العروبة الحضارية كبديل

 
العروبة الحضارية كبديل

إن فهم الواقع العربي يشكل خطوة أساسية في تحديد كيفية مواجهة أزماته وتتوزع عملية الفهم على مجالات متعددة ومختلفة ويشكل العنصر الثقافي والهوياتي في اعتقادي الحجر الأساس لبناء مجتمع عربي جديد. لتحقيق ذلك يتعين على الفكر التغييري دراسة الواقع، تحضيره، إيجاد الأدوات المعرفية لمقاربة الوقائع وتفسيرها لكي يصبح التغيير ممكنا.

لن أتناول الطرح اليساري ولا الإتجاه الناصري ولا أفكارالقوميين العرب ولا توجهات أولئك الذين طالبوا بالوحدة العربية. لأنها ببساطة كانت أفكارا سياسية لنخب سياسية اعتبرت استمرارا لتوجهات ونظريات دولية زمن الحرب الباردة وبحث العرب عن تموقعاتهم داخل الخريطة العالمية. فكانت الأفكار مستوردة عبرت عنها طبقات نخبوية ولم يكن لها امتداد مجتمعي، أي نابعة من أعماق المجتمع الذي كان يهتف فقط زمن الإنتصارات ويبكي وقت الهزائم. ويرى في بعض الزعامات الحل الوحيد والأوحد لوجود واستمرار المجتمع.

كما أرى انه من المؤسف أن تتجه السياسات التربوية لدول ما بعد الإستعمار Postcolonial إلى التركيز على تطوير عدة مجالات اعتمادا على خبرات خارجيةle savoir faire étranger وهو ما يزال قائما وموجودا في بعض الدول العربية. الدول لم تعر الفرد اهتماما كبيرا من أجل بناء مجتمع واعي قادر على شق طريق النجاح من الداخل كما حصل في اليابان ويحصل في العديد من دول جنوب شرق أسيا. أنظمتنا اعتمدت على بعض الكفاءات التي تكونت في مدارس الإستعمار أو في الخارج، وهي النخب التي حكمت بعد الاستقلال واستحوذت على مراكز القرار وتم تهميش فئات عريضة من المجتمع ولم يتم إشراك العامة في عملية تكوين الدولة الحديثة.

فالدول العربية لم تستثمر في الأفراد بقدر ما استثمرت في الأنظمة، الحركة الصهيونية منذ نشأتها في إسرائيل أولت الفرد اهتماما بالغا وعملت على تلقينه وإنشائه لما يخدم مصالحها التوسعية والمستقبلية، بغض النظر عن أصوله ولونه وجغرافيته.

إذن فتربية الفرد ضمن منهج مجتمعي عام يشكل بداية انطلاق بناء الهيكل العام لمجتمع المستقبل. وهذا ما جعل النخب السياسية في واد وعامة الناس في واد أخر. لم ينخرط الفرد العربي يوما في مشروع بناء مجتمعه بقدر ما كان تابعا لما تمليه الطبقة المسيطرة على كل نواحي الحياة. أو بصيغة أصح تم تغييبه عن المشروع العربي الذي تداولته زعامات وأحزاب سياسية نيابة عن الشعوب.

الفرد العربي الحديث لم يربى على التعايش مع الأخر بغض النظرإلى الانتماءات العرقية ،المذهبية ،الدينية ،القبلية والطائفية. وهذا ما يفسر الإصطدامات التي تحصل هنا وهناك إن لم نقل تطاحنات. نحن بحاجة إلى تعايش في إطار عروبة حضارية، وعندما أقول حضارية أعني أن مجموع الإختلافات الثقافية والعرقية والدينية والقبلية والهوياتية تنصهر داخل منظومة عربية واحدة هدفها بناء مجتمع عربي متماسك يذيب الخلافات من أجل مستقبل واحد لكل أبناءه.

فالجزم بأن التفتت والتجزئة التي تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة هي تراكمات وأثار استعمارية غير صحيح. فالمستعمر لم يوجد الخلافات من عدم بل فاقم خلافات كانت موجودة داخل النسيج المجتمعي العربي وأحيانا عمل على دفعها نحو الإنفجار، ويغذيها كلما رأى أن التوتر قد خف ويوفر لها شروط التوسع والإنتشار داخل المجتمع العربي.

كما أن هته الإنقسامات الداخلية هي التي تمهد الطريق نحو غزو خارجي. مشروع مجتمع العروبة الحضارية هو الكفيل بجمع ولم شتات الداخل من أجل النهوض من جديد. مشروع يتيح إعادة إطلاق عملية توحيد كل أفراد المجتمع للتغلب على عناصر التجزئة والتخلص من ركام الماضي.

العروبة الحضارية أو المشروع المجتمعي الجديد هو وحده القادر على إعادة جمع الشمل لمجتمع مزقته الحروب والتناحرات السياسية والمذهبية. إنه مشروع مجتمعي تربوي بالأساس وليس سياسي ولتحقيقه يجب أن ينطلق من داخل المجتمع لتحقيق الوحدة الداخلية وتحقيق هوية قومية ترقى بالفرد إلى وعي قومي وتفضيل العام على الخاص للتخلص من كل أشكال التخلف والخطابات النخبوية المعممة.

فبدون المشروع الجديد سيظل مفهوم الوطن ومفهوم الطائفة متساويان ولن يعلو مفهوم الوطن على الانتماءات القبلية والطائفية الضيقة. وتستمر الصراعات الحزبية السياسية والدينية تتفاقم من أجل مصالحهم هم، إلا الوطن فيظل الخاسر الأكبر.

تهدف العروبة الحضارية إلى خلق مجتمع واعي، متحضر، متعايش وملتزم بقضايا الوطن العربي أولا.

إنها لا تعني دولة أو قطرا إنها النسيج العربي بكل أطيافه : مغاربيين و مشرقيين من الناحية الجغرافية وعرب من أصول كردية وأمازيغية وأشورية من الناحية الإثنية. إنها المظلة التي تجمع كل هته الإختلافات الإثنية والثقافية المتعددة. لقد ساهمت كل هته التعددات العرقية في بناء الصرح الحضاري العربي وعاشت في ظله. كل هته التعددات تتلاقى وتتعايش وتعايشت داخل إطار ثقافة عربية واحدة مشتركة.

إن التفرقة التي كرسها المستعمر لخلق أوطان حدودية أدى إلى ضعف الإنتماء القومي وكرس انتماءات عرقية وإثنية منفردة. الإختلافات القبلية والإثنية هي غنى للمجتمع قبل أن تتحول إلى أسباب للصراع والقتال.

لتحقيق هدا المشروع، والدي أراه الحل الأمثل للخروج من الأزمة، يتوجب إعمال العقل والحوار السلمي بين كل مكونات هذا المجتمع العربي الكبير.

لا تعليقات

اترك رد