الحب في زمن كورونا

 

لقد أوجز الشاعر سعيد عقل الحب في زمن كورونا قبل سنوات طويلة حين قال :
هِـم بشعري الليلكي
هِـم لا تقرب يدا
هِـمْ بالنظر
ثم طرب للكلمات عاصي الرحباني وصدحت بها فيروز الصباح والمساء .
وقد تطرق العديد من المفكرين والأدباء شعرا ونثرا للعلاقات الشخصية في زمن الأوبئة فمنهم من ضخم الأمر ومنهم من اعتبره أمرا عاديا لأن الحال واحد للعائلة الواحدة في بيت الحجر الصحي .
كيف نحافظ على علاقاتنا سليمة معافاة في عصر الفيروس التاجي؟
في رواية ” الحب في زمن الكوليرا ”  يستعيد فلورنتينو أريزا حب حياته بعد انتظار لترمل الحبيبة دام 51 عامًا.  ثم يجتمعا في رباط مقدس ، يذهب الزوجان في رحلة بالقارب وحتى يمنع أريزا الآخرين من القدوم  رفع العلم الأصفر في إشارة تحذيرية إلى أن وباء الكوليرا منتشر في المنطقة . ونتيجة ذلك ، تