قراءة في البلاغة البصرية الأشكال الجديدة في التصميم

 
الصدى- قراءة في البلاغة البصرية

“النظرة المتخيلة تجعل الشيء الحقيقي متخيلاً” جيل دولوز

يذهب الباحثون إلى أن المشتغل في المجال الإبداعي ينبغي له أن يعنى، أول الأمر بالبحث في تفاعل المادة مع المضمون لإنتاج الشكل عبر حديه البلاغي والإبلاغي، وصولا إلى هدف الرسالة؛ وهذا الهدف (Target) سيكون عاملا سلبيا للمشتغلين في هذا المناخ، إذ سيحتم على المصمم بصورة خاصة أن يقصي الذات المعبرة لحساب الغائية، واضعا نصب عينه الأداء والاستعمال والغرض وتلبية الاحتياج.

تقودنا هذه المعادلة الصعبة التي ذكرت من قبل الكثير من الباحثين إلى أن فن التصميم ينزع إلى الغرض بأسلوب جمالي، بمعنى آخر، يعمل التصميم إلى إيصال المتلقي إلى المكان المطلوب ولكن بمتعة وفرجة تؤدي بدورها جانبا جماليا لا يمكن الاستغناء عنه، ولأن التصميم المعاصر استطاع أن يستقطب العلوم والفنون المجاورة والتقنيات والآداب، صار يعمل على تجانس المقاربات التشكيلية في صلب التمظهرات الكرافيكية، والتي سنفترض بأنها تحقق الجانب الوظيفي بشقيه التأملي أولا والاستعمالاتي ثانيا.

ان الإهتمام الان في المجال الفني يتركز لا حول المؤلف والنص فحسب بل يتعدى ذلك إلى الموقع الذي يشغله متلقي هذا الفن، لتنقلب المعادلة وليكون القارئ (الضمني) في لا وعي المؤلف نفسه متفاعلا مع شفراته المبثوثة لاحقا.

هذا القارئ (الضمني) كان حاضرا في الظواهر المعاصرة والتي تتسم بوجود إشارات مضاعفة تشي باهتمامهما بالموقف من الوجود أكثر منه موقفا متجمدا عند حدود الحرفة التصميمية برغم أهميتها، وهذا الموقف الفلسفي في حال تطويره سيصل إلى الأبعاد المتوخاة من فعل الإبداع في فن التصميم

نستطيع أن ننظر إلى التصميم، بكونه بنية تنزع دائما إلى التفاعل مع ما نطلق عليه بالمتجاورات، لتتخطى التقسيمات والتصنيفات والتراتبيات الهرمية المألوفة، والسعي إلى وضع الأساليب المختلفة جنبا إلى جنب، وبمعنى أدق، يُعْرَف التصميم على أنه الورقة التي تجري على سطحها أشكال الحياة، لكنه، في الوقت ذاته، يستمد منها كينونته وملامحة ليشكل بدوره بنيته الرمزية التي تكمن وراءها أهدافٌ متعدّدة.

هذا التفاعل، بين التصميم والحياة، جعل منه مجالًا للأفكار الجريئة، وميدانًا لأداء عابر لحدود الأنواع الفنية، ليتوسّط بين واقع الحياة، ومتطلباتها الملحّة، من جهة، و جماليّات الفنون، من جهة أخرى، ليكون منبعًا لمعنى الجمال الأليف، أي الجمال المتعلّق بالحياة، لا بذاته، كما هو الحال في ما يُسمّى بالفنون النقيّة كالرسم والشعر والموسيقى.

تقودنا تلك التوطئة إلى نقطة جوهرية، وسؤال الكُنه ، يكمن في وظيفة التصميم : هل التصميم فعل انعكاسي للحياة وأهدافها ؟ الجواب البديهي بالنفي لأن التصميم ليس فعلا ميكانيكيًّا يستجيب لمعطى خارجي، بل هو فعل له قوانينه الذاتية التي تعمل على تعديل كيفياته، وفق متطلبات التجديد التي تفرضها حركة الزمان، وعليه فإن سمة التجديد تعدُّ إحدى أهَمّ ملامح التصميم لتجنب فقدان هويته ( الفنيّة ) من خلال التماهي المطلق بخارجه، فالتصميم، شأنه شأن بقية الفنون الأخرى، موجود داخل معترك الجماليات، المعنية بالسؤال الفلسفي المتّصل بمعنى الوجود، وليس ضيفًا عليها، يستعير منها ثيابه، ليدغدغ، بها، مشاعر المشترين، والمقتنين، والمعلنين عن مؤسساتهم، وبضائعهم.

ان الأشكال التصميمية الجديدة تنبني على التقنيات البلاغية ومنها التورية والتي هي تداخل بين الهيآت ، وهذه العملية تعد واحدة من أهم السبل التي يتبناها المصمم، الغاية منها إثارة الذهن حيث يحمل المتلقي على الانتقال من معنى إلى آخر، حتى تحديد المعنى، ويستدعي ذلك استنباطات مختلفة تجري في سياق تأويلي، لفكّ الشفرات التي تعترض طريق المتلقّي، وهو ما يؤدي إلى الإشباع الجمالي. أما مصطلح “المسافة الجمالية“، في التصميم، فيعرف على أنه المدة التي يستغرقها المتلقّي في حلّ تلك التشفيرات، للوصول إلى هدفه في فهم ذلك الشكل، كما تعمل التشفيرات تلك، على زيادة مدة استغراق المتلقي في عملية التلقّي، ومن ثمّ عزله عن خزينه التصميمي المؤتلف معه، للتفرّغ للشكل الجديد الذي هو بإزاءه. المفارقة هي تقنية أخرى في التصميم وتعني أحجية، تجري داخل الشكل التصميمي الجديد، بين معنى زائف، يجرّ المتلقّي إليه، ومعنى حقيقي ( أي ينتمي إلى العالم الذي يحتويه ذلك الشكل ) ويرتبط عدم اكتشاف المعنى المُستهدف، إيجابيًا، باتساع المدى التأويلي، ومن ثمّ بالإشباع الجمالي

وإننا هنا حينما نشير إلى الجديد تجب علينا إلإشارة إلى العملية الإبداعية المولدة بدورها للأصالة، سواء على الجانب الوظيفي أو الجمالي أو لكليهما لذلك يعرّف “بولان” العمل الإبداعي بالإنتاج الجديد الذي يحدث في مجرى التأريخ ويُعدّ ضربًا من الاتصال وكأنما هو حقيقة فريدة تختلف عن كل تفسير وتفلت عن طائلة كلِّ مقاومة، فالتصميم الأصيل هو الشيء الذي لا يحاكي أياً من التصاميم السابقة التي سبق لنا إدراكه أو تقبله، أو معرفته .

إن الخيال والتخيل (المنطقة التي يتشكل بها الجديد) لا ينقل الخبرات السابقة والسنن المعرفية المتراكمة بل يتميز بالمرونة والحرية من القيود والضغوطات الواقعية، ليكون الخيال، من ثَمّ مصدرًا للتحرر؛ وبهذا نرحل نحو ذلك العالم المتخيَّل المولد للأشكال الكرافيكية المثورة شكليا، إي إننا يجب ان نركز هنا على طريقة التفكير، المختلفة عن التفكير الواقعي، والتي تصدر عن الحَدس فالفن حدس محض، أو تعبير محض، ليس حدسًا عقليا كما زعم شيلنغ، ولا هو حدس منطقي كما يرى هيغل، ولا هو حكم كما يذهب إلى ذلك الفكر التأريخي إنه حدس مجرد إنطلاقا من المفهوم ومن الحكم[1] حيث تنبثق المعرفة الحاصلة للذهن دفعة واحدة من غير نظر واستدلال عقلي، وهو المعنى الذي أخذ به شوبنهاور في أن أكمل صور الحدس هي صورة الحدس الجمالي الذي ينسى فيه الإنسان نفسه في لحظة معينة من الزمان، فلا يدرك إلا حقيقة الشيء الذي يتأمله [2] وهو ما قرّره كانت  Kant في افتتاح « نقد ملكة الحكم« حيث قرر أننا، من أجل أن نميز الشيء إنْ كان جميلا أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثيل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة بل إننا نعيده بالمخيلة إلى الذات وإلى الشعور باللذة أو الألم الخاصّين بها، ليس حكم الذوق إذا حكم معرفة، أي ليس حكمًا منطقيًّ إنما هو استطيقي

[1] – ب.كروتشه، فلسفة الفن تر: سامي الدروبي، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ط1، 2009 ، ص 146

[2] – ينظر ، المعجم الفلسفي ، جميل صليبا ، دار الكتاب اللبناني – بيروت ، 1982 ، ج1 ، ص453

1 تعليقك

  1. Avatar غسان فاضل الجبوري

    تفسير رائع للفكر التصميمي

اترك رد