مبادرات ونتائج تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، فما العمل ؟

 

مبادرات ونتائج تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، فما العمل؟
بين البناء التراكمي والتقوقع في انطلاقات منقطعة

غب الحروب التي جابهها العراق بمختلف أسبابها ومن وقف وراءها، سعت الحركة التنويرية الوطنية إلى إعادة تنظيم نفسها بقصد تفعيل دورها وتأثيرها في اتجاه الحركة المجتمعية العامة، تلك الحركة التي خضعت باستمرار لموجّهات نظام الطغيان والاستبداد.. إن ذاك الخضوع تضمن عمليات عنيفة توجهت برأس حربتها نحو تنظيمات الأحزاب والحركات السياسية (المعارضة).. والحرب إياها وقعت بصورة أساس على القوى الوطنية الديموقراطية، فيما كانت فرصة قوى الظلام من الإسلام السياسي قد مررت وجودها بتسللها عبر مؤسسات المعتقد الديني المذهبي وعبر منافذ التسامح المجتمعي وغض الطرف أحيانا لمآرب النظام الذي ركب موجة الحملة الإيمانية مرة والانشغال بحروبه بمرات أخرى…

وإذا كانت جملة عوامل داخلية وخارجية قد أثّرت على مجمل المتغيرات الراديكالية في البلاد تحديداً في العام 2003؛ فإنها بحقيقتها فرضت قسراً تحالفات بسياقات احتوت حركات الإسلام السياسي على افتراضٍ، أوغل في إيهام الناس بأضاليل تلك الحركات الظلامية وألاعيبها وطبعاً في استغلال الأرض المهيأة بما شاع من تجهيل وإشاعة للأميتين الأبجدية والحضارية وبمرات كثيرة مستغلاً دعماً خارجيا مريبا ونهبا فاحشاً للداخل…

بالمقابل فإن الحركة التنويرية واصلت محاولاتها المعهودة في الاتصال بجمهورها الواسع، لكن بظروف معقدة فقدت فيها إمكانات الوصول المناسبة بخاصة مع فارق بين اشتغالها القائم على تشغيل العقل وبذل الجهد للإنجاز والإنتاج مقابل اشتغال قوى الإسلام السياسي القائم على الاسترخاء و\أو الاستسلام حيث الطابع السلبي لنمط الفعل المحدد باتقصاد ريعي تشغيلي حصراً والاشتغال هنا كثرما يكون بصيغ البطالة المقنعة أو الفضائي غير المنتج والمفارق لبذل الجهد والاجتهاد بخاصة مع اعتماده منطق الانفعال العاطفي اللاعقلاني المساوي للروحانيات بهوية الدجل وأضاليل طقسيات مفتعلة تفرغ الفعل من الجوهر الروحي السليم وليس من العقلي فقط…

وبهذه التوطئة التي تشير ضمناً غلى فروق الاشتغال بين النقيضين الضدين في العمل المجتمعي العام فإننا نرصد استمرار قوى التنوير على المتابعة وإدامة الفعل وعدم الركون لليأس او التراخي أمام الضربات المتتالية.. هنا ذكّر بأن محاولات إعادة التنظيم قامت باستمرار على استدعاء التجربة القائلة بأهمية مبدأ: أنّ قوة كل حزب تأتي من قوة مجموع الأحزاب مجتمعة.. وعليه فلقد استمر الإصرار على التوجه لخلق البوتقة الحاوية لمجموع مسارات التنويريين ممثلة في: قوى اليسار الديموقراطي وكل من القوى الليبرالية والتيار القومي التقدمي..

نذكر هنا بأن تحالفات عديدة ظهرت سواء (انتخابية) أم بصور أخرى أوسع وأكثر جوهرية. وبجميع أحوالها كانت تجابه من سعى لاستنزاف وجودها سواء من داخلها بسبب خلفية ما اختلقه الأعداء لها من اختلافات بمستوى (خلافات) بعضها تناحري الطابع أم من خارجها بضغوط مختلفة الطابع.. وانهارت بدل تطويرها والتبرير دائما كان المظلة للتراجع.

فمع خطوة إلى أمام لتحالف (العراقية) كان التراجع خطوتين إلى الوراء قائما على تبرير أنه تحالف مؤقت بسقف الانتخابات.. فهل كان التحالف مؤقتا طارئا كما تم تبرير التراجع عنه؟ أم أن القضية أبعد من تلك الذرائعية وتبريراتها؟؟؟

وظهر أيضا تحالف (تقدم) وقبل أن يمارس مهامه (الانتخابية) بأقل تقدير انفرط ببديل سوّق لخيارات أخرى نعرف ماذا قالت التجربة الفعلية عنه! فهل هذا ايضا كان مؤقتا طارئا لدرجة قبول انفراطه والتخلي عن بيانه وبرنامجه بالطريقة المعروفة! أي من دون إجابة واقعية تصف المجريات على أقل تقدير بكونها تجربة جابهت نتائجها لأسباب ينبغي أو يُفترض التعرف إليها…

سنترك موضوع دراسة تلك التجاريب وأسباب ما آلت إليه، لنركز على حقيقة أنّ أغلب التحالفات اجتهدتها قيادات تنظيمية بضغط وجودها وسط قوى تنويرية المنهج تطالب باتحاد قواها، وساهمت القيادات المنظمة في قيادة تنظيماتها بالاتجاه المنشود مع قيادات وطنية علمانية تنويرية مستقلة اجترحت الجهود المضنية ضاغطة بهذا الاتجاه الصائب وعاملة بإصرار على تحقيق فكرة جمع الأثافي الثلاثة [اليسارية الديموقراطية، الليبرالية، القومية التقدمية] بقيادة وطنية موحدة…

إنّ وجود الشخصيات الوطنية الديموقراطية ودورها ظل ملموس الفعل والأثر والنتيجة، ولعل من بين أبرز ما أُنجِز إلى جانب الدور الجوهري للتنظيمات وقياداتها وحواراتها الموضوعية، هو (مبادرة وحدة الحركة الديموقراطية العراقية) التي صاغ أدبياتها إلى جانب الشخصية الديموقراطية العراقية الدكتور كاظم حبيب كاتب هذه الأسطر والناشط الأستاذ نهاد القاضي مع كوكبة من أعضاء (لجنة المبادرة) وحاملي رايتها من مئات الشخصيات الديموقراطية والتقدمية…

لقد كنتُ كتبتُ شخصياً النصوص الأولية (مُقترِحاً) أطر الحوار وخطاه بتفاصيلها منذ العام 2004؛ مما تمّت مراجعته في النداءات المتتالية المنجزة في أعوام أخرى. ثم توكيد دراسته وإعادة إنتاجه بنداء الدكتور حبيب ومتابعته باللجنة الثلاثية، النواة، ومن ثمَّ بتشكيل اللجنة الموسعة التي عقدت اجتماعاتها الفكرية والإجرائية على مدى أشهر واتصلت بالقوى المعنية حصراً مع إبعاد تام لأي تشوش فُرِض بوقت لاحق بترك التحالف (التنويري) بهويته العلمانية الديموقراطية الذي اجتهدنا لتحقيقه وطنياً…

ولو أنّ الجبهات السابقة حافظت على أقل تقدير على أركان تأسيسها نواة صلبة لكانت تابعت التقدم وتنمية المتحقق؛ لكن الواقع أكد لنا تراجعها لصالح ما تلقته من ضربات تخريبية ببتبرير أنها مرحلية أو مؤقتة أو آنية طارئة بحدود المهمة المحددة بسقف بعينه…!

ما يعني أن التجربة أكدت توقف التحالفات وانفراط عقدها وأن اجتهادات النداءات التالية أما جاءت رد فعل مستعجل فرضته ظروفه الآنية العابرة أو تم ربطه بتحولات مرحلية في الغالب تم تسميتها (انتخابية)! بمعنى آخر أنّ مجمل النداءات وقعت بتأطير: الانطلاق من الصفر في كل مرة بما يتخلى عن غنى التجاريب السابقة وعائدها الإنتاجي التراكمي وكان هذا واقعا بين انعدام التوثيق والربط بين المتحقق والمستولد بظروف أو نداءات تالية وبين ضغوط المتغيرات الميدانية التي عانت من انحرافات مشهدية غير سوية الأسباب..

ربما كان لبعض الأحزاب سجلها وتراثها التقليدي في إطار التحالفات ولكنها هي الأخرى كانت تقع تحت وطأة تحديات القراءة الموضوعية وضغوط الفهم الراديكالي المنفعل تجاه أخطاء التجاريب السابقة أو الاختلاف مع بعض أطرافها والتحامل على ظاهرة إهمال قراءة التجربة بالملموس..

إن الذاتوية والقصور في قراءة الظرف الزمكاني المرحلي وعوامل التأثير الخارجية فيه أدى غلى خلط أوراق القراءة الجدية السليمة والنضاجة في الفكر السياسي لنهج التحالف..

ومجددا أؤكد أن الأمور انساقت مرارا وتكراراً نحو الالتباس، والتمترس عند منطقة اعتبارات الأنا الجمعي المتضخم الذي يلغي الآخر او يراه وينظر إليه من فوق! فأسباب من قبيل: الأعرق تاريخا والأكثر شهداءً وتضحياتٍ والأكبر حجماً وسمعةً في النزاهة و\أو الأكثر التصاقا بالديموقراطية مع استمرار إنكار الصفة التي يراها كل طرف في وجوده عن الآخر بل تكفيره في إطارها وكأنه العدو للسمة التي يريد احتكارها بكينونته؛ دفع ذلك لتفاقم مطالب كل طرف من الآخر كي يشرع بتحالف معه!! وقبل ذلك كان ذاك التضخم الأنوي الذاتوي سببا في منع مراكمة الخبرات والدروس والاستفادة منها من جهة والبناء عليها من جهة أعمق وأكثر رسوخا وثباتاً..

إنّ لجنة المبادرة [كاظم حبيب، تيسير الآلوسي، نهاد القاضي، وضم كل من: د. سلوى السداوي، د. كاترين ميخائيل، د. حميد الكفائي، د. رابحة الناشي، زهير عبود، غيث التميمي، …] ساهمت جديا في الدفع باتجاه توحيد الحركة التنويرية العراقية.. ووضعت لبنات نوعية استفادت من التجاريب السابقة والخبرات التراكمية المتحصلة؛ لكن استقلاليتها من جهة وضغط المواقف المسبقة والاشتراطات والافتراضات لكل طرف من جهة أخرى أدت جميعها لما آلت إليه المخرجات تحديدا ما انتهى إليه تحالف (تقدم) من مآلات غير محمودة…

لم تترك لجنة المبادرة بنواتها الثلاثية متابعة العمل وتوجهت بنداء جديد يقوم على النداء السابق وهي تدري بعض خطى متحققة ميدانيا من إصدار بيانات مشتركة بين أطراف من قوى التنوير؛ إلا أن ظرف جائحة كورونا وطابع الأولويات عند أكثر من طرف أتت باتجاه أوجد التلكؤ المؤقت..

ولابد من تاشير أن أعضاء في اللجنة (ربما) ساورهم الاحباط من الانتكاسة الأخيرة ومن أسلوب التعامل والانكسارات التنظيمية المعروفة.. لكن ينبغي الإصرار على حقيقة أن كل مرحلة لها ما تنطلق منه اية مبادرة للتحريك ولعل هذه المرحلة أسهل بالكلفة في عقد الاتصال والمؤتمرات في دوائر ألكترونية مغلقة وتفعيل عاجل للحوارات بوضعها بمنطقة موازية لكل النشطة المخصوصة بأية قوة .. كي لا يجري وقف الحوار وتقدمه نحو الإنجاز على أن يمتلك ممثل كل قوة الصلاحية وسرعة التداول معها مع ثبات في مسؤوليته لا التفاف على منجزه واشتغاله بتغييرات راديكالية في التنظيم، أيا كانت الدوافع والأسباب!

إن أول مسؤولية استراتيجية مفروضة على قوى التنوير هي أن تقر مسؤوليتها عن وضع برامج تجيب على أسئلة الواقع وتضع بدائل العمل ووزارات الظل وألا يقع خطابها بمنطقة المعارضة بلا بديل… وثانيها أن تؤكد أنها ملتزمة بتحقيق التحالف الاستراتيجي لقوى التنوير الثلاث سواء جرت انتخابات أم لم تجر وسواء شاركت أم قاطعت فالمهم وجودها بنيويا بهوية وبرنامج…

ومجدداً، فإن أي تلكؤ بتوحيد كل قوة سياسية (اليسار الديموقراطي) و(الكتلة الليبرالية) و(كتلة القوى القومية التقدمية) ثم فيما بينها جميعا تتحمله قيادات الأحزاب والحركات وتخضع لمحاسبة قواعدها الشعبية التنظيمية والجماهيرية بعامة وفي ضوء ذلك بات مبدئيا وبثبات إقرار وجود ((منصة اللقاء الوطني)) التي كنتُ مع زميليّ [د. كاظم حبيب وأ. نهاد القاضي] أرسلناها إلى الجهات المعنية..

أقترح هنا عدّ أول أيام العمل الأسبوعي من كل شهر توقيتا لدخول منصة اللقاء الوطني للحوار في ضوء المشروع الأخير وبرنامجه بقصد تنضيجه وتطويره لاستكماله نهائيا مع وجود فقرة تؤكد قبول التنمية والتغيير على وفق المستجدات… واللقاء يكون في غرفة مغلقة للحوار على شبكة النت أقترح أن تكون غرفة لجنة المبادرة مكانا تنطلق منه وفيه المبادرة..

خارج هذا الإطار سنظل نراوح سلبيا في منطقة إطلاق مبادرات صفرية أي من منطقة الصفر وغض الطرف عن التجاريب وخبراتها ونتقدم خطوة لنتراجع خطوتين وندور بفلك الممنوع القاتل الذي لا يستنزفنا بل يودي بنا إلى هزيمة تاريخية نكراء… وهي هزيمة تُلحق بالشعب مثلما حصل ومنحنا فرص التفاف السلطة على أغلب الانتفاضات السابقة بمنح ممثليها فرص الاختراق بحجج وذرائع لا تنطوي على موضوعية ايا كان الادعاء والتبرير…

فلنترك مناطق التلكؤ السلبية تلك ونتقدم إلى حيث الشروع الفعلي اليوم قبل الغد بمناقشة مشروع توحيد طاقاتنا وتنظيماتنا وتنضيج المشروع الذي يمتلك أدبياته والأهم أنه يملك لا مجرد مشروعيته بل إلزامية وجوده بلا ذرائعية أو سفسطة أتخمت الشعب وجعلته يدفع التضحيات الجسام..

إليكم رفاق التنوير كافة، أؤكد روعة وجود كل قامة وكل شخصية وكل تنظيم وحزب وجمعية وحركة وتيار ولكن الأروع أن نستجيب لما يلزمنا به وجودنا بالعمل الجمعي وتصدينا لمهام التغيير وواجب استكمال ثورة الشعب بميلاد قيادة وطنية بتركيبة تنظيمية تتناسب ومطلب الثورة من جهة والتزامات الشعب وقيادة بديله أمام المجتمع الدولي

هل بقي أن أؤكد أنه بخلاف ذلك فإن حراكا لا يصنع قيادة تكون العقل المفكر المخطط الموجه لا يستحق إلا تلك الهزيمة وما تعنيه من ازدراء.. ولقد برهن الشعب على أنه نهض بواجبه لكن وجود قيادة موحدة حكيمة تتسم بالتنوير الذي أراده يظل يتطلع للفعل الآتي.. وشخصيا لن أتردد في المتابعة وثقتي وطيدة بأن جهود زميلاتي وزملائي أكبر وأعمق وأننا سنمضي حتى نحقق الهدف السمى..

منصة اللقاء الوطني هي منصة ميدانية للعمل طالما حضرتها قوى التنوير الثلاث وهي حية بمساهمات حيوية وإلا فإن التفرغ للبحث عن صالة اجتماعات ومبلغا لسد هذا المطلب اللوجستي أو ذاك واشتراكا من هذه الشخصية او تلك إنما هو إدمان للعبة إضاعة الطاقة والجهد ومناورة للإفلات من الواجب المناط بنا..

القضية اسهل من ذلك بكثير.. اتوجه بالتحية إلى أعضاء الأحزاب والحركات والمنابر وجماهيرها وما يعنيني هو دعوتهم للضغط على قياداتهم كي تباشر حواراتها في (منصة اللقاء الوطني الديموقراطي) فإلى لقاء…

لا تعليقات

اترك رد