الريال الأميركي

 

الريال الأميركي

أكّدت مؤسسة النقد السعودي يوم الخميس 14 أيار/مايو 2020 في بيانٍ لها إلتزام السعودية بسياسة ربط سعر صرف الريال السعودي بالدولار الأميركي، كونها تخدم النمو الاقتصادي والاستقرار المالي بحسب تعبيرها. وجاء في البيان أن احتياطيات النقد الأجنبي تشكل 88% من الكتلة النقدية بمفهومها الواسع والشامل.

يأتي هذا البيان بعد أيام معدودة على تصريحات لوزير المالية السعودي محمد الجدعان عزا فيها الصدمات الاقتصادية الأسوأ التي تلقّتها بلاده إلى الانهيار الكبير في أسعار النفط، بسبب تراجع الطلب العالمي جراء إجراءات الغلق بسبب تفشي فيروس كورونا،كما أن الكثير من الأنشطة الاقتصادية توقفت، ما أثّر سلبياً على حجم الإيرادات غير النفطية. يُضاف إلى ذلك استنزاف خزينة الدولة لزيادة الميزانيات المخصصة لقطاع الصحة من أجل مواجهة كورونا، وما رافقها من إجراءات لتخفيف تداعيات الفيروس على المواطنين.

بعيداً عن أزمة كورونا التي ألقت بظلالها على جميع الاقتصاديات العالمية، فقد حذّر صندوق النقد الدولي في آذار/ مارس 2020 من اندثار ثروات السعودية عام 2035، حال عدم اتخاذها الإجراءات الإصلاحية في منظومة سياساتها المالية، خصوصاً وأن السعودية تُعد من الدول التي تعتمد على النفط كأكبر مواردها الاقتصادية، التي توقع أن تندثر أو على الأقل تتراجع بصورة كبيرة خلال السنوات القادمة.

ومما لا شك فيه فإن منظومة السياسات المالية السعودية التي تطرّق لها صندوق النقد الدولي ذي صلة مباشرة بسياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي أرهقت موازنة الدولة في مسارات إنفاق مثيرة للجدل. حيث أبرمت السعودية اتفاقيات دفاعية مع الولايات المتحدة الأميركية في أيار/ مايو من العام 2017، بقيمة 460 مليار دولار، وصدر في كانون ثاني /يناير 2018 أمراً سعودياً ملكياً بصرف بدل غلاء معيشة قيمته (267 دولار) شهرياً، للموظفين المدنيين والعسكريين، ضمن حزمة مزايا وبدلات أخرى شملت العسكريين المشاركين ضمن قوات الجيش السعودي في حربه ضد الحوثيين. بالإضافة إلى رؤية 2030 التي يطمح عبرها بن سلمان بجعل بلاده مركزاً للتكنولوجية المتقدمة في الشرق الأوسط، وما رافق هذه الرؤية من إنفاق مالي ضخم غير مسبوق.

إن أحلام اليقظة الخاصة بابن سلمان التي يرى نفسه فيها البطل السعودي الذي يدافع عن بلاده ضد “الفرس”، ويجعل بلاده الأولى في الشرق الأوسط، أودت ببلاده إلى التبعية المطلقة للولايات المتحدة. حيث يبدو أن شعار الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أميركا أولاً”، وما يندرج تحته من مضامين تُهدّد التعددية والعولمة بمفهومها الغربي الأوروبي، والذي كان القاصي والداني يسخر من هذا الشعار ومن جنون الفكرة، بدأ يُؤتي أكله في السعودية.

تضع السعودية كل بيضاتها في سلة ترامب، كونه انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، متناسيةً بأنه انسحب من عدد من الاتفاقيات والمعاهدات والمنظمات الدولية، ومتجاهلةً حقيقة تنامي الاستقلال الأميركي في مجال الطاقة، ما يعني الاكتفاء الأميركي من الاعتمادية على النفط العربي، وبأن النفط لم يعد هذا السلاح الذي تستطيع السعودية أن تساوم به.

وفي المقابل ومن السخرية أن نجد دول الاتحاد الأوروبي أكثر حزماً وصلابة في وجه المشروع الأميركي الترامبي من هذه البلدان العربية، التي تصب جُلّ اهتمامها على المسألة الإيرانية، على حساب أي شأن أو اعتبار آخر. ففي الوقت الذي يلتزم فيه الاتحاد الأوروبي بموقفه تجاه القضية الفلسطينية بتمسكه بحل الدولتين وبالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين ويدين التوسع الاستيطاني، تُركّز مسلسلات سعودية مثل مسلسل “أم هارون” الذي يُعرض في شهر رمضان من العام 2020، على عرض معاناة اليهود في الدول العربية، في تطبيع علني فاضح وواضح وغير مسبوق، يهدف إلى ترسيخ فكرة التعايش العربي الإسرائيلي. ولا يمكن تجاهل حقيقة ما يجري وسط ذلك من استمرار سياسة الاعتقالات السعودية للناشطين وأصحاب الرأي والقوميين، الذين يرفضون هذه الأفكار .

تُحقّق إدارة ترامب اليوم أول انتصار لسياستها في السعودية، بعد أن رفرف العلم المزخرف بشعار “أميركا أولاً” فوق سمائها، دون أن يكون هناك مقابل أميركي يستحق الذكر، بلغة الصفقات المربحة للطرفين.. اليوم أصبح الريال أميركياً، والله أعلم أي عملةٍ ستتأمرك غداً؟.

المقال السابقفي الانتظار
المقال التالىالصين مازالت تماطل العالم ويجب محاسبتها
فادي أبو بكر - كاتب وباحث فلسطيني- حاصل على درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة بيرزيت، ودبلوم في الترجمة من كلية كامبردج العالمية/ كندا. (مساعد تدريب وإشراف في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات. عضو في منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات العامة والتفكي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد