نوال الحلبي و إستعادة التأويلات لنصها المفتوح

 

تنطلق نوال الحلبي بمفخخاتها اللونية من ذاكرتها و ما تختزنه ، و من تعقيب أروقة الحال التي تنفتح على بعضها بعضاً ، و ترتبط على نحو ما بزمن الإشتعال و التفكير بطريقته و بما يتباه من أشكال تشتغل عليها الحلبي ضمن إستراتجية النهوض بها ، فجدارة الخصوصية هنا تفرض مساراتها و ما تدعو فيه من تحديد إشكاليات ذي أبعاد مختلفة ، فإنطلاقاً من دعوتها إلى دهض و إجهاض المقولة الجاهزة ، أقصد العمل الجاهز بمفردات جاهزة ، فهي تحاكي فضاءاتها من ثنايا طبقاتها ، و من تمازج مستويات التعبير بين تموجاتها و في تحولاتها التي تستحضره بصخب عليه يتراكم الزمن و ما تردده من تساؤلات هنا أو هناك .

أقول مفخخاتها لأن بؤر الإنفجار عندها تكاد تتواجد في كل بقعها اللونية التي تستدعي بها تجريبتها بوصفها تحولات عميقة بقيم معرفية عالية ، و بشروط إرتقاء دقيقة لا تغفل الدوافع الأساسية لطروحاتها و مفاهيمها فيها ، فهي و في كل تنظيراتها تعزز التجذر و تشتغل عليه ، و تتخذ من ذلك أشكالاً مجدية لرحلتها الفنية للحاق بركب إبداعي قائم على الوعي و جمالياته ، و تعيد صياغة الأسئلة و ما تحيط بها من مسائل غير تقليدية الطرح بالشكل الذي تشاء و ببناء مؤثر تفتح نوافذه على الإنسان و الحياة مهما كان الوجه الإبداعي متبايناً ، و مهما كانت الحكاية موجعة و مؤلمة ، فهي أقصد الحلبي قادرة أن تكشفها و بعناصرها في مستوياتها المتعددة ، فلم تتوقف في تحرير نفسها و منجزها الجمالي و بالتالي متلقيها من سطوة الجمود و تجلياتها المتباينة ، و من قمع الزمن و مواجهاته الكثيرة ، و من جهة أخرى فهي في صحوة دائمة متطلعة إلى أفق جديد .

نوال الحلبي لا تترك الريشة لمهبها ، بل تمارس نفوذاً فاعلاً عليها ، و بالتالي على منجزها الجمالي عامة ، هذا النفوذ الذي قد يحيي الإدراك بالإشكالات المختلفة ، و قد يُحْيي غزارة الإحتمالات في النطاق غير المحدود لمحاورها المتاحة ، لكن قد تقلص الدوافع ، و قد تسيطر به على مشروعها ، و لكن قد تقربه من التأطير الذي يقتل روح العمل الذي يرفض بدوره الموجودات الحسية / الجسد و مشتقاته /إن لم تكن جزءاً متماهياً به أقصد بالروح ، و إن لم يكن كافياً لهذه المقولات/ التقسيمات ، فهي أي الحلبي تستخدم لغة متوارثة و إن كانت تشطب الكثير من مفرداتها ، بارزة إياها كشكل من أشكال ممارسة الكولاج اللغوي و كنوع من التحدي لشق طريق خاص بها و بلغتها ، و لا تتوسل أدواتها التعبيرية و التقنية ، و إن كانت تستدعي التباين فيها مع قدر من الجهد لتكريسها ، و كمفهوم كامن في فلسفتها القائمة على فك كل العقد التي قد تظهر في العمل و تركها للمتلقي يصوغها هو كطرف منفعل و منفعل ( بكسر العين مرة و فتحها مرة أخرى ) و كأنه الجزء الأهم في العمل دونه لا تكتمل اللوحة بل تبقى ناقصة ، و هذه إستراتيجية تشتغل عليها الحلبي بطريقة فيها تهدف العودة إلى خلق حليف مهم للوحة ، بل أقرب حليف ، و هذا يجعلها تطمح إلى تأسيس فكرة الحضور و الذي يمثله هنا المتلقي ، كشكل متمم للوحة ، لا كعابث بالحواف ، بل كفاعل درامي لها ، و هذا يقتل مقولة هامشية حول دور المتلقي في صنع العمل ، و إلى حد بعيد تلعب الحلبي بهذا الأسلوب ، بل تجعله تحت السيطرة ، و هذا أملها في إستعادة الإحتمالات القريبة منها و البعيدة إلى صلب النص ، أملها في إستعادة التأويلات لنصها بالشكل المفتوح على المجال كله ، و بكل رغبتها المألوفة منها و الخافية ، و هذا قد يكون السر الغامض الذي تتمنى الحلبي أن تمسك به ، و توثقه بطاقاتها المغلفة بكل نقاط الإنطلاق ، فقد وجدت الحلبي أن لا سكون في فضاءاتها ، فكل شيء في حركة متواصلة للدلالة على ديمومة الحياة و الإبداع و الحب ، و ذلك بتعبيريتها المستوحاة من مؤثرات و تراكمات تراوغ حضورها في نظام بنائي محكم.

نوال الحلبي و في السياق العام تتخذ من الدال مسنداً لها به تواجه كل الطرق المسدودة ، فمنذ مرحلة الإفصاح و الوضوح و هي تفكر بالقبض على المفتاح الذي سيدخلها عالماً كاملاً بمعاييره و نبضه ، عالماً لها دورها في إكتشاف النشاط التأويلي فيه ، و شد الإنتباه إلى ما يضفي فيه من معارف إبداعية ، ليس آخرها سحب البساط من تحت حدودها و جعل خيوطها تتبع نهجها دون الدخول إلى متاهات الإبهام ، بل الإيهام بأن ألوانها حاضرة بذاتها أولاً ، و بإحالاتها الإفتراضية ثانياً ، فهي تبحث عن الحقائق في الأشياء و مشغولة جداً بذلك ، و تحاول الوصول إلى ذلك بإحالاتها الكثيرة و المتواصلة ، فهي تسعى إلى الإختيار و التدقيق بداية ، و من ثم تتخذ من اللامنطق منطقاً لها و لمكوناتها المركزية التي تقصده في مسيرتها غير المألوفة حضوراً للاوعيها ، و تشرع بعدها في إداء تمثلات تصويرية تسمو في فضاءاتها ، و تترجم أبجديتها إلى أصوات لامتناهية بإيقاعاتها المتداخلة المؤثرة و المؤثرة( بفتح الثاء ثم كسرها ) كأشكال منفتحة على التحليل غير المضلل ، بحيث تساهم صراحة و ضمناً في مشاطرة المساحات الضيقة منها و الواسعة في مزاعمها التي ستثار عند تحديد عملياتها الأولية ، و تبعاً لذلك ينبغي على الحلبي و في لحظاتها وجودها الفني أن تجلب الدخول بكل هاماته ، الدخول بعلاقاته الروحيةمع / من (اللغة، الصوت ،الطريقة ،…إلخ) كي تكتمل السيرورة التي تحلم في إيجادها ، و لذلك مدلول ناهض و دال غامض إلى حد ما و إن كان يتضح ملامحه من قلب الأعماق الداخلية لوحداتها اللغوية ، الوحدات التي ستستوعب فيما بعد نظرتها الموسعة في اللاوجود و الوجود معاً حين تبدأ كل أقطابها بالتلقيح ثم تبدأ مرحلة الولادة و الإنجاز ، فالحق أن تجعل العلاقات غير الممكنة ممكنة و غير معزولة و لا يمكن فصلها بمسمياتها الكثيرة و في مستوياتها المختلفة .

لا تعليقات

اترك رد