يوسف شاهين والوجود البرطاني

 

ان من المشاهد المهمة التي تناولها الفيلم هي مناقشة الوجود البريطاني في مصر .. والاشتباكات التي حصلت بين تلك القوات والمتظاهرين في فترة مراهقة شاهين والتي انخرط في المظاهرات مع القوى الوطنية.. كان حس شاهين الوطني مع اصحابه يقوده نحو الانخراط بها دون ادراك واعي عما يفعل … فالحرب موجودة في الفيلم حاضرة وبقوة .. وكانت مصر تخوض حربا يومية تتخذ اشكالا ترة عنيفة واخرى هادئة بحكم القهر الاستعماري والوجود البريطاني الذي دفع بشعب مصر الى ان تعلن قواه الوطنية الاحتجاج والثورة .. حتى بلغت هذه الثورة التنظيم الفدائي المسلح .

مشهد المظاهرة لدينا 1000 شخص من الكومبارس منهم 600 من القوات البريطانية ..

جلبنا جيش حقيقي والبسناهم ملابس تلك الفترة … و400 من الشعب المصري بطوائفه المسلمة والمسيجية لمواجهة الاستعمار البريطاني ولبسوا ملابس تلك الفترة
المظاهرة تكون في مكان على جانب اليابسة .. والجانب الاخر يكون البحر .

الكاميرا وضعت على الشرفة واستعمل شاهين عدسة 600 وضعت سيارة في مقدمة الكادر لحرقها … وكاميرا اخرى توسي هاند تاخذ كلوزات … وقسم الكومبارس على خمسة محاور محور يقوده رجل دين مسلم ومحور يقوده رجل دين مسيحي … وثلاث محاور للقوات البريطانية والقوات الحكومية الموالية من ضمنها محور الخيالة .

أبطال المشهد الفنان الشاب محسن محي الدين واصدقائه ..

نصور دون ان نفكر بأي اعادة علينا ان نعمل بشكل مضبوط جدا . رسم شاهين الحركة للممثلين وكيف يهربون الى الزقاق الفرعي بعض احداث المظاهرة تحدث في الماء حينما يحاول احد الوطنين الهرب الى الماء يطارده الجندي الانكليزي في البحر … واتفقنا ان أن نرفع علم احمر كعلامة واشارة بدء التصوير ..لان الكاميرا بعيدة ولن يسمع صوت شاهين …الان نبدأ التصوير صاح شاهين
– كاميرا .. اكشن

ابتدأ التصوير وكان العمل دقيقا بدون اعادة …الشيء المؤسف الذي حدث بعد انتهاء التصوير اشتباك الكومبارس مع بعضه ووقعت اصابات بليغة .. وكان شاهين حزينا لما حصل …وحاولنا بشتى الطرق ان نفك الاشتباك ولكن دون جدوى حتى الاشتباك في البحر كان عنيفا والعسكري الذي لحق المتظاهرين الكومبارس كان يضربهم ضرب حقيقي … مما جعل مدير الانتاج يتصل بالشرطة لتفريقهم …وذلك لان لدينا مشهد مطاردة محسن محي الدين وان نحافظ على راكور الأضاءة قبل غروب الشمس .. بحيث تحدث المطاردة تحت عجلات القطار ومنها الى الشارع المجاور .

لقد استعمل شاهين كاميرا منخفضة ليعطي احساسا بعظمة العمل الوطني وليضيف هالة من التعظيم للشخصية … ويصاب يحيى ويدخل احد الأزقة .. يستخدم شاهين كاميرا على – الستدي كام – وهو عبارة عن جهاز يلبسه المصور ويمتص كافة الاهتزازات حينما يركب الحصان ويصور المطاردة وهذا الجهاز لا يستطيع اي مصور ان يلبسه ويصور وانما يكون ذو يد حديدية … حيث يستخدم يديه في حمل الكاميرا دون استخدام حامل الكاميرا …صور المشهد وعند قفز محسن محي الدين الذي يؤدي شخصية – يحيى شابا – على جدار أحد البيوت …هنا تبدأ مرحلة علاقة يحيى مع السيدة التركية التي اغتصبته وأدت الدور الفنانة ليلى شعير ولها في الفيلم مشهدان مشهد الاغتصاب ومشهد التلفون .

