بين بورقيبة والباي , إسلامي حسم موقفه

 

في 1881 تعقّدت المسألة الاقتصاديّة للإيالة التونسيّة في ظلّ غياب تام للدولة العليّة وانشغال الباب العالي بمشاكله الإقليميّة. فقد فشل الباي في استرجاع ما هرّبه قابض مال الدّولة التونسيّة محمود بن عيّاد عند فراره من تونس في 1852 وكان ما استولى عليه ونقله إلى الخارج يقدّر بأربعة أضعاف موازنة البلاد في ذلك الوقت وكذلك فعل نسيم شمّامة ومصطفى خزندار. وخاب مسعاه في تكليف خير الدين التونسي باسترجاع أموال الدّولة, لكنّ الوزير الأكبر قفز من المركب وهو يغرق فباع هنشير النفيضة للفرنسيس وهاجر. “و أخذ الذّهب وذهب” على حدّ عبارة إيميل حبيبي.

في 12 ماي من سنة 1881 قرّر (سيدنا)محمّد الصّادق باي أن يحافظ على سلامة “لحيته الشريفة” من أن تتلوث بالدّم (والحقّ يقال : لم يبق في تونس شيء يؤسف على ذهابه عدا هذه اللحية الشريفة التي طالما لعب بها غلامه المفضّل مصطفى بن إسماعيل). وعبّر عن استعداده لإمضاء اتفاق الحماية مع السلطة الفرنسيّة , وهو اتفاق استعماري لا ريب فيه.

وقبل ذلك, قدّم سيّدنا بعض المبادرات التي يحاول أن يحفظ بها بعض ماء وجهه, مثل إرسال الجند التونسيين للمشاركة في حروب الخليفة. ولكنها مبادرات شكلية لم تكن تتجاوز ما نسمّيه اليوم اقتباسا (رقصة الدّيك المذبوح) ففرنسا كانت تأمره بغلظة وعنف أن يكفّ عن إرسال مساهماته الرمزية في حرب الباب العالي ضدّ موسكو. وقد حاول التعنت لكنّ القنصل الفرنسيّ قال له:” أنت لا تقدر على فعل شيء من سياسة بلادك إلاّ بإذن من دولة فرنسا”وكان ذلك قبل الحماية بما يقارب الثلاثين عاما.

وككلّ الحكّام الذين استبدّت بهم شهوة السلطة فقد وجد سيدنا الصادق بغيته في مزيد جمع الضرائب وتفقير السكّان. يقول أحمد بن أبي الضياف واصفا فداحة المجبى:” ولزمه لما اشتهاه من اسم الفخامة المالُ. فزاد في الجباية زيادة فادحة أفضت إلى إبطالها لأنها بكيفية ينافيها العقل والشرع” (الاتحاف ج 6 ص 25)

هذا تاريخ نائم في الكتب وقد أسكره غبار السّنين حتى أوشك الجيل الجديد من التونسيين على نسيانه. لكن لنعد إلى بورقيبة “الخائن العميل” كما يصفه الإسلاميّ الطيّب .

عفوا …إنّنا سنضطر للانتظار اثنتين وعشرين سنة حتى يولد صبيّ اسمه الحبيب بورقيبة. فلنتركه ولنعد إلى أخبار سيدنا التي تركناها فعادت لا تقوى إلاّ على الشخير والتثاؤب وهي تتدثّر بالصّحائف التي أوشكت أن تأتي على بعضها الأرضة.أقصد أرضة الفكر طبعا.

كان سيدنا محمّد الصّادق باي مهوسا بهوى غلامه الذي شغفه حبّا واستبدّ بروحه. يقول المؤرخ الهادي التيمومي ” أغلب البايات ماتوا بسبب كثرة تناولهم للمشروبات الرّوحيّه” يعني وبناء عليه ف”سيدنا” كان في ذلك الحين يشرب ويفكّر في غلامه فيشرب ويشرب … ربما كان يستتر. ربما كان يشرب ولكنه لا يغفل عن مستقبل اللحية الكريمة… اللحية الشريفة التي سقاها ليال كثيرة بالمعتق من الخمور … بارك الله في اللحية وفي دافع الضرائب..

لنعد إلى بورقيبة… تونسيّ تعود جذوره إلى ليبيا وربما إلى مدينة طرابلس. ولكنّه, في تلك الأثناء, ما يزال بورقيبة طفلا يتردّد على المدرسة الابتدائيّة بالمنستير. و مع ذلك يمكننا أن نؤكّد أنّه خائن وعميل فرنسا وعلماني متطرّف ف”بصيرة” الإسلاميّ لا تخطئ أبدا وفراسته لا تخيب. نعم إنه طفل ولكنّ أمارات العمالة لفرنسا وقتله الثوار كانت في مرحلتها الجنينية لا يستطيع أن يثبتها إلاّ قارئ الكف (والإسلاميّ طبعا). ومن أين لنا بقارئ كفّ نثق فيه يكذّب ما قالوه؟

لنعد إلى بورقيبة… بورقيبة الطالب في الحقوق في وقت لم يكن في تونس مدرسة عليا ولا معهد أعلى ولا كليّة ولا ثمّ ما يمت بصلة لشيء يسمى جامعة تونسيّة. بورقيبة هذا الشاب المنحدر من عائلة فقيرة نسبيا مغرقة في التقليد آذاه الفقر بقدر ما آذه ما رآه من معاناة النساء في محيطه العائليّ وفي قريته المنستير. هذا الفتى سيكون نبيا “كذّابا”(رغم أنه لم يكن أعور ولا حتى من الذين يستعينون بالنظّارات) لأنّه قد شغل عقله بالحداثة الغربية ولأنّه كرّس كلّ جهده للحاق بمن سبقونا في الحضارة… هذا الرجل سيتهم ببيع تونس لفرنسا.

الباي باع البلاد محافظا على مركزه. وثارت في عهده العربان بقيادة علي بن غذاهم. ويتغافل عنه الإسلاميون ويعتبرونه تاريخا من التاريخ الذي لا يرجى من وراء إثارته نفع. أمّا بورقيبة الذي ثبتت حصافة عقله ورجاحته في قبول الاستقلال الدّاخلي فحريّ بالإسلاميين التشكيك فيه. ولا يجبوا عليهم أن يغفلوا عن اتهامه بالخيانة العظمى… اتهموه بأنه سلّم تونس لفرنسا في 1956 .وأوهمونا بأن تونس قبل هذا التاريخ كانت تونسية أكثر من حالها اليوم.(يا للفظاعة ( ! إنهم لا يكفون عن تأكيد أنّ بن يوسف والفلاقة كانوا سيطهرونها من آخر جنديّ فرنسيّ لو لا خيانة بورقيبة …فالمشكل عند الإسلاميين ليس في استعمار تونس الذي رزحت تحته قرابة الثمانين عاما بل في نهج تخليصها من الاستعمار الذي ثبت مع الزّمن أنّه صحيح سالم,

سيدنا محمد الصادق باي أخطأ لا محالة. ولكنّ حسابه على الله. ولا يهم الإسلاميين تضييع الوقت الثمين في الحديث عن صغائر الأمور. هو وليّ للأمر اجتهد ولم يصب وقد حصّل الأجر المضمون (ليس السميق: الأجر الصناعي الأدنى المضمون). والرجل لم يعطّل الدّرس في جامع الزيتونة ولم يقدّم اجتهادا في أمر الصّوم ولم يجعل المرأة تتجاسر على جلادها. ولم يجمع في مدارس الحكومة بين الفتيان والفتيات. ولم يأمر سيّدنا الباي بالاختلاط في العمل وفي وسائل النّقل … لذلك كلّه يستحقّ منا الصّادق باي أن نسأل الله أن يغفر زلاته.

أمّا ” أبُو رُقيْبَة” كما سمّاه الإمام عبد الحميد كشك (نفع الله به الأمّة) فعليه من الله ما يستحقّ… لقد حاول هذا الزعيم أن يطوّر التعليم الزيتوني, ومع ذلك حافظ على التعليم الدّيني وواصل يدرسه في المدارس الابتدائية وفي المعاهد الثانوية وفي الجامعة الزيتونية. فعلا إنّ الأمر جلل… الأمر الجلل جعل الإمام كشك يدعو عليه بكل صلف قائلا “قطع الله رقبته”.

اذْكُر بورقيبة لإسلاميّ وانْظُر كيف يرتفع ضغطه ويتعرّق وترتخي مفاصله . فبورقيبة والملح للإسلامي “المضغوط” سواء… لا لأنه باع وطنا وأثقل كاهل شعب بالضرائب, لا هذا لم يحصل في الواقع . بل لأنّه يا سادة يا كرام قد وحّد التعليم فجعله شأن من شؤون الأمن الوطني تشرف عليه الدّولة ولا يشركها في ذلك غيرها. آه يا بورقيبة أتجرؤ على ما لم يجرؤ عليه سابقوك وتفخر ؟؟؟ عجبا…

هل يجوز أن نترحّم على سيّدنا محمّد الصادق باي ؟ هذا السؤال يلزمه شيخ بحر في العلم الشرعيّ. المهم إنّ ما يشفع لسيّدنا أنّه لم يجرؤ على عظمة المشايخ. ولم يحرمهم من الأوقاف ومن رواتب مجزية يجنونها من التعليم جرّاء تجهيل مقدّس للنّاس.

ولكنّ الإخواني يجوّز لنفسه لعن بورقيبة ولا يحتاج في ذلك إلى فتوى شيخ رغم أن كثيرا منهم أفتوا بذلك. يلعن الإخوانيّ والسلفيّ بورقيبة جهارا دون الخوف من الشبهات لأنّ سي الحبيب تعدّى حدود الله بأن استبدل الطلاق الشرعي بالطلاق أمام المحاكم. وحيّد جزء كبيرا من الشيوخ المفتين ومحاكمهم وما ارتبط بهذا كله من المنافع. (يا للمغانم كيف تتبخّر !!!)

سيدنا الصّادق باي باع بلادا ولكنه لا يستحقّ التشنيع. أمّا بورقيبة الذي استرجع الأرضي الفلاحيّة يوم 12 ماي 1964 فيستحقّ أن يكون في سقر.

الخلاصة يا سادة :إنّ تجريم بورقيبة لم يكن بسبب اتفاقية وهمية مع فرنسا وليس بسبب ما حدث مع فريق من الثوار عارض اتفاقية سنة 1955 ولم يكن بسبب إعدامه لبعض الضبّاط سنة 1962 لأنهم حاولوا الانقلاب. بل هم يكرهونه ويكرهونه كره المسلمين لفرعون لأنّه قطع تلك الموارد التي كانت تدرّ لبنا وعسلا.. إنهم يكرهونه لأنّه تسلم تونس وقد انفصلت نهائيا عن الإمبراطورية العثمانية منذ 1924 أي قبل الاستقلال بثلاثين عاما فمضي يستعيض عن الشيوخ بالأساتذة ويستبدل الفتوى بالقانون ويترك الجلوس إلى مؤدّبين ويجعل بدلهم معلمين ويدع الرقية ويدعو إلى الطبّ.ألخ…

إنّ موقف الإسلاميّ من بورقيبة فيه مغالاة لا تفهم إلاّ في إطار الحرص على استرجاع سلطة قديمة آفلة. لقد كشفت هذه المغالاة أنّ الإسلاميين لا يشغلهم أمر الدّين فللدين ربّ يحميه ولا يهمهم أمر الشعب الذي لم ينصره حينما كان في ضيق المحنة. ولكن يهمه كثيرا أن يسترجع بيت المال وبيت الزكاة والأوقاف والحسبة والتعليم الديني بمنافعه الجمّة ويعيد إرساء القضاء الشرعيّ ويعيد المرأة إلى بيت الطّاعة. وهذا كله لا يتحقق إلاّ إذا ذكر اسم الله عليه.

هكذا يكون الإسلاميّ عادلا في جلوسه للقضاء بين محمّد الصادق باي والحبيب بورقيبة.

لا تعليقات

اترك رد