مدفع رمضان في تونس ….. تراث وتقليد يبهج الصغار والكبار​


 
مدفع رمضان في تونس ..... تراث وتقليد يبهج الصغار والكبار​

يعتبر صوت المدفع من أهم الطقوس الرمضانية في تونس , اذ يضفي على أيام وليالي هذا الشهر الكريم طعما خاصا رغم التطور الذي يعيشه الناس ودخول التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة , فهو يرتبط بذكريات جميلة رائعة لاعلان موعد فك الصيام وحلول موعد الافطار الذي ينتظره الجميع بفارغ الصبر بعد يوم صيام مليء بالعبادات والأعمال الخيرية, ولا يخلو من بعض المشاق .

يعد مدفع رمضان تقليدا متبع في العديد من الدول الاسلامية ولا سيما في تونس , حيث يقوم جيش البلد باطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس معلنا حلول الافطار خلال شهر رمضان . ولقد حافظت أغلب المدن التونسية على العادات الرمضانية الأصيلة , ومن بينها على مدفع رمضان , الذي يعتبره الكثيرون وحدة قيس زمني للاعلان عن الافطار والامساك وعند بداية رمضان وعيد الفطر . ورغم عدم توفر معطيات دقيقة عن تاريخ نشوء هذه العادات في تونس , الا أن الثابت والأكيد هو تجذرها في تاريخ بلادنا , فهو موروث حضاري يعود الى العثمانيين, وأنطلق مع الباي أحمد باي , وكان يطلق مع حلول شهر رمضان ” زوج وفرد ” من الطلقات ايذانا بحلول رمضان وفي صبيحة يوم العيد .

ويشير التاريخ أن المسلمين في هذا الشهر الفضيل , كانوا أيام الرسول ,عليه الصلاة والسلام , يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم , وعند بدأ استخدام الأذان اشتهر بلال وابن مكتوم بأدائه . وقد حاول المسلمون على مدى التاريخ ومع زيادة الرقعة المكانية وانتشار الاسلام , أن يبتكروا الوسائل المختلفة الى جانب الأذان للاشارة الى موعد الافطار , الى أن ظهر مدفع الافطار الى الوجود عن طريق الصدفة , فكان أول أيام رمضان عام 865 هجري أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعا جديدا , وقد صادف اطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط , ظن الناس أن السلطان تعمد اطلاق المدفع لتنبيه الصائمين الى أن موعد الافطار قد حان, فخرجت جموع الأهالي الى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها , وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في اطلاق المدفع كل يوم ايذانا بالافطار .

وعلى رغم تضارب الروايات التاريخية حول أصول نشأة تقليد مدفع رمضان الا أن المؤكد أن بداية الفكرة كانت مصرية المنشأ , وانتشرت بعد ذلك في أقطار العالم الاسلامي تعبيرا عن الفرح والبهجة باستقبال الشهر المبارك .

ومما لا شك فيه مازال المدفع في تونس أيقونة شهر الصيام لدى التونسيين , ويجذب الكثيرين حوله مع قدوم الشهر الفضيل في كل عام , رغم ما عرفته الحياة من تغييرات على كافة المستويات , أدت الى اندثار بعض العادات والتقاليد القديمة بسبب العديد من العوامل ومن أبرزها انتشار الارهاب . ولئن بدأت عادة اطلاق البارود في الاختفاء منذ حادثة صفاقس اثر انفجار مدفع رمضان وتسببه في وفاة مهندس وجرح جنديين تونسيين خلال رمضان 2010 , فقد ازداد انتشار غيابها عن المدن التونسية بازدياد ظاهرة الارهاب التي رفعت من مخاوف السلطات من استغلالها لاحداث تفجيرات , لذا اتخذت وزارة الداخلية قرارا بمنع استعمال المدفع أثناء الافطار خلال شهر رمضان منذ سنة 2014 , نتيجة الظروف الأمنية الخاصة التي تعيشها تونس , مما جعل الافطار والامساك هذا العام دون لون ولا طعم ولا رائحة .

فالى حين اعادة هذا الصوت والتراث الى المدن التونسية , يبقى الاستماع الى دوي مدفع رمضان , هو من الأجواء الرمضانية المحببة لدى التونسيين , لما لحضوره الانساني الحميم في الذاكرة الشعبية وجزءا من تراث رمضان المتوارث له عبق زمان .

لا تعليقات

اترك رد