حلم الوحدة ,,, حلم الخلافة

 

إنّ الدّعوتين القومية والدّينية إلى الوحدة بين الأقطار العربية والإسلامية دعوتان حديثتان بمقاييس التاريخ. فهما مما ظهر في القرن العشرين. فأمّا الدّعوة إلى الوحدة الإسلامية (الخلافة) فهي ردّ على تمزّق الإمبراطورية العثمانيّة الحادث في عشرينات القرن العشرين. ورغم أنّ الباب العالي قد تخلّى عمليا وفعليا عن معظم الإيالات التي كانت تحت سيطرته وخاصة في شمال إفريقيا فإنّه ظلّ إلى وقت متأخّر يستفيد من الخراج ومن المدد العسكري اللازم لخوض حروب كثيرة خاصة في أوروبا وهي حروب انتهت بهزيمته وتقسيم تركة هذا الرجل المريض.
وبالمحصّلة فالروابط الوحدوية التى تعكّز عليها العثمانيون كانت على درجة كبيرة من الوهن والضعف حتى أنّها لم تكن موجودة إلاّ في سجلات الجباية. وبعد مائة وثلاثين سنة نجح الباي حسين بن علي في تونس مثلا في تكوين فريق من الموظفين القادرين على تحقيق شكل مقنّع من الاستقلالية عن الباب العالي. بل إنّ هذه الامبراطورية العليلة (الخلافة) التي بلغت حضيض الضعف في القرنين التاسع عشر والعشرين ,أصبحت سيطرتها شكلية إلى درجة كانت معها تبسط “نفوذا” على أقاليم (أمصار) هي في الحقيقة تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة(العراق ومصر تحت السيطرة الأنقليزية وتونس والجزائر وسوريا تحت السيطرة الفرنسية وليبيا وقع تسليمها بمحض اتفاق إلى إيطاليا)
ولم تكن الدّعوة القوميّة التي ظهرت مع ما سمّي بالثورة العربية سنة 1916 التي قادها الشريف حسين بأفضل حالا من الدّعوة إلى الوحدة الدّينية. فقد ظلّت دعوة جنينية غير واعية بشروط الدّعوة القومية ومآلتها مكتفية بملء فراغ تركه العثمانيون أو يزمع المستعمرون تركه..لكنّها توضحت بشكل كاف مع بداية ظهور الفكر القومي عند أبي خلدون ساطع الحصري الحلبي المولود في 1879 والمتوفي 1968.
ولئن تطورت هذه الدّعوة على يد عبد النّاصر ثم على يد البعثيين في العرق وسوريا إلاّ أنها لم تثمر غير محاولات مشوّهة لجمع العرب في كيان واحد. ةأقصى ما وصلت إليه هذه الدّعوة هو تأسيس الجمهورية العربية المتحدة التي كانت جمعت مصر وسوريا وهذه لوحدة لم تعمّر أكثر من ثلاث سنوت ونصف(فيفري 1958-سبتمبر1961) ثمّ ظهرت محاولات هزيلة أخرى تزعمها القذافي بالشراكة مع المغرب ومع تونس ولكنها ظلت مجرّد نوايا. وفي المقابل واصلت الجغرافيا العربية تمزيقها نفسها في الصحراء الغربية وفي اليمن دون التركيز على الأراضي العربية المحتلة مثل فلسطين وسبتة ومليلية والأحواز ولواء الاسكندرون في سوريا.
لماذا لم تنجح محاولات الوحدة العربيّة؟ تتعدد الإجابات على هذا السؤال. ولكنّ الجواب الأقرب إلى اللسان هو الذي يكون من قبيل القلب وقد عبّر عن كسل عقليّ مريب: “إنهم (الغرب المستعمر) هم الذين يحاربون هذه الدّعوة لأنها ترعبهم,” ورغم أنهم (هم) غير مبرئين من هذه التهمة فإنّ العربي السّاذج لا يكلف نفسه نفقة البحث عن الأسباب العميقة. وقس على ذلك جواب الغالبية العظمى ممن يبشرون بالوحدة الإسلاميّة.” إنّ المشكل في الغرب الكافر وليس فينا نحن.”
إنّ السبب الذي لا يريد العربي والمسلم التصريح به يتمثل في عدم استعداد العرب والمسلمين للاتحاد تحت راية واحدة وتحت شكل سياسيّ واحد لأنّنا في الجوهر مختلفون. نعم نحن مختلفون في مقدّراتنا وفي مطامحنا وفي برامجنا وفي أهدافنا وغاياتنا. نحن مختلفون في طبائعنا وفي تاريخنا رغم ما يبدو من تماثل نرغم أنفسنا على تصوره.
ولذلك كلّه فلم يبق في هذا الأمر غير رفع الشعار الموقع الذي عتمد عليه كثيرا في تجييش العواطف والنفوس ليبقى الحلم بالوحدة العربية أمرا ممكنا مؤجّلا.
ولئن بدت الدّعوة القومية ضعيفة لا تتجاوز كونها صيحة في بئر, فإنّ الدّعوة إلى الاجتماع الإسلامي تحت مظلة الخلافة تبدو ظاهريّا أنها في أكثر فتراتها إيناعا وأقرب حالتها إلى التحقق. والدعوة المبثوثة اليوم دعوتان: دعوة أردوغانية يتزعمها الإخوان المسلمون وحتى حزب التحرير ودعوة سلفية جهادية يتزعمها أتباع ابن لادن والبغدادي ومن بينهما من عظماء القاعدة وزعماء الدولة الإسلامية.
إنّ هذه الدّعوة إلى الخلافة يمتزج فيه الديني التعبدي (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية)بالبراغماتي (الإيمان الراسخ بأنّ ينابيع الخير ستدفق ساعة تحقق اتحاد الأمة الإسلامية تحت قيادة أمير يخاف الله ويحسن سوسها للوصول بها إلى ضفاف التقدّم) ونفسي (في المقارنة بين المسلمين وضعفهم والغرب المسيحي وقوّته) غير أنّها دعوة عاطفية هي الأخرى تقوم في أسسها على تجييش النّاس وإقناعهم بوسائل بدائيّة بأنّ اجتماع المسلمين تحت راية واحدة كفيل بأن يجعلهم ينتصرون في معركتهم ضدّ “الكفار”. إنّ الآخرة حاضرة بشكل يفوق حضور الدّنيا في هذه الدّعوة ..
على أنّه يجدر التذكير بأنّ المسلمين لم يجتمعوا تحت راية واحدة إلاّ في العهد الأموي . أمّا في ما كان بعد ذلك فكانت الدولة العباسية مسيطرة على المجال العربي والإسلام ولكن لا نفوذ لها في الأندلس. وحتى حينما كان نفوذها في المغرب الإسلامي قويّا وفاعلا كانت الدولة الأغلبية في القيروان قد ألجأت الرشيد إلى قبول استقلالها الفعلي وتبعيتها الشكلية فقط لبغداد. وكذلك الشّأن مع الأدارسة في المغرب فقد كانوا خصما للعبّاسيين وأسسوا كيانا سياسيا ودولة خارج المظلة الرسمية للدولة التي تدعي أنها هي مصدر الشرعية.وبالتدريج بدأت الدولة العباسية بالتفتت ونشأت دويلات (البويهية والسلجوقية والفاطمية و….)..
لا ريب أنّ هذه الدّعوة إلى الوحدة الإسلامية تروم تكرار تجارب إمبراطورية سابقة لم يكن الدين وحده فاعلا فيه ولم يكن الورع في ذاته سببا في نصرة المسلمين بل كان ثمّ ظروف موضوعية أخرى جعلت من هذه الدعوة وهذه الأمة قادرة على تأسيس إمبراطورية(خلافة) في إطار ثنائية القوة والضعف وفي إطار تبدل التحالفات وفي إطار حسن استغلال الفرص التي تتاح للأمم
وتضييعها.
إنّ هذه الدعوة الدّينيّة التي تبدو الحلّ السّحريّ لما نحن فيه من ضعف وتأخّر وتدهور اقتصادي وعلميّ رغم أنّها تدّعي أيضا أنّها اختيار ربّاني كله خير وعدل. وتعتمد في التّرغيب باتّباعها على نصوص دينية لعل الحديث “ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة” أبرز هذه النصوص. ولكنّها في الحقيقة ليست إلاّ نسخة وفية للأصل الذي هو الغزو والإكراه بالغصب. فهي تبدو ,في ظاهرها, اتفاق جماعيّ على تجميع البلدان المتفرّقة في كيان واحد قويّ. ولكنها في الحقيقة تقوم على نفي الاختيار وتضطر الأقوام على قبول استبداد المؤمن الغالب بأمر المؤمن المغلوب.
إنها محاولة للاستبداد وليست غايتها جمع المفرّق بقدر ما كانت غايتها الاستفادة من هذا المفرّق وتوظيفه لصالح القوة الدينية الغازية. ولذلك لم يجد الدّعاة إليها اليوم غير مشاغلة العاطفة الدّينية واللعب على الأحلام المؤجّلة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدّعوة القومية فقد اعتمدت على الحماس المفرط وعلى تجييش العواطف وكسب القلوب بينما كان يفضل أن يبحث العرب والمسلمون عن أشكال جديدة من “الوحدة” تقوم في جوهرها على التكامل الاقتصادي والتضامن الأمني والعسكري والعمل على التحرر بالتدريج من سلطان القوى الأجنبية.
إنّ واقع العرب والمسلمين في مرارة الحنظل, وتبدو الحلول شبيهة بسراب بقيعة. ونحن لا نقوى على معالجته إلاّ بالشعارات وبأحلام اليقظة.
لنبدأ قبل الانشغال بالخلافة وببالوحدة بين دولة عربية من المحيط إلى الخليج بالدّعوة إلى التضامن العربي . ولنقتنع أنّ الفضائل التي تُفرض بالقوّة تصبح رذائل. فلا ديمقراطية تفرض بالسلاح ولا وحدة تفرض بالذّبح حينا وبالكذب والدّجل أحيانا ولا وحدة قومية تقوم على الأوهام. فكل هذه الفضائل ستذوي حالما ينتهي الخطاب.

لا تعليقات

اترك رد