الزعامة بعد المونتاج

 

لا غنى لأي زعيم، أو طامح للزعامة، عن فريق إعلامي وفنّي ولغوي، يضبط أسلوبه، وتصريحاته، وطريقة خطابه، وإدارة صفحاته في مواقع التواصل، وتقديم النصيحة له بأن يغرّد بهذه المناسبة أو ذلك الحدث، ويختار له موضوع التغريدة، فريق يلتقط له عدّة لقطاتٍ بكاميرات إحترافية، ليحذف منها تلك التي أغمض عينيه أثناء التقاطها، والتي تثاءب فيها بوجه العدسة، ويُبقي في النهاية على أجملها، وكثيراً ما تكون على طريقة (صوّرني وآني ما أدري)!
فالفريق الإعلامي الخاصّ بأي زعيم، يحاول التفوق على أي فريق في مجال الجراحة التجميلية!
والعراق بلدٌ يشتهرُ بأشجار النخيل الباسقات، ومياه دجلة والفرات، وكثرة الزعامات.
وإذا كانت اليابسة تشكل ثلث مساحة الكرة الأرضية، فإن العراقيين مؤخراً، أصبحوا يشكلون ثلثي هذه اليابسة، بينما تشكل الزعامات وشيوخ العشائر وقياديو الصف الأول والثاني وباقي الصفوف، ثلثي تعداد العراقيين، وقد يمتدّ نفوذهم إلى المسطحات المائية أيضاً!
وهذا ساعد على إنتعاش قطّاع (الميديا) في العراق، وزاد الطلبُ كثيراً على المصوّرين والمدونين، وفتحت الأحزاب باب التجنيد لهذه الكوادر، وأصبح الجندي في الجيش الألكتروني، يتقاضى مرتباً أكبر مما يتقاضاه جنديٌّ في الجيش!
فأموال كارثية تنفق، فقط لنعرف أنّ جحشاً زارَ قرقوزاً، وبحثوا خلال الزيارة، سبل الإرتقاء بغبائهم إلى درجة مرموقة.
ولكنّ ثورة (إعلام الزعامات) هذه، ورغم الإنفاق المالي المهول على حساب خزينة الدولة المنهوبة، أخفقت في إقناع العراقيين، بأشخاص غير مناسبين.
فالعراقيون أذكياء، وصاروا يفهمون حركات الأفلام الهندية جيداً، ويقرؤن ما وراء التصريحات الرنانة، بل أصبحوا خبراء في لغة الجسد، التي يخرج عليهم بها (شعيط ومعيط، وجرّار الخيط)، ويفهمون القرارات التي تقدم لهم إعلامياً، لإلهائهم عن قرارات لا يجرؤ أكبر رأس على اتخاذها!
وأصبحوا يستوعبون جيداً، مسألة الصفقات التي تمرّر من تحت عباءة التريندات والأخبار التافهة، فالقضية أصبحت معكوسة، لأنها زادت عن حدّها، وبالتالي يصبح الإبتعاد عن الإعلام، مع تقديم أفعال، هو الفعل الوحيد الذي طال آنتظاره، فهذا ألف مرة أفضل من تغريدات تكشف مستوى غبائهم، وأحياناً لغتهم السوقية الهابطة، وأحقادهم التاريخية التي يضمنون بها ولاء من هم على شاكلتهم من بسطاء الوعي، ثم لا تعود عليهم في النهاية، إلا بسخرية الناس وضحكهم.
فالمونتاج السياسي مكشوف، ولن تغيّر فلاتر التجميل، من الصورة الخام التي يعرفها العراقيون عن جميع الطبقة السياسية شيئاً، ولن يتحوّل الجبناء إلى شجعان، لمجرد أن ترفق صورهم بالأغاني الحماسية، ولا اللصّ إلى نزيه، لمجرد أن يتغنّى بنزاهتهِ منتفعون منه، أوشركاء له.

لا تعليقات

اترك رد