من يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد ؟

 

في زمن الإصلاح الذي يرفع شعاره الكثيرون في دول العالم الثالث ، يخطر في البال التجارب الإنسانية الإصلاحية التي جرت في الأمم عبر التاريخ الطويل ويستحضر للذاكرة ما جرى ليدرك أن رجال الفساد أقوى بكثير من رجال الإصلاح وأن نسمات الإصلاح سرعان ما تذبل وتذوي عند أول ريح ساخنة . وتكثر التحليلات والمقاربات لموضوعات الفساد والإصلاح ويتوه الباحث النجيب الأريب في السؤال التاريخي المعهود : من يأتي أولا ، الدجاجة أم البيضة ؟ ثم يتيه زهوا بالجواب والنسمة الباردة ليصاب بعد هنيهة بخيبة الأمل ويعود للدوران في دولاب الفساد وحلقاته المفرغة .
يحكى أن أعرابياً تزوج بامرأة من قبيلته ذات دين وخلق، وعلم وأدب، وحسن وجمال، وبعد فترة من زواجه، نشبت بينه وبين أحد أبناء عمه مشاجرة انتهت بقتله، وخوفا من القصاص، أخذ زوجته وهرب بها بعيداً عن مضاربهم لاجئا إلى مضارب قبيلة أخرى.
تعوّد الأعرابي على مجالسة شيخ القبيلة التي لجأ إليها وصار يشاركهم السهرات والقصص الجميلة .
وفي أحد الأيام مر هذا الشيخ من أمام بيت صاحبنا فشاهد زوجته، فسُحِر بجمالها، ففكر بخطة شيطانية يبعد بها الزوج عنها، حتى ينفرد بها.
عاد شيخ القبيلة إلى مجلسه، وكان عامراً برواده، وكان زوج المرأة معهم، فقال لهم: قد علمت أن هناك مرعى جيدا لإبلنا يبعد عنا مسيرة ثلاثة أيام، وأقترح أن يذهب نفر منكم لمعاينة المرعى قبل أن ننتقل إليه، ثم اختار أربعة من رجاله، وكان من بينهم زوج المرأة.
وما إن غادر الأربعة مضارب القبيلة، وأسدل الليل ستاره، وأوى كل إلى مخدعه، حتى سارع شيخ القبيلة إلى بيت الرجل الذي لجأ إليه، بعد أن أصبحت امرأته وحيدة، وكانت نائمة.
ولما اقترب من خيمتها ارتطم بشيء أحدث في سكون الليل صوتا مزعجا، فأفاقت المرأة مرعوبة، وصاحت: من هناك؟
فقال لها: أنا فلان شيخ هذه المضارب التي لجأتم إليها
سألته: وما هو مرادك في هذا الهزيع الأخير من الليل؟
فأبلغها عن فتنته بجمالها وحسنها وأراد التعرف عليها عن قرب.
أرادت أن تتهرب منه بأي طريقة، فاستخدمت فطنتها وأدبها، فطلبت منه أولاً أن يحل لها لغزا يقول : إذا كان الناس يرشون الملح على اللحم حتى لا يفسد ، فمن يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟ . وأخبرته أنه توافقه بعد أن يحل اللغز ويعود إليها .
لم يفهم شيخ القبيلة مغزى اللغز ، فعاد أدراجه خائباً.
وفي اليوم التالي سأل كل من في مجلسه عن مغزى اللغز الذي اشترطته المرأة، إلا أنه لم يلق منهم جواباً شافياً،
كان أحد الرجال من أصحاب الفطنة والحكمة يعرف حل اللغز فانتظر حتى انصرف الجميع ثم اقترب من الشيخ قائلا له: إنه عجز لبيت قاله أبو سفيان الثوري:
“يا رجال العلم يا ملح البلد ….. من يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟”
وإني أظن بأنك راودت امرأة واسعة العلم عن نفسها، فأرادت أن تصدك ولا تفضح أمرك في القبيلة . إنها امرأة عالية النفس صافية السر والسريرة .
وكأنها تريد أن تقول لك :
يا شيخ العرب يا ملح البلد …. من يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد ؟
فهي تقصد : إن الرجل من القبيلة إذا فسد أصلحه شيخ القبيلة كما يصلح الملحُ اللحم لكن من يصلح الشيخ إذا الشيخ فسد ؟
أيقظت هذه الإجابة ضميره النائم ، وقلبه الهائم ، وعقله الظالم ، وأصابه الخجل الشديد من فعلته الشنعاء ، وملأه الندم على ما كان منه المكائد والمفاسد .
وفي سياقٍ بلاغيّ همّه الانتقاص والسخرية والاستهجان الاجتماعي من الملح وشيوخ البلد ، يستشهدُ العربُ عاميُّهم وخاصيُّتهم منذ قرونٍ بقول سبط بن التعاويذي حين يقول :
إذا كان رَبُّ البيتِ بالدفِّ ضارباَ….. فشيمةُ أهلِ البيت كلِّهِمُ الرَّقصُ
غير أن أولئك ربما يسهَون عن دلالته الثقافية التي تحيل دلالتَهُ البلاغيةَ على المستشهد نفسه بهذا البيت ، من حيث إن في قول ابن التعاويذي موقفاً ضدياً للموسيقى والرقص ، وهما لونان مدهشان من ألوان الفنون التي هي جزءٌ من سياق الجماليات في المجتمعات الإنسانية.
صحيح …!!! من يصلح الملح إذا الملح فسد ؟

لا تعليقات

اترك رد