صياغة المطالب الشعبية بين السذاجة والموضوعية ؟

 

عندما خرج الجمهور في تظاهراته كان ذلك لأمور مطلبية خدمية ظلت تتراكم بخلفية هوية النظام ونهجه المافيوي حتى تحولت تلك الأمور إلى مشكلات عصية كأداء، وباتت تفاعلات النظام لا تعدو عن وعود وهمية مفضوحة الدلالة..

فخرج الشعب في انتفاضة أكتوبر2019، التي سرعان ما تحولت إلى ثورة شعبية استطاعت أن تجد طريقها إلى تنظيم نفسها في تنسيقيات محلية بكل محافظة وأخرى تنسيقية عامة لجوانب بعينها وإن ظلت محدودة..

الأمر الملحوظ الذي نما وتطور هو صياغة المطالب التي لم تعد إشكالية خدمية حصراً.. واختزنت قوى الثورة هنا خبرات كافية للتحول بصياغة مطالبها لتكون مطلب تغيير جوهري كلي بدل تلك التي تتعلق بالكهرباء والماء والنقل والاتصالات وبالصحة والتعليم وبمختلف شؤون اليوم العادي…

ومعروف كيف نفرق بين المطلبي والاستراتيجي المنصب على قضايا النظام وهوية السلطة السياسية والبرنامج الاقتصادي الاجتماعي.. لكن المشكلة تكمن مرة في التردد بين التفاصيل المطلبية الخدمية وبين الاستراتيجي القائم على قضية النظام نهجا وهوية ومرات في طابع المناورة وما يجر الحركات الشعبية نحو الاتجاه الأعلى صوتاً…

ولطالما استغل النظام أضاليله في اللعب والمناورة والالتفاف ثم التراجع عما فرضه الشعب بتضحياته. فوجدناه يستغل القدسية الدينية طبعا الزائفة بادعاءاتها ومزاعمها ومرات تشغيل المال السياسي الفاسد ولغة المافيا وألاعيبها وأخيرا وليس آخرا توظيف العنف المسلح لبلطجة الميليشيات وجرائم بكل مستوياتها من جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وحتى جرائم إبادة جماعية!

ولظروف الحركة التنويرية الوطنية الديموقراطية بالتحديد في مشكلة تفرقها وتمزقها وضعف تنظيماتها بحال التشتت وعدم وجود قيادة موحدة فإنها وقعت مرات عديدة في فخاخ مناورة السلطة فتراجعت أمامها وخسرت مرات عديدة جولات الصراع الأولى في ظرف الـ17 سنة عجافا الماضية على الرغم من بعض مكاسب انتزعتها في الصراعات السياسية الاقتصادية السابقة…

يهمني بهذه المعالجة التركيز على موضوعة (صياغة) الخطاب السياسي وبرامجه للحركة التنويرية. وهنا ما يؤسف له أنه حتى باتفاق الغاية في إطار هذي الحركة وحتى اتفاق المنهج فإنها لم تنتج قيادة موحدة لجملة عوامل وعندما استطاعت الحركة الشعبية أن ترتقي بضغوطها فرضت توجها تتحدث به تلك القوى التي اقتربت بوجود أكثر من مشروع مبادرة بقصد إعلان الوحدة (ببرنامج) مشترك لكن سرعان ما انفرط العقد لأسباب موضوعية وذاتية مختلفة…!

لقد تكررت حالة اهتزاز الاستقرار على برنامج بعينه سواء ما صيغ فعليا أم ذاك الذي انحرفت عن تطبيقه قيادة أو أخرى بخاصة في ضوء تبرير يقوم على كون العمل الجمعي المؤسسي لم ينضج بعد وأن الاجتهادات الفردية ظلت عقبة كأداء أودت أحيانا حتى بالخيار الصائب وبرنامجه…

في ظل تمزق الحركة التنويرية وعدم وجود قيادة موحدة وفي ظل عدم الاستقرار على برنامج بعينه حتى للتنظيم أو الحزب الواحد وتعدد التعامل مع عبارات الصياغة كان للشعب أن يقع بتلك التفاعلات غير الموضوعية…

إن ثورة تستهدف خيار ((الديموقراطية)) لا مجال لها في الانتصار والتقدم ما لم تختمر (وحدة) الإرادة وتنصب في (برنامج) عمل يمتلك رؤية استراتيجية (دقيقة واضحة).

