تجلي المبتذل، فلسفة الفن ـ5ـ لأرثور دانتو

 

اعتبر كتاب La transfiguration du banal. Une philosophie de l’art(1)
“تجلي المبتذل، فلسفة الفن” للفيلسوف الأمريكي الشهير آرثور دانتو (2) Arthur Danto (1924-2013) من أكثر البحوث استفزازية في فلسفة الفن التحليلية، إذ عمل على خلخلة العادات الراسخة في الفكر الجمالي بشكل أكثر فاعلية. فحسب رأي الكاتب، أن الفن يرتبط ارتباطا وثيقا بالتأويل والتفسير. فالتأويل يجعل الشيء يتسامى ويتشكل ليصبح عملا فنيا. (يستخدم دانتو بالتبادل، المعنى الأنطولوجي للشيء Thing والمعنى المعرفي Object)، لتعيين الكيان الحقيقي البسيط الذي يعارض الكيان الفني. في كلمات دانتو، يختلف التفسير الفني عن أي تأويل آخر بسبب وظيفته التأسيسية، في حين أن أشكال التفسير الأخرى لها وظيفة تفسيرية. علاوة على ذلك، يهدف التفسير الفني إلى العودة إلى نوايا الفنان، وهو موقف غالبًا ما يهاجمه النقاد لأنه تعسفي أو وهمي من جهة، وقابل لعدم التحديد من جهة أخرى (3). إن المقاربة التأويلية لدى دانتو لاتسعى لتتبع المسار العقلي للفنان، بقدر ما تبتغي إعادة النظر في أساسيات مقصدية الفنان ونواياه.

تم بناء الفصول السبعة من الكتاب وفقًا لمشروع فلسفي/جمالي، عرّفه دانتو بأنه “طريقة الهزات الارتدادية التي لا يمكن تمييزها” (ص 224)، طريقة تتكون من تحديد أزواج من الأشياء التي لا يمكن تمييزها، وشرح الشروط الضرورية والكافية التي تجعل من الممكن ترشيح أحد المنتوجات الاستهلاكية العدية ونزعه من وظيفته الأصلية ليصبح عملا فنيا، بينما الباقي عبارة عن أشياء لها صفات مشتركة مع المترشح، وقد تكون صفات مزيفة، غير أصيلة.
نتابع معكم قراءتنا للكتاب.

فقدان الهالة L’Aura
بين الفيلسوف الألماني والتر بنيامين(4) في مقالته «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًا”(5)، التي كتبها عام 1935، أن قيمة هالة العمل الفني وأصالته، تنقص وتتراجع ولو كانت إعادة الإنتاج التقني أكثر كمالاً واكتمالا، وأشمل تطورا وتطويرا. ويتضح ذلك من خلال: تغيير السياق الزمكاني للعمل الفني. فمهما بلغت عملية إعادة الإنتاج أوْجَ اكتمالها، فسيظل هناك شيء ينقصها: مكانية وزمانية العمل الفني؛ وجوده الأول في المكان الذي ظهر فيه، والحين الذي برز فيه. ففي ذلك الوجود الأول لا سواه بدأ التاريخ الذي لن ينفك عن كيان ذلك العمل. إن مكان وزمان العمل الأصلي هما اللذان يُبقيان على مفهوم أصالة ذلك العمل، ويسبغان عليه الهالة التي يتمتع بها.

وهذا، في ظننا، ما حدث لنافورة مارسيل دوشان الأصلية Fountain(6)، التي أهملت وضاعت في معرض جمعية الفنانين المستقلين Society of Independent Artists عام 1917. فرغم كون النافورة (المبولة) منتوجا صناعيا، خضعت لمبدأي التعددية والكثرة في تصنيعها، إلا أنها أصبحت فريدة Unique بعدما اقتناها الفنان من بين أخوات لها، ربما كُنَّ بجانبها ولم يُعِرْهُنَّ مارسيل دوشان اهتماما، بل اختار تلك التي وضع عليها اسما مستعارا R. Mutt، وعمَّدها بتاريخ 1917 ثم قدمها للعرض كتحفة فنية, لا فرق بينها وبين الجوكندا أو آنسات أفنيون…بل إنها، في نظر دوشان، تفوق هاتين قيمة وجمالية. استمتعت النافورة، آنذاك بموافقة بعض الحضور، وأقصد هنا المصور ألفريد ستيغليتز Alfred Stieglitz الذي وثقها بالصورة ـ الصورة أضحت وثيقة تاريخية ـ وزكى وثمن وجودها، فأعطاها كينونة خاصة بها، جعلتها تعتلي عرش الفن الحديث، بل عرش الفن المعاصر برمته. ودعم العملية المقال الذي نشره دوشان تحت اسم مستعار بمجلة The Blind man.
فقدت النافورة (المبولة) وجودها المادي، لكنها حافظت بصرامة على شاهديته التاريخية، التي أخرجتها من بُعْدِها الزمكاني الأصلي لتقحمها، رغماً عن الأنوف، في بعدٍ زمكاني آخر…هي الشاهدية التاريخية نفسها التي لم تتزعزع، فبقيت صامدة في وجه عواصف النقد الهائجة…هي تلك التي أخرجت (المبولة Urinoir) من العابر Ephémère، وأقحمتها في المُعمِّر Pérenne.
فمهما علت قيمة النسخ الموجودة اليوم بالمتاحف العالمية، فلن ترقى إلى قيمة النافورة الأصلية التي سجلت وجودها في الزمن بمداد من ذهب. فهي الأصل وهي التحفة وهي الأم، وما دونها نسخاً ليس إلا…حينما يقف المشاهد أمامها يشرد ذهنه ويتحول بفكره إلى نافورة 1917. وأقصد المشاهد الذي اطلع على قصة النافورة كاملة.

إن نُسخ العمل الأصلي (نافورة 1917)، تبقى فاقدةً لأصالتها وعَبَقها. حسب والتر بنيامين أن استنساخ الأعمال الفنية أدى إلى اختفاء مفهوم الأصالة فيها أو “العَبَق” l’aura. هكذا نجد أن السياقات الثقافية التي تعيش فيها وعليها نسخ النافورة اليوم، ليست كلها متطابقة ومتجانسة، مما أدى إلى تغييب هالتها وعبقها، وبالتالي فقدت سلطتها الجمالية الفريدة، وبالمقابل اكتسبت سلطة جمالية مزيفة. إن صفات الأحادية والفرادة والاستمرارية التي تميز نافورة 1917، كلٌّ لا ينفصل، تماماً مثلما أن اللامبالاة والتكرارية والتعددية كلٌّ لا ينفصل في نُسخِها.

مراجع وهوامش:
1ـ DANTO, Arthur. La transfiguration du banale. Une philosophie de l’art. Tr. Claude Hary-Scaeffer, éditions du Seuil1989
2ـ آرثر كولمان دانتو، (1924 ـ 2013)، فيلسوف وناقد فني أمريكي. كان رئيسًا للجمعية الفلسفية الأمريكية والجمعية الأمريكية الجمالية. على الرغم من أنه كتب عن العديد من الموضوعات (فلسفة الفعل وفلسفة التاريخ وفلسفة المعرفة)، إلا أنه معروف بشكل رئيسي بأعماله في الإستطيقا. يعتبر، إلى جانب نيلسون غودمان، من أشهر ممثلي الجماليات التحليلية الأمريكية. ألف آرثر دانتو العديد من المقالات والكتب في الفلسفة والنقد الفني. إن سوء فهم مقولة “عالم الفن” التي أوردها دانتو في مقالته المنشورة عام 1964، قاد الفيلسوف جورج ديكي إلى صياغة “النظرية المؤسسية للفن” “institutional theory of art”. مما دفع بدانتو إلى الانفصال عن تفسير ديكي ليحدد أطروحاته الفلسفية حول العمل الفني في The Transfiguration of the Commonplace. A Philosophy of Art.
3- Maurizio Ferraris (1998), L’ermeneutica, Roma, Laterza, pp. 20-28
4ـ والتر بنيامين فيلسوف ألماني، مؤرخ فني، ناقد أدبي، ناقد فني ومترجم، ولد في 15 يوليو 1892 في برلين (ألمانيا) وتوفي في 26 سبتمبر 1940 في بورتبو (كاتالونيا، إسبانيا). يعد من أقطاب مدرسة فرانكفورت. ترجم لزاك، وبودلير وبروست.
تم إعادة اكتشاف تفكيره واستكشافه والتعليق عليه إلى حد كبير منذ خمسينيات القرن الماضي، مع نشر العديد من النصوص غير المنشورة ومراسلاته (ويكيبيديا)
5ـ أثرت مقالة العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًا بشكلٍ كبير على فكر مدرسة فرانكفورت خاصةً التحليلات الجمالية والسياسية لثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر ووهربرت ماركوز. في أواخر القرن العشرين وفي البرنامج التلفزيوني “طرق الرؤية” لعام 1972، استمد جون بيرغر من موضوعات مقال والتر بينجامين، وشرح التمثيلات المعاصرة للطبقة الاجتماعية والطبقة العرقية في إنتاج الفن. إن الوسائل الحديثة للإنتاج الفني وإعادة الإنتاج التقني الفني دمرت السلطة الجمالية والثقافية والسياسية للفن، وللمرة الأولى على الإطلاق، أصبحت الصور الفنية سريعة الزوال ومتوفّرة وغير حاسمة ومتاحة وبلا قيمة وحرة بالإضافة إلى أنها تفتقر إلى هالة العمل الفني الأصلي. (ويكيبيديا)
6ـ تعتبر النافورة من بين أكثر الأعمال شهرة في القرن العشرين. ومع ذلك، فقد الأصل بعد وقت قصير من تقديمه إلى المعرض الأول لجمعية الفنانين المستقلين في أبريل 1917 ورفضته اللجنة المعلقة. أصبح العمل معروفًا لاحقًا برمز نيويورك دادا في المقام الأول من خلال النسخ المتماثلة، التي أنشأها دوشامب لأول مرة في صورة مصغرة لصندوقه في حقيبة (1935-1941، متحف فيلادلفيا للفنون، 1950-134 -934). ثم في عام 1950، في معرض التحدي والتحدي في معرض سيدني جانيس، أذن لجانيس بشراء هذه المبولة المستعملة في باريس وإضافة التوقيع الأصلي إليها. كانت نسخة من النافورة التي شاهدها Cage وRauschenberg وغيرها الكثير في المعارض خلال الخمسينيات والستينيات.

لا تعليقات

اترك رد