كي لا يذهب الفضل في الناس

 

تعاني البلاد التي تتعرض للحروب والأزمات من ألوان شتى من العذاب والقهر والضيق ، ويظهر معدن الناس على حقيقته في هذه الفترات من الزمن . وتبدأ الحكومات المتعاقبة المتهالكة في فرض الضرائب والبحث عن مطارح ضريبية جديدة واختراع ألوان شتى من أساليب اقتناص المال من المواطنين تارة على شكل إتاوة وطورا على شكل مستحقات وتتفنن الحكومات في تلوين الضرائب كي لا تثقل على المواطن كاهله فالضريبة غير المباشرة تختلف عن الضريبة المباشرة والمستقفات غير البدلات والرسوم غير الأعباء وضريبة الكهرباء غير ضريبة الهاتف وضريبة المياه غير ضريبة الهوائي والجوال غير الثابت وهكذا إلى أن يثقل كاهل المواطن بضرائب تحت مسميات شتى . إن زيادة الأعباء المالية على السكان أثناء الأزمات والحروب يزيد منسوب المادية لديهم ويحولهم من الحالة الروحانية إلى الحالة الأخرى . إن ميل الكفة للمادية على الروحانية يخل بالتوازن الاجتماعي والفكري ويزيح القيم نحو الوراء وإذا انزاحت القيم نحو الوراء تخلخل البنيان الاجتماعي وقل قيمة الفضل والمعروف والإحسان بين الناس.
يحكى أن الفاروق عمر كان جالسا في مجلسه وحوله بعض الصحابة وإذا بشابين قويين يحضران شابا وسيما إلى مجلس الخليفة ، ولم يبدُ على هذا الشاب أي اضطراب أو خوف. وقص الشابان للخليفة حكاية هذا الشاب فهو قاتل والدهما. فقد ذهب الأب إلى حديقته ليقطف بعض ثمارها غير أن هذا الشاب قاتله وقتله.
استمع الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشاب وهو يتحدث عن حقيقة ما حدث برباطة جأش دون أن يعتريه الخوف وروى حكاية تقول إن أعرابي يعيش في البادية وأنه كان يسير خلف بعض نياقه . وأسرعت النياق نحو الحديقة ، حيث كانت تتدلى بعض غصونها خارج الأسوار، فمدت رؤوسها لتأكل بعض أوراق أشجار الحديقة ، وإذا بشيخ يزمجر اقتحم السور وفي يده حجر كبير، فضرب فحل الإبل بهذا الحجر حتى قتله . فما كان من هذا الشاب إلا أن تقدم وأخذ من الرجل نفس الحجر وضربه به حتى قتله هو الآخر.
ومن هنا كانت الجريمة حقيقة اعترف بها القاتل وإن كان المبرر أنه انتقاما من الرجل الذي لم يرع حق (الفحل) وقتله لسبب تافه وهو امتداد فمه على بعض أوراق من أشجار حديقته.
قال الخليفة : قد اعترفت بما اقترفت ، وتعذٌّر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين مناص .أجاب الشاب: سمعا لما حكم به الخليفة ، ورضيت بما اقتصته شريعة الإسلام ، لكن لي أخا صغيرا كان له أب كبير خصه قبل وفاته بمال جزيل، وذهب جليل، وأحضره بين يديٌ، وأسلم أمره إليّ، وأشهد الله عليّ.

ثم تابع قائلا: هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدمنا (دار قديمة) ووضعته فيه، ولا يعلم به أحد إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافيا بالزمام، ولي من يضمنني علي هذا الكلام.
أطرق الخليفة عمر ثم نظر إلى من حضر وقال: من يقوم على ضمانه والعودة إلى مكانه؟
نظر الشاب حوله فوقعت عيناه على أبي ذر الغفاري ، وأشار إليه بأنه هو الذي سيضمنه . وافق أبو ذر على الرغم من أنه لا يعرف الفتى وقبل الشابان مادام أبو ذر قد وافق على أن يضمنه حتى يرد الحق لأخيه ويعود لينفّذ فيه القصاص. وتمضي الأيام الثلاثة.
وينتظر الجميع عودة الشاب في نهاية اليوم الثالث ولا أحد يعرف الفتى وإلى أي القبائل ينتمي فالخليفة مضطرّ أن ينفّذ القصاص . أشفق الجميع على أبي زر وطلبوا من الشابين أن يأخذا دية القتيل لكنهما رفضا .
وبينما أخذ الصحابة يتداولون الرأي لحل القضية وإذ بشبح الشاب يأتي من بعيد، ثم تقدم حتى وصل إلي مجلس أمير المؤمنين، ليوقع قصاص الشريعة.
وقف الشاب أمام الخليفة رابط الجأش مطمئن البال بعد أن أدى لأخيه حقه حسب وصية والده، ولم يعد يشغله شاغل سوى أن يقع عليه القصاص.
وعندما سُئل الشاب عن السبب الذي جعله يرجع مع أنه كان في إمكانه الفرار والهروب من الموت. كان رد الشاب أنه يخشى أن يقال أن الوفاء قد ذهب من الناس.

قال أبوذر الغفاري : لقد ضمنت هذا الغلام ولم أعرفه من أي قوم ولا رأيته قبل ذلك اليوم ولكنه نظر إليّ دون من حضر فقصدني وقال: هذا يضمنني.

فلم استحسن رده خائبا ورأيت المروءة أن تجيب قصده إذ ليس في إجابة القاصد من بأس كيلا يقال: ذهب الفضل من الناس.

وأمام هذا الموقف النبيل لم يجد الشابان مناصا من التنازل عن دم هذا الفتى الذي كان في إمكانه أن يهرب من العدالة ولكنه آثر الوفاء بوعده.. كما خجلا من موقفهما من أبي ذر الذي ضمن الغلام دون سابق معرفة لا لشيء حتى لا يقال أنه ذهب الفضل من الناس.

فهل يذهب الفضل والمعروف في الناس بسبب أزمات الشرق الأوسط المتواصلة ؟

لا تعليقات

اترك رد