جنوب لبنان : من أنطوان لحد إلى حسن نصرالله

 

تحديات تحاصر لبنان لم تبق له منفذا، إيران لن تتخلى بسهولة عن شريطها الحدودي المتوافق مع مخطط “إسرائيل” الذي أبعد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية المحصنة ضد مساوئ الطائفية أو العنصرية أو الاختراق الخارجي، وأبقى الجنوب كما كان في عهد أنطوان لحد منفصلا، خارج سيادة الوطن، محكوما بين احتلال إسرائيلي أو إيراني !!

ف”إسرائيل” قررت الإنسحاب من جنوب لبنان في 25 ماي عام 2000 كما وعد رئيس الوزراء سابقا إيهود باراك قبل يوم من موعد انسحابها المقرر بتنسيق مع الجيش الوطني وبإشراف الأمم المتحدة، لتفسح المجال أمام حزب الله دون غيره، في بسط نفوذه بدعم إيراني، خلفا لـ “جيش لبنان الحر” بقيادة أنطوان لحد.

المقاومة اللبنانية سبقت ظهور حزب الله، فقد بدأت منذ قيام “إسرائيل” ، عبر مراحل مختلفة، وتوجت بنضال جبهة المقاومة الوطنية التي نشأت في 16 سبتمبر 1982، واستمر نضالها المقاوم حتى انسحبت إسرائيل من الجنوب، وكان من رموزها المناضلة سهى بشارة التي وصلت إلى بيت أنطوان لحد وأصابته إصابات بليغة أدت إلى شل إحدى يديه.

لكن اللبنانيين فوجئوا بعد انسحاب إسرائيل يوم 25 ماي 2000 أن السلطة الفعلية في الجنوب قد انتقلت من “الجيش اللبناني الحر”إلى فصائل حزب الله، بقيادة حسن نصر الله، الذي سارع في إجراء تعديلات واسعة على رؤيته لمستقبل لبنان السياسي،وأسس عملية بناء الدولة فيه :

· تخلى عن شعار بناء دولة إسلامية في لبنان، ترتبط بولاية الفقيه في قم، كما كان يعلن في ثمانينات القرن الماضي.

· اندرج لاعبا فاعلا في دولة المحاصصة الطائفية، حتى أصبح منذ انتخابات عام 1996 جزءاً من مكونات السلطة اللبنانية، متحكما بمواقعها السيادية الرئاسية والحكومية والبرلمانية والقضائية.

· يلعب أدوارا خارجية في النزاعات المسلحة /العراق، سوريا، اليمن / دون اعتبار للدولة التي يشكل جزءا من مكوناتها.

وقوى لبنان السياسية، المتلونة أو المتقلبة، حسب مواسم المناخ السياسي، وفصوله المضطربة، استهوتها لعبة الانزلاق في سياسة الاصطفاف الإقليمي أو الدولي، فأعداء الأمس، تراهم حلفاء اليوم، لا تعنيهم هوية وطن، أو كرامة وطن ينعم بسيادته، جردوا السياسة من مبادئها، غير مدركين إن السياسة أداة وظيفية في تحقيق الهدف المبدئي.

لا أحد يتبرأ من مسؤولية ما آل إليه الوضع في لبنان، فقواعد اللعبة الرديئة، جعلت منه مرتكزا لمخطط إيراني توسعي يختبئ وراء شعارات، لا تحرك إلا بؤساء العقل والفكر، استبدلت أسم “دولة لبنان الجنوبي بقيادة العميل أنطوان لحد المقبور” بـولاية “الولي الفقيه”.

لا يزال لبنان محاصرا بتحديات داخلية وإقليمية تتعاظم مع تعاظم صراع مصالح القوى، أولى هذه التحديات سيادته المنزوعة، من قبل جهات إقليمية، وتحول حزب الله الموالي لإيران، إلى قوة عسكرية، لا يقوى الجيش الوطني على تجاوزها، كسبت حضورا سياسيا شرعيا في مؤسسات الدولة التي تفقد هويتها، مقابل قوى سياسية، كان لها حصة رئاسة حكومة ترى في المملكة العربية السعودية حليفا

إستراتيجيا، بوجود صوري، أمام غياب دورها في الملف السياسي والأمني ورسم أبعاد السياسة الخارجية.

وتبقى قضية القدس ومضاعفاتها وردود الفعل طاغية في ظل الاستثمار الإعلامي لمواجهة القرار الأميركي بشأنها، واحتمالاته المفتوحة فلسطينياً ولبنانياً، خصوصاً على الجبهة الجنوبية، فيما أعطي الضوء الأخضر للانتخابات النيابية، بتوقيع وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة للبنانيين المقيمين في لبنان والمنتشرين في 40 دولة، على ان يجري الاستحقاق في 6 ماي 2018 في الداخل وفي 22 و26 نيسان في الخارج، يفتح على تساؤلات تتعلق بالاستقرار والأمن وموضوع السلاح.

ويتصاعد الاهتمام اللبناني بضرورة ضبط كل السلاح في يد الشرعية، ويحدو اللبنانيون الأمل بإمكانية السير في خطوة من هذا النوع، وإن كانت الأوضاع مرتبكة، لكن الأساس إعادة ضبط هذا الملف الذي يجرد سيادة أول دولة عربية نالت استقلالها عام 1945، وانطلقت منها حركة القوميين العرب في مجابهة الاستعمار الأوروبي.

هل سيحقق لبنان ما يريد وهو “غارق” بالسلاح غير الشرعي والذي يقوّض قيام الدولة القوية بسيادتها، وقدرتها على حصر السلاح بيدها ؟

لا يجد اللبنانيون جوابا، على هذا السؤال، وقد يرون الأمر مستحيلا، فسلاح حزب الله وكتائبه الموالية إلى إيران، تبرر وجودها بمواجهة مستمرة مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد جاءت قضية القدس لتعزز لدى “حزب الله” موقفه باستمرار الحصول على السلاح وإعلان مواقف تتعارض مع دعوات سياسة النأي بالنفس، إلى حد إعلان، حسن نصرالله إمكان فتح الحدود أمام مئات ألوف المقاتلين لقتال إسرائيل، ويدرك اللبنانيون أن هذه الدعوة تعني السماح لدخول قوات إيرانية إضافية، وميليشيات طائفية، تخضع لما يسمى بـ”الحرس الثوري” الذي يقود عمليات التوغل الطائفي في العمق العربي، عبر شعار تحرير فلسطين، كأداة لتحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية المندثرة.

هذا هو لبنان الذي أطلق مسار العد العكسي للاستحقاق النيابي المقبل، انتخابات تشريعية في ظل انعدام الاستقرار والأمن وانفلات السلاح، والأعظم من ذلك استبدال السيادة الوطنية بعمامة “الفقيه” المجدد بقاءه بأغلبية مطلقة أمام خصم لا يملك سوى حضور بروتوكولي مجرد من صلاحيات صياغة قرار !!

اللعبة غير متوازنة بين حاضنتين !!

المقال السابقوعود الحكومة … حجيك مطر صيف .. !!!
المقال التالىالتطعيم بشرائح الكترونية
عبدالرحمن جعفر الكناني .. باحث وناقد فني – عضو المركز العالمي للفنون محرر صحيفة الجمهورية /بغداد عملت بالصحافة الكويتية / 1982-1988 - مجلة المجالس - جريدة الأنباء - جريدة السياسة محرر بمكتب وكالة الأنباء العراقية – تونس 1990- 1994 إعلامي في المركز الثقافي العراقي – تونس رئيس القسم الإقتصاد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد