الانتحار

 

ينتحر الإنسان عندما يتنازل عن أحلامه وما يطمح وعن شغفه، يُصبح كالحيّ الميت بلا روح، فقط جسد بلا روح.

الانتحار قد يكون بقتل الروح فعليًا على الحقيقة، بأن يُزهق الإنسان روحه بيده، وقد يكون الانتحار بتنازل الإنسان طواعيةً عما يطمح ويُريد، سواء لأن مجتمعه أراد هذا وأجبره عليه، أم حاول أكثر من مرة ولم يصل إلى مُبتغاه فيئس من ذلك، واستسلم بكل بساطة فقط لأنه لم يصل، ولعله قبل استسلامه هذا كان على وشك الوصول ولكنه استعجل، فأحيانًا ليس المهم الوصول؛ ولكن المُحاولة بكل ما أوتينا من قوة، والصبر قليلًا، والاستعانة باللَّه، والثقة بالوصول، وأحيانًا أُخرى قد نشعر بنوع أو فتيل من اليأس والخمول؛ ولكن علينا ألا نستسلم لهذه المشاعر الخانقة القاتلة المُدمرة المُهلكة لصاحبها.

إن ضغوطات الحياة الخانقة التي نعيش، والظروف الشائكة التي نحيا، وأحوال وصعوبات البلاد والتحديات التي تظهر أمامنا، وموت الروح وإماتتها، والابتلاءات و البلايا والنوازل التي بُلينا وحلت بنا، وغيرها الكثير، قد تدفع البعض للتفكير في الانتحار كفكرة فقط لا أكثر لم تأخذ حيز التنفيذ، ولعل يتم تنفيذها وتأخذ وضع التنفيذ يومًا، وربما لا؛ وتموت الفكرة، وقد تكون فقط وليدة لحظة. وهناك آخرون قد حاولوا الانتحار بالفعل، وأَقدموا على هذه الخطوة وكان الفشل حليفهم، وتنازلوا عن هذه الفكرة برمتها، وهناك من انتحر ونفذ ونجح واختفى أثره على البسيطة وهذا ما راينها في الايام السابقة حيث كثرت حالات الانتحار في العراق .

وهناك أشخاص يمنعهم هذا البصيص من الايمان باللَّهﷻ، ومعرفتهم أن هذا الفعل محض كفرٍ بّين؛ فهو يئس صريح من روح ورحمة اللَّهﷻ التي وسعت كل شيء، ويُذكرهم أنها ما هي إلا دنيا وليست بالجنة، ولا تستحق أن نفعل بأنفسنا هذا لأجلها، وأنها لا تسوى عند اللَّه جناح بعوضة، فكيف نخسر الآخرة من أجل سراب، ودار ليست لنّا، ما نحن إلا ضيوف فيها، وسنرحل يومًا، وينتهي كل هذا العذاب، وتختفي تلك الآلام التي لطالما احترقنا بسبها، وكدنا نفقد إيماننا، لولا لطف اللَّه بنا؟! وأنا من ضمن هؤلاء الأشخاص.

ما يمنعنا عن إتخاذ هذا القرار الأحمق الطائش، المسبب للكفر، الذي يأتي إلينا في أعتى وأقسى لحظات الضعف والفتور والتراخي واليأس من النفس، ونعود ونذكر أنفسنا: “لا يجب علينا الاستسلام لهذه الوساس وتلك الأفكار المُضللة، وسينتهي بإذن اللَّه ما أَحياهُ وأعيشه الآن، لا يجب أن أهزم بهذا الشكل المزري، ما أنا فيه الآن لا يُحتسب شيئًا مقارنةً بما يقاسيّ إخواني وأخواتي من تعذيب وتنكيل وقتل وتشريد وتعدٍ وفقر وجوع وخوف واضطهاد ومعاناة حقيقية، فهناك من قد حرموا من أبسط مُتطلبات الحياة كالأكل والشراب وقضاء الحاجة وحرموا رؤية الآحباب والأهل واعتقلوا وسجنوا وعذبوا ونُكل بهم ظلمًا وعدوانًا وتجبرًا، فأين أنا من هؤلاء جميعًا، ما قد أُواجه بالنسبة لما يعيشوه، لا يحتسب شيئًا!”.

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ) سورة العنكبوت (69)

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)سورة البقرة (155)

نحتاج إلى الصبر والصحبة الصالحة والمُصلحة، وتقوية إيماننا باللَّه ﷻ، ونحتاج إلى أن نتعلم، ونشغل أوقاتنا بكل ما هو نافع ومُفيد ومثمر؛ فالإنسان المشغول المُستخدم لوقته على أتم استخدامه، لن يجد الوقت من الأساس ليفكر في مثل تلك الأفكار، ويستسلم لظلم نفسه وسوءها وحَنق ورتابة وسوء الظروف والأوضاع والأشخاص،

فاِحضر مجلس علم في فنٍ ما أو التحق بدورة ما أو تبنى فكرة ما أو اِشرع في قراءة كتاب جديد أو تعلم شيء جديد لم تعرف عنه قبلًا،
واجعل لنفسك هدفًا ساميًا وغاية عُليا تسعى إليها وتستميت في تحقيقها، ورؤيتها أمام ناظريك، واترك بصمتك المُميزة وأثرك الطيب الجميل، وآري الكون جمال وصفاء روحك.

المقال السابقكان يعرفني المطر
المقال التالىتأملات في ديستوبيا الحظر … العزلة ليست هي الوحدة
ايناس ليث علي.. ماجستير هندسة مواد – جامعة بابل اللغات الإنجليزية وكورية و العربية الاهتمامات قراءة كتب , وكتابة مقالات وروايات من كتاباتي 1- اطفال وجدت نفسها في الشوارع , فاين انسانيتك يا ابن ادم 2- عاشوراء الحسين (ع) هي ثورة خالدة و صرخة الحق ومدرسة للتضحية 3- الصمت في حياتنا 4- كن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد