العراق يسكن قلبي

 

وسط هوس الفضائيات المتعددة والصراع المحموم لتقديم الافضل من حيث الانتاج الاضخم والمخرج الاجدر والنجم الافضل وهي لاشك منافسات مشروعة . لم تسرقني هذه الفضائيات فأنا وجدت ضالتي في عمل عراقي صميمي له علاقة اكيدة بالحياة المعاشة لكل العراقيين ….

البحث عن القصة والموضوع هي اولى حالات التنقيب لوضع اللبنة الاساسية في تركيبة هذا العمل الفني المراد انتاجه ان كان على الورق او في التلفزيون اذ نحن بحاجة الى كاتب محترف ذو اطلاع وخبرة وحس فني . وهذا مايتوفر عند الكاتب المجيد باسل الشبيب وعليه البحث عن منتج لديه خبرة بأن المال ليس هو السبب الوحيد لنجاح العمل ومن ثم يتم الاتفاق على مخرج حاذق ذو دور كبير للتصدي لهكذا عمل اتياَ من قناعة راسخة بأنه لابد ان يعمل شيئَ جديد مختلفاً وان لايكون عمله ميكانيكيا خصوصاً وانه يمتلك الادوات الفنية والفكر الجمالي الذي يجعله اكثر تأثيراً من مؤلف النص نفسه وهذا ماحصل عند المخرج المبدع اكرم فاضل والذي كان دقيقاً جدا في اختياره لنخبة رائعة من الفنانين المبدعين كان واضحاً التعاون معه من قبلهم بشكل جيد كفريق عمل يحمل مسؤولية تضامنية ….. إمرأة عراقية (ماجدة) تحافظ على اموال واملاك عراقيين هاجروا من سنين نتيجة ضغوطات السلطات الحاكمة ثم يعود احدهم ويجد ان بيت ابيه الكبير (بيت الباشا عبد الحميد) المتمثل بشخصية عامر والتي اداها الممثل القدير محمود ابو العباس في افضل حاله وكان مجيداً في اظهار الشخصية في افضل صورها وقد حافظت ماجدة على البيت رغم انها سحقتها الحروب والحصارات واوجاع الوطن المتتالية وخسرت الزوج والابن في ظروف متشابكة وتستفيد من هذا البيت لجعله مخزن او غرف للأيجار لسد رمق الاسرة المتكون من اختها ام رياض الشخصية التي ادتها الفنانة القديرة فاطمة الربيعي في احسن اداء وزوجها الضرير شاكر الذي اداه الفنان القدير عبد الستار البصري بشكل رائع وكأنه يذكرني بالراحل الكبير يوسف العاني وابنه رياض .. هذه المرأة يهجرها ابنها نتيجة تربية الاب السيئة والذي كان دائما يدعي بأن امه خانته في يوم ما مما ادى الى طلاقها اثناء الحرب العراقية الايرانية وقاطع والدته بشكل قاسي . تزوج والده من امرأة اخرى بتول عزيز والتي كانت تقرعه وتذكره بأمه السيئة وتعامله بجفاء تام في حين لديها ولد ونتيجة دلالها له اصبح منحرفاَ ولصاً تبحث عن الشرطة وتتوالى الاحداث الى حد ان ابن الباشا عبد الحميد يسكن في بيت اهله العتيق ….. استطاع المخرج المرموق اكرم فاضل ان يرسم لوحة عراقية بغدادية تحت اطار الوطن في رمزية مدهشة من خلال المحلة البغدادية وما ينتج عنها من تفاعلات وارهاصات وضربات موجعة اطالت كل الساكنين مما افرزت كثيراً من التفاعلات نتيجة العوز والفاقة التي شملت الجميع مع ان التماسك الاجتماعي ضل باقياً بوجود الناس الطيبين الاصلاء . واستمرت الحياة بكل عنفوانها كما ان شخصية ماجدة التي هي رمزاً للوطن الكبير استطاعت ان تحتوي الجميع على اختلاف افكارهم . ومما يميز النص بأن بنائه الدرامي سليم 100% بمعنى ان الاحداث تتصاعد بشكل متوازي وعمودي بحيث ان تركت حلقة ما هذا ان يعني انه قد فاتك حدث مهماً قد يلقي بضلاله على الحقلة القادمة وهذا يسجل لبراعة المؤلف والمخرج معاً في شد المتلقي في المتابعة والترصد ولا بد من صنع الاثارة في كل المشاهد وليس كباقي المسلسلات التي ان ضاعت عليك حلقة فسيان لدى المشاهد فهي لم تظيف شيئ … وهذا هو البناء الافقي .

اشارة مهمة اخرى بأنه لاتوجد شخصية طارئة في العمل . الجميع فاعلون ولهم جذورهم الاقتصادية والاجتماعية كما ان وجودهم كان مبرراً مهما كان حجمهم وتبقى المحلة هي العنصر الاساسي في العمل وتبقى ماجدة على رأس الهرم الشخصية التي اجادت بأدائها الدكتورة شذى سالم وهي في احسن حالاتها وسيسجل لها تاريخ الفن العراقي المعاصر هذا الاداء الرائع لهذه الشخصية التي احتوت الغث والسمين والجميع تحت عبائتها وحتى المسيئين منهم بل الفقراء والاغنياء على حد سواء وهي حالة رمزية عالية المحتوى فنحن امام عنوان رومانسي عام وشامل (يسكن قلبي) فُصل على مقاسات الواقع المتاح من الناحية الانتاجية مع الحفاظ على البيئة البغدادية كما ان اختياره لاماكن التصوير كان موفقاً الى درجة التكامل فنحن نرى بغداد بكامل حلتها في جسورها وازقتها ومحلاتها وشوارعها وحتى سمائها وزرقة ماء دجلة الخير قد اندمجا لتشكيل

لوحة باللون التركوازي الذي كان سائداً منذ تأسيسها في العهد العباسي وإلى الان من خلال الوان الشناشيل ودواخل البيوت البغدادية . حقيقة ان اختيار الالوان له علاقة عميقة لفهم روح البغداديين ماضياً وحاضراً . اما اختيار الموسيقى فقد كان موفقاَ ولكني اتمنى ان تكون على نغمات المقام البغدادي ولاسيما هناك مقامات حزينة مؤثرة كمقام اللامي ومخالف.

حسن كان اظهار فعل القوات الامنية ودورها الانساني مع اننا نرى ان بناية مركز الشرطة بحالة وردية في خضم المشاكل المتلاحقة والحركة فيه غير دؤوبة وكأنه مخصص لاحداث القصة الرئيسية فقط مع ذلك فان قيادة المعارك والاشتباكات كانت موفقة اضف الى اداء الفنان احمد طعمة التميمي الجيد بدور العقيد ذو الخبرة المتراكمة وكان موفقاً جداً .

كذلك النقيب الذي اداه الفنان باسم الطيب والذي رأيناه في ادوار سابقة كوميدية جيدة . جميل جداً ان نرى شخوص يمثلون حالات غير متشابهة ومتنوعة بالشكل والمضامين فهم يمثلون حركة المجتمع بكل مفاصله فشخصية نديم مثلا تمثل مدى اضطهاد الحكومات السابقة للثقافة والادب والفكر فهو حصيلة مسيرة طاحنة في تضاد مع الطغاة الذين حكموا العراق والتي سرقت عمره وعقله وفكره وادبه فضل هائماً في شوارع بغداد ويذكرنا في كثير من الادباء والشعراء وقد اصيب بمس من الجنون المبرر وهذه الشخصية مثلها الفنان القدير مازن محمد مصطفى بكل براعة واقتدار .

كانت الحلقة الخامسة والعشرون منعطفاً كبيرا في سير القصة والتواصل بأنسيابية عالية مع تطور الاحداث وقد استعمل المخرج طريقة (الفلاش باك) لكي يلم القصة بأحكام وحتى لايتمدد نحو متاهات تضيع الهدف الاساسي وان لايضع المشاهد بحيرة من امره . وكان موفق جداً .

اهم مافي المسلسل ان كل هذه الشخصيات لها حظور مؤثر وفعال مهما كان وجوده قصر ام كبر ولكل شخصية لها طعم ورائحة ولون مختلف ولكنهم جميعهم تحت عبائة البطلة ماجدة (الوطن) وبناء هذه الشخصيات تتطلب قدرة عالية امتلكها المؤلف لنحو عشرون شخصية ويزيد بحرفية عالية كما لدى المتمكن باسل الشبيب .

واضح الجهد الفني والفكري لدى المؤلف في رسم شخصياته بحيث لاتوجد شخصيات بنهايات سائبة كما عند بعض المؤلفين بل الجميع انغمسوا في الحياة بشكلها الواقعي مما استطاع المؤلف ان يضمن معاناة الكثير من الناس كالشباب الخريجين العاطلين عن العمل المتمثل بشخصية رياض التي اداها الممثل مرتضى حبيب وقد ابدع في اداء دوره واتوقع ان يكون له شأن كبير في قادم الايام . كذلك المرأة العراقية ودورها بالحفاظ على البنية الاجتماعية للأسرة . اضف الى دور الشباب المتعلم في بناء المجتمع والمتمثل في الشخصية التي مثلها بشكل جيد الفنان يحيى أبراهيم كما ان الفنان علاوي حسين كان متطوراً في ادائه الفني ولا نغفل دور قوات الامن (رغم وجود شرطي منحرف استثناءاً) وكذلك دور جهاز مكافحة الارهاب لاستتباب الامن .

كما لاننسى الشخصيات الاخرى التي لها نكهتها الخاصة كشخصية هوبي المضمد التي اداها الفنان القدير غانم حميد بشكل رائع والذي ذكرنا بشخصيات الكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ في الحارة المصرية وكان هو الملح الذي اعطى نكهة خاصةً للعمل مع ادائه التراجكوميدي .. ادائه عفوي وكأنه يعيش معنا وهو الذي يعطي ولم يأخذ وكان مثالا للتضحية حتى في عواطفه وذكرنا بالغناء العربي الاصيل .

كما لا يفوتنا الاداء المتمكن للفنان محمد طعمة التميمي بوسامته واناقته وطوله الفارع وصوته الجهوري والذي كسر نمطية المجرم القبيح الشكل . إما الفنان ماجد درندش ذو القلب الطيب سيتحمل كثيراً مستقبلاً هذا الدور من ردة فعل الجمهور وقد استغل المخرج بكامرته الدقيقة شكله الخشن و وجهه بأدق الحركات من رمشة عينيه الجاحظتين الى رجفة خداهبالمقابل المنتفختين وفمه مروراَ بشراين وجهه التي تتحرك جميعا استثماراً لتركيبة وجهه بأدق التفاصيل .

وهنا لاننسى مجموعة الشر حيث كان الفنان القدير ستار خضير فاجئنا بأداءه لشخصية شريرة مغروسة في دمه ولا يمكن اصلاحها … بالمقابل نرى ان هناك شخصية اخرى بنفس المهنة بغدادية محبوبة يجسدها الفنان حقي الشوك بعفوية بالغة والتي اجاد في ادائها .. كذلك الفنان مناضل داوود كان مقنعاً في اداءه … إما الفنان علي نجم الدين فقد اسس لنفسه نمطاً معيناً سينجح به حتماً .. إما الفنانة بتول عزيز قد جسدت شخصيتان في ان واحد والتحول من شخصية سلبية الى ايجابية شيء صعب لكنها تفاعلت مع المتغيرات الحاصلة بتقدير جيد وحسناً فعل المخرج في دخوله تفاصيل اللقطة (الكادر) عمل بشكل محسوب بدقة حيث عندما تحسنت الحالة المادية لساكني البيت بفعل ايجار الغرف انعكس على ملابسهم ومأكلهم كذلك حركة الكاميرا في محاور (الدربونة) مع اننا كنا نتوقع ثمة جار ساكن في هذا المكان كذلك اللهجة البغدادية الاصيلة قد فقدناها نوعاً ما مع ان لهجة الفنان القدير عبد الستار البصري محببة للمشاهدين .

لم نجد انبهاراً قوياً من قبل الممثلين في المتغير الذي حصل على نديم عندما اصبح نظيفاً يسر الناظر كذلك ردود الفعل عندما جرح رياض في الانفجار كانت ضعيفة من قبل الام والاخرين .

النهايات كانت صحيحة لكل الشخوص . وكل اخذ نصيبه من الحياة بشكل واقعي وموضوعي وهذا مؤشر لقوة النص ولكني كنت اتمنى ان تكون القطات الاخيرة من الجو للعاصمة بغداد ودجلة الخير

لا تعليقات

اترك رد