إن تمسك أي طرف بوضوح هدفه ووضوح برامجه ونهجه يظل معزوفة شكلية تتفرغ من معانيها عندما نتذكر قلق الممارسة وتنقلها بين مواقع تتناقض أحيانا لمجرد تبريرات أحد المجتهدين!

فيما نحن ندرك أن الشعب قد وصل إلى قناعة أن كل الترقيعات لم تعد منصفة وأن التغيير النوعي الكلي الأشمل قد بات ضرورة وحتمية لا مناص ولا محيد عنها، فما عدا مما بدا ليخرج علينا المجتهدون بفرط عقد التحالف التنويري الديموقراطي باجتهاد تكميلي جديد وتوجههم بالنداء لمنح فرصة!؟

لمن تُمنح الفرصة؟ ولماذا؟ ما الذي تغير واستجد لكي يتراجع الشعب وثورته عن موقف التغيير النوعي الكلي؟؟؟

لقد صاغ الشعبُ هدفه بتغيير النظام وكل من يتحدث عن إعطاء فرصة يتراجع عن هذا الهدف الاستراتيجي وهو لا يمتلك فرصة مناورة بقدر ما يتنازل عما وصل إليه من مراحل متقدمة دفعت النظام وأركانه للتراجع، لكن إطلاق شعار مجاني بالتضامن والتأييد والدعم!! يدعو بصراحة ووضوح غلى تسليم رقبة الشعب لشخصية كي تتبنى ما يُنشده الشعب وتنفذه نيابة عنه، بوقت أركان الفساد والجرائم الفاشية مازالوا سدنة السلطة الفعليين! فكيف تستقيم تلك النداءات؟؟

إن الصياغة الوحيدة التي تقتضيها المرحلة بعد أن تم استبدال الحكومة وفرض شروط أحزاب الطائفية الإسلاموية وظلامياتها هي التمترس خلف شعار الثورة المتجسد في ((التغيير)) لا في التراجع.

إذ من يستطيع القول إن الكابينة الجديدة ورئيسها قد غيرت النهج وباتت تخضع للتنوير والتقدم ولإرادة الشعب بالمحصلة!؟

إن الصياغة المؤملة للبرنامج ومطالب الشعب تبقى هي هي لأنها حتى لو كانت الحكومة الجديدة تمتلك إرادة خفية بمجيئها تتفق والشعب ومصالحه فإنها بحاجة للضغط الشعبي على النظام وأركانه وعلى فلسفته ونهجه كي يكسب الشعب ما ينتزعه بدماء تضحيات أبنائه الجسام ويتقدم لا أن يفرط بتلك التضحيات…

إن آلية اشتغال الثورة الشعبية تكمن في إدامة اعتصاماتها وتعزيز تنسيقياتها المحلية والوطنية وإعلان قيادة تنويرية وطنية موحدة بلا انتظار وأي تلكؤ في هذا الفعل واتجاهه هو خدمة مجانية لعدو الشعب.. إذ لا تبرير لذاك التلكؤ ولا تبرير لإعلانات باهتة عن إيمان بالوحدة الوطنية من دون تلبيتها فعليا، والسؤال: من يؤخر إتمام تلك الوحدة وإعلان برنامجها؟؟؟

أما برنامج الثورة فعلى رأسه وقف الاعتداءات العنفية الهمجية المسلحة على الثوار وحمايتهم وتوفير أفضل شروط عملهم الديموقراطي الحر المستقل لاستكمال المهام الوطنية البنيوية واي تعرض لهم يعني تراجع السلطة عن وعودها ومزيد افتضاح وإدانة لها..

محاسبة المجرمين من القتلة ومنع إفلاتهم من العقاب حيث يتطلب فرض اعتقالهم و\أو منعهم من السفر ووضعهم تحت الإقامة الجبرية لحين إنمام الإجراءات المعنية…

ومقابل ذلك إطلاق سراح كلي فوري للمعتقلين، المحتجزين، المختطفين، المغيبين قسرا والمخفيين وبلا إجراءات لأنه تم اعتقالهم أو اختطافهم بلا إجراءات قضائية قانونية وهم سلميون مارسوا حقوقهم القانونية فوقعوا تحت مصائب المجرمين ليس لأي سبب آخر غير ممارسة حقوقهم ومطالبتهم بها …

إذن، نحن بحاجة لتثبيت المطالب المباشرة العاجلة الفورية وتلك القائمة على إعداد مرحلة انتقالية لا تتجاوز العام سواء بمستوياتها التشريعية أم التنفيذية والإشكاليتين ظهرتا بمطالب وصياغات محددة من الثوار…

أي تلاعب بالصياغة كما أوردنا وأشرنا سيكون تراجعا وتنازلا وإيقاعا بسذاجة القرار السياسي وتفريغ الصياغة من موضوعيتها القائمة على قرار لا رجعة عنه حتى استكمال تنفيذه..

إن أي قرار بالمساومة مع الحكومة غير المكتملة ورئيسها الذي أطلق وعودا بلا تنفيذ وحتى ما نفذه حتى الآن لا يجد ثباتا واستقرارا وهو يقبل باحتمال الالتفاف عليه كما حدث وتلك المكاسب التي فقدتها الانتفاضات السابقة، بخلفية منح المهل والفرص لحكومات سابقة…

يلزمنا أن نستند إلى خبراء في القانون وفي الاستراتيج السياسي وفي ممارسة التكتيكات المناسبة قبل أن نكتب بياناتنا بصيغ رد الفعل على كل واقعة إذ تنحدر بعض الصياغات لتعلن تراجعا عن الاستراتيجي وتؤكد التخلي عن الجوهري بسذاجة لا صلة لها بعلوم السياسة ونظرياتها..

فكيف يتجه الشعب إلى تغيير كلي في النظام وهويته ونهجه ونتراجع لنمنح أركان النظام فرصة عسى ينصلحوا اليوم!!!!؟

هذه ليست سياسة ولا قرارات تدرك المخفي من الأباطيل بل ترهات تصاغ بأنفاس المافيويين يرقصون على جثث مازالت دماؤها تنزف ساخنة..

اكتبوا ما تشاؤون وبالصياغات التي ترون لكن لستم من الشعب الذي يبقى متمسكا بثورته لا يتكل على طالب فرصة بل ينتزع منه المطالب ويتقدم حتى تحقيق التغيير ويوم سيكون على الشعب الثائر أن يتخذ قرار مشاركة بانتخابات فلن يكون ذلك إلا على وفق شروطه كليا ولا مجال لترك نوافذ التسلسل أو قبول حصان طروادة بل جياد طروادة بالجمع يعيد النظام إنتاج نفسه عبرها مطالبا بشموله بالديموقراطية! كما ورد في بيان إحدى الميليشيات التي تمسكنت تطلب حماية (الدولة) بعد أن نهبت وقتلت وعاثت في البلاد فسادا!!

إن صياغة برنامج الثورة وخطاها والتمسك باستراتيجياته وتكيتيكاته أمر يمتلك أعلى الأولويات وإلا ضعنا بمنطقة السذاجة وألغينا موضوعية الاشتغال بحين لا تحيا قوة تنويرية ولا مصالح الشعب من دون تلك الصياغة تعبيرا عن تمسكها بالعقل العلمي لتحقيق دقة الاشتغال والمخرجات لا التراجع عما أُنجِز وخسارته…

فهلا تنبهنا وتفكرنا وتدبرنا؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد