى التوحيد وعلى ثوابت الإسلام والتسامح مع الاجتهادات المختلفة من أجل توحيد الجهود وتقليل الجبهات. قليلٌ من الحكمة والتعقّل قد يوفّر كثيرا من الحروب والنزاعات التي تستنزف طاقات الأمة كلّ يوم. والتحلّي بالتسامح والتراحم الذي أمرنا الله بهما يحوّل الأعداء إلى أصدقاء أو يحيّدهم على أقلّ تقدير. فطريق النهوض لا يتحقّق إلا بتكاتف الجهود وتراكمها وترك توافه الأمور والتركيز على المشترك والتسامح فيما سواه.

وإذا نظرنا إلى الأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها نجدها تستنهض حضارتها وتفوقها وريادتها دائماً وأبداً في همة شبابها، لذا وجب الاهتمام بهذه الشريحة المهمة في المجتمع، وتوجيههم التوجيه الصحيح السليم، حيث يبدأ التوجيه، وتبدأ الرعاية منذ تكوين الأسرة ومنذ الطفولة، ويغذى الأطفال بالمنهج السليم مروراً بالمدرسة ودور المعلم في غرس القيم النبيلة والأخلاق الحميدة والصفات الجيدة من خلال الرسالة العلمية وإنارة عقول الطلاب والشباب بما يبصرهم بمكانتهم في المجتمع ومكانة أمتهم بين الأمم،

ولن يتم ذلك إلا من خلال العقيدة السليمة والوسطية والاعتدال، ليكون الشباب على درجة من الوعي والإدراك، والمفاهيم الرفيعة التي تعينهم على الارتقاء بمجتمعاتهم وأوطانهم، وتحصينها بالقوة والثقافة والفكر وسلامة العقيدة ضد أي فكر ضال أو منحرف أو تطرف، ولن تنهض المجتمعات والشعوب إلا بوعي أبنائها وسلامة عقولهم وتفكيرهم واعتدالهم في المنهج. و بذلك نصل إلى ما نصبو إليه من القوة والمنعة والرفعة والازدهار.

أن نهضة الأمة الإسلامية في عالم اليوم يجب أن تسير في خطين متوازيين أو تقوم على محورين مهمين:

الأول: الاستغلال الأمثل والتوظيف الصحيح للثروات والموارد والطاقات والإمكانات، ونحن والحمد لله نمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ومن مقومات النهضة ما يمكننا من تحقيق نهضة حضارية متفوقة، فالمسلمون يمثلون ربع سكان المعمورة تقريباً، ويشغلون أكثر من ربع مساحة اليابسة في موقع متوسط من العالم يمتاز بسهولة الاتصال وتعدد الثروات وتكامل التضاريس والمناخ وتنوع مصادر المياه، ويطل هذا الموقع الاستراتيجي على مسطحات مائية عديدة .

كما يمتلك العالم الإسلامي نحو 75% من احتياطي النفط العالمي، وأكثر من 25% من احتياطي الغاز الطبيعي، إضافة إلى نسب متفاوتة من احتياطي الفحم، ومن المواد المشعة ومعادن القصدير والكروم والمنجنيز والرصاص والزنك والحديد والنحاس والألمنيوم والكوبالت والنيكل والذهب والفضة وأملاح الفوسفات والصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم وغيرها، إضافة إلى التقدم العلمي الملموس الذي أحرزته بعض الدول الإسلامية في مجالات الطاقة وبعض التقنيات الحديثة .

وتزخر الأمة الإسلامية بآلاف العلماء الأكاديميين وملايين المهنيين من المهندسين والأطباء والعلميين والفنيين وغيرهم، أضف إلى ذلك مئات الآلاف من المتعلمين والباحثين من الأجيال التي تخرج سنوياً من مئات الجامعات والمعاهد المتخصصة ومراكز البحوث العلمية والتقنية الموزعة في مختلف دول العالم الإسلامي .

الثاني: استثمار العلم ودفع البحث العلمي والإنفاق عليه بسخاء، حيث لا يزال البحث العلمي مهملاً وفي مؤخرة اهتمامات الدول العربية والإسلامية . . وهنا ينبغي استغلال الدوافع الذاتية عند المسلمين للنهوض وتغيير الواقع والتخلص مما فيه من مشكلات وأزمات .

أن النهضة لها شروطها التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، فمن أخذ بها نجح في تحقيق أهدافه، ومن تخلى عنها وأهملها ظل عالة على الآخرين، ويقول: لا بد أن نعترف بشجاعة أننا ما زلنا نستورد أكثر المنتجات تعقيداً، كما نستورد أبسطها تركيباً، وما زلنا عاجزين عن إنتاج ما نأكله ونشربه ونداوي به أمراضنا ونضمد به جراحنا.. انظر إلى الكم الهائل من المنتجات الكهربائية وغير الكهربائية التي تزدحم بها أسواقنا ومتاجرنا ومنازلنا وسوف يسيطر عليك الشعور بالحسرة والألم عندما تجد أن معظم ما نستعين به لتيسير حياتنا هو من صنع وإنتاج غيرنا.

ولكي تنهض الأمة الإسلامية – كما يقول الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية لابد من أن «نعلم ونعمل»، وأن نعلي من شأن البحث العلمي، ولا بد من أن يأخذ المسلمون بالأسباب والمقومات المادية للنهضة والتقدم، وهذه المقومات في أيديهم كما هي في أيدي غيرهم، وما يميزنا عن الآخرين أننا ننتمي إلى دين يبعث فينا كل لحظة دافعاً جديداً للعمل والإنتاج، ويجعل حسن الأداء والإحسان والإتقان قربى إلى الله.

لا تعليقات

اترك رد