تجلي المبتذل فلسفة الفن ـ 3 ـ لأرثور دانتو

 

“ما يقدره العقل هو في جميع الأوقات متفوق على ما هو مرئي للحواس الخارجية.”
فيلو الإسكندرية، القرن الأول الميلادي

اعتبر كتاب 1 La transfiguration du banal. Une philosophie de l’art)( “تجلي المبتذل، فلسفة الفن” للفيلسوف الأمريكي الشهير آرثور دانتو 2 Arthur Danto (1924-2013) من أكثر البحوث استفزازية في فلسفة الفن التحليلية، إذ عمل على خلخلة العادات الراسخة في الفكر الجمالي بشكل أكثر فاعلية. فحسب رأي الكاتب، أن الفن يرتبط ارتباطا وثيقا بالتأويل والتفسير. فالتأويل يجعل الشيء يتسامى ويتشكل ليصبح عملا فنيا. (يستخدم دانتو بالتبادل، المعنى الأنطولوجي للشيء Thing والمعنى المعرفي Object، لتعيين الكيان الحقيقي البسيط الذي يعارض الكيان الفني.

نتابع معكم قراءتنا للكتاب.
حكاية 3Fountain

في العام 1950، نظم سيدني جانيس Sidney Janis معرض “Challenge and Defy”، وبموافقة مارسيل دوشامب، عرض “نافورة” تم شراؤها من سوق الخردة، مشابهة لتلك التي عُرِضَت عام 1917، إلا أن هذه الأخيرة تتجاوز الأولى اعتبارا لمقصديتها الجمالية.

باقتراح من الناقد السويدي أولف ليندي، أعيد نسخ النافورة شبه الحقيقية بدقة عام 1963، لـصالح متحف ستوكهولم Moderna Museet، وتمت العملية برعاية مارسيل دوشامب نفسه، الذي قام بتصحيح التوقيع حتى بدا مماثلا تماما لتوقيع R. Mutt الأصلي.

في عام 1964، وقع دوشامب وصاحب معرض ميلانو أرتورو شوارتز Arturo Schwartz المتخصص في عمل مارسيل دوشامب، اتفاقية تجارية لإنجاز اثنا عشر نسخة مماثلة. صُنعت النسخ بين عامي 1963 و1964، اعتمادا على نموذج أولي Prototype نُحِت على الطين. (توجد الرسومات الأولية والنموذج بمتحف فيلادلفيا للفنون بالولايات المتحدة الأمريكية). وتمت عملية النسخ إحالة على الصورة التي أخذها المصور ألفريد ستيغليتز d’Alfred Stieglitz للنافورة الأصلية خلال معرض 1917. تحقق ذلك كله بموافقة مارسيل دوشان وتحت إشرافه.

نحن إذن أمام نُسَخٍ لصورةٍ فوتوغرافية لشيء thing . الصورة التي أخذها ألفريد ستيغليتز عام 1917، ولسنا أمام نُسخٍ حقيقية للشيء بعينه، للنافورة التي عرضها دوشان في نفس السنة. إن التصوير الفوتوغرافي عمل على عزل الشيء مما أدى إلى تسبب تكثيف الدلالة وتشديد معاني الخطاب. فالصورة أصبحت نفسها، عملا فنيا بفضل مساهمته في إظهار العمل المصوَّر.

انطلاقا من هذا الانزلاق نتساءل: هل يجوز لأي تمثيلٍ مصور لعمل فني أن يصبح هو أيضًا عملًا فنيًا؟ وهذه حكاية أخرى لا يسع المقام للتفصيل فيها. لكن مارسيل دوشان بذكائه وفطنته عرف كيف يستثمر المعطيات التي توفرها الصورة الفوتوغرافية. فقد كانت الصورة عنده وسيلة للتعبير عن بُعد آخر: الحركة والإيقاع، من خلال اللقطات الصورية المتتالية والمتناغمة، وكانت لوحة (Nu descendant l’escalier) تجسيدا للفكرة، ولفكرة التواتر والنسخ والتكرار، إذ نجد دوشان يكرر نفس العمل ثلاث مرات (النسخ الثلاث موجودة بمتحف فيلادلفيا). فاعتماد الصورة الفوتوغرافية وعمليات النسخ والتكرار والإعادة كانت كلها عملة بيد الفنان يوظفها كأي أداة/خامة من أدوات مشغله. وهذه الأداة التشكيلية، إن صح التعبير ساعدت فيما بعد، على خلق تيارات فنية كالمستقبلية Futurisme والإشعاعية Rayonnisme والفن البصري Optical Art.

نحن إذن لسنا شاهدين على تحول في النية أو تغيير في القصدية كما يعتقد البعض. فالدوافع الأولى التي جعلت مارسيل دوشامب يعرض مبولة ويسميها نافورة Fountain هي نفس المقاصد التي جعلته يوافق على إصدار النُّسَخ ويوقِّعها ثم عرضها باسمه. إنها عملية تزوير صريحة! مع أنه كان واثقا أن معيار التطابق غير حاصل البتة، إذ نجده يصرح عام 1961 بمتحف نيويورك للفن المعاصر: ” تقريبا، جميع الأشياء الجاهزة الموجودة اليوم ليست أصلية “4. لكن فكرة الإعادة والتكرار والنسخ كانت هي الأهم. الأهم عنده الفكرة وليس الشيء في ذاته، وأن تتم عملة النسخ والتعددية انطلاقا من صورة فوتوغرافية. وهكذا يصبح التساؤل عن هوية النسخة «الأصلية» لا معنى له.

لم تعد النافورة الأصلية موجودة حقيقة، باستثناء صورتها وبعض النوادر والحكايات التي تدور حول اختفائها. وهذه من إحدى خصوصيات الفن المعاصر. وقد أشارت إليها الباحثة نتالي هينيك Nathalie Heinich في كتابها5 الذي صدر عام 2014. فالنافورة ليس لها وجود حقيقي، إلا عبر نسخها، تدعمها وتزكيها الخطابات التي تلف حولها. فرغم المواصفات التي باتت النافورة محتفظة بها، كإزاحتها بنحو 90 درجة، وقلب قاعها، الذي يثبت أصلا على الجدار، أفقيًا، ووَسْمُها بعلامة “R. Mutt 1917″، يبقى الفرق شاسعا بين الأصل ونُسَخه. فالنَّسخُ أفقد الأصلَ هالته. وفقدان هالة L’Aura العمل الفني هو ما شكل فلسفة والتر بنيامين الجمالية.

تعرض كلُّ نُسَخِ النافورة التي شُكِّلت انطلاقا من الصورة ـ صورة ألفريد ستيغليتز ـ اليوم رسميًا كعمل فني، منسوب إلى مارسيل دوشامب، موقع ومؤرخ هكذا “R. Mutt 1917”. وكلما وقف أمامها المشاهد يظنها أنها هي المبولة التي ادعى دوشان أنه اشتراها من متجر لشركة J. L. Mott Iron Works، في نيويورك عام 1917، والظن أمسى يقينا وبديهيا! رغم أن بعض المصادر6 تشير إلى أن نموذج المبولة هذا لم يتم العثور عليه في كتالوجات شركة Mott Iron Works . رغم ذلك، اقترحها دوشان لمعرض جمعية الفنانين المستقلين Society of Independent Artists في أبريل 1917، تحت اسم Fountain، فأصبحت فعلا أيقونة الفن الحديث بلا منازع! وانتهى الأمر…انتهى هكذا، بتعميد “أشياء” Things تافهة وجعلها تسمو إلى علياء الأعمال الفنية! أشياء وظيفية، لم تؤد أصلا وظيفتها التي صنعت من أجلها، بل حالفها الحظ ومنحتها المؤسسة ـ الفنان والوسيط والمتاحف والنقاد والمؤرخين…ـ صك الاعتراف لترتقي إلى عالم الفن، وتغدو من “أكثر الأعمال الفنية تأثيراً في القرن العشرين”. أكثر من ذلك أن الجماعة التي رفضت أن تعرضها هي من زكاها. فبرفضها عرض النافورة، تكون جمعية الفنانين المستقلين Society of Independent Artists قد عملت على شرعنتها وتثمينها كعمل فني اقترح للعرض وتمت إزاحته. عملية العزل منحت النافورة وضعا خاصا، جعلها تتميز عن قريناتها المنتمية إلى فئة الفخار الصحي. وهذا التميز أدى بلا شك إلى لبس في معنى الفن وماهيته.