اصر شاهين ان نكمل كل مشاهد الاشتباك لكي يرى النتيجة حيث ترسل المادة الى المعمل في باريس حيث يحمض ويطبع الفيلم ونستلم المادة بعد يومين قبل الانتقال الى موقع تصوير جديد لنتأكد من صلاحية المادة المصورة حيث لا يوجد في السينما مونتر – لم يكن شائعا – لروؤية اللقطة كما هو في التلفزيون …ويعتمد عملنا على جودة وعين المصور وقدرته …اما الان فاستعمال المونتر اصبح شائعا ولا يستطيع اي مخرج الاستغناء عنه …وحينما عملت مع ايناس الدغيدي في فيلم الوردة الحمراء كان لديها جهاز يربط على الكاميرا لترى الحركة على الشريط النكتف فقط وليس الكوالتي اي جودة الصورة .

هذا المشهد اي مشهد المظاهرة والمطاردة كتبه شاهين بعناية وخاصة السيناريو التنفيذي – الديكوباج – والذي كان يؤكد فيه انه نظر الى الوجود الاستعماري الانكليزي من خلال رفض هذا الوجود في متوالية سينمائية بالغة الذكاء بتوظيفه كل العناصر التاريخية والاجتماعية والانسانية من اجل هدف واضح ومحدد هو النزوع الذاتي الذي يتطلع بقوة الى تحقيق حلمه السينمائي بـأن تقف سينما شاهين ندا للسينما الغربية .

كلمة لا بد ان تقال بحق هذا المبدع الكبير ان يوسف شاهين مؤلف كبير ليس فقط في الوطن العربي لانه لا يتعامل مع السينما كطريقة لالتقاط الصور بل انه يضيف الى هذه الصور اشياء اخرى تعمل على تفجيرها وتجعله في مصاف المخرجين العالميين .
بأنتهاء مشاهد الاسكندرية نكون قد انهينا 98 % من الفيلم لم يبق الا لقطات قليلة سوف تصور في شركة افلام مصر العالمية التي يملكها شاهين ولا تحتاج هذا العدد الكبير من الفنيين ولا هذه الاجهزة .
وصلت المادة المصورة الذي نسميها – الرشز – من فرنسا وحجز لنا الانتاج في احدى دور العرض في الاسكندرية وكانت النتيجة ممتازة .. اعطى شاهين امر بانتهاء التصوير في الاسكندرية والعودة الى القاهرة .

2 تعليقات

  1. Avatar الحاج عطا الحاج يوسف منصور

    تحياتي لكِ اختي الدكتوره خيريه منصور

    مقالتكِ عن المخرج يوسف شاهين وتصويره المتميز واحداث الفلم التي تسجل حداً وطنياً عن كفاح الشعب المصري في اخراج الانكليز ذكرني بأبيات للشاعر
    الشعبي كريم تعبان الجاسم ابو سلام يخاطب بها الزعيم يقول فيها [ انكسرتْ ايدك يل كتلت الباشه …. يل بدلت لعابتي بخرخاشه ] نعم يا اختي الانكليز
    تركو العراق وما تركوه وتركو مصر وما تركوها وتركو الفرنسيين سوريه وما تركوها وغيرها من البلدان العربيه لقد سلطو عليها حكاماً اشد قسوةً منهم
    وهاهم يعودون بوجه آخر .

    احترامي وتقديري لكِ

    الحاج عطا

  2. Avatar حسن متعب

    رائع ياست خيرية يارائعة اسلوب جميل واستذكار مشوق ووصف ببساطته يقدم حقائق عظيمة عن شخصية لايمكن ان تتكرر في تاريخ السينما المصرية.. احسنت

اترك رد