هوامش:
Scaeffer, -philosophie de l’art. Tr. Claude Hary. La transfiguration du banale. Une ArthurDANTO, 1 éditions du Seuil1989 2 آرثر كولمان دانتو، (1924 ـ 2013)، فيلسوف وناقد فني أمريكي. كان رئيسًا للجمعية الفلسفية الأمريكية والجمعية الأمريكية الجمالية. على الرغم من أنه كتب عن العديد من الموضوعات (فلسفة الفعل وفلسفة التاريخ وفلسفة المعرفة)، إلا أنه معروف بشكل رئيسي بأعماله في الإستطيقا. يعتبر، إلى جانب نيلسون غودمان، من أشهر ممثلي الجماليات التحليلية الأمريكية. ألف آرثر دانتو العديد من المقالات والكتب في الفلسفة والنقد الفني. إن سوء فهم مقولة “عالم الفن” التي أوردها دانتو في مقالته المنشورة عام 1964، قاد الفيلسوف جورج ديكي إلى صياغة “النظرية المؤسسية للفن” “institutional theory of art”. مما دفع بدانتو إلى الانفصال عن تفسير ديكي ليحدد أطروحاته الفلسفية حول العمل الفني في The Transfiguration of the Commonplace. A Philosophy of Art. 3 تعتبر النافورة من بين أكثر الأعمال شهرة في القرن العشرين. ومع ذلك، فقد الأصل بعد وقت قصير من تقديمه إلى المعرض الأول لجمعية الفنانين المستقلين في أبريل 1917 ورفضته اللجنة المعلقة. أصبح العمل معروفًا لاحقًا برمز نيويورك دادا في المقام الأول من خلال النسخ المتماثلة، التي أنشأها دوشامب لأول مرة في صورة مصغرة لصندوقه في حقيبة (1935-1941، متحف فيلادلفيا للفنون، 1950-134 -934). ثم في عام 1950، في معرض التحدي والتحدي في معرض سيدني جانيس، أذن لجانيس بشراء هذه المبولة المستعملة في باريس وإضافة التوقيع الأصلي إليها. كانت نسخة من النافورة التي شاهدها Cage وRauschenberg وغيرها الكثير في المعارض خلال الخمسينيات والستينيات.

4 M. Duchamp, Duchamp du signe, op. Cit. p. 192. Cité dans Les nouvelles fables de 1917-2017. Chronologie établie par Michaël la Chance. Annotations d’André Gervais. Les Éditions Intervention. Québec.2017, p. 62 5 HEINICH Nathalie, Le paradigme de l’art contemporain. Structure d’une révolution artistique, Ed. Gallimard 2014. « Le récit : voilà le point commun de ces multiples façons d’étendre l’œuvre au-delà de l’objet. Car sans le récit de la présentation de Fountain au Salon des Indépendants de New York puis dans la revue The Blind Man, et de sa résurgence quarante ans plus tard sous forme de répliques…ce n’est pas seulement qu’il ne resterait rien de ces propositions : c’est qu’il n’auraient pas plus d’intérêt que de simples blagues de potaches fomentées pour faire rigoler les copains ». p. 89-90 6 Les nouvelles fables de 1917-2017. Chronologie établie par Michaël la Chance. Annotations d’André Gervais. Les Éditions Intervention. Québec 2017, p.17

لا تعليقات

اترك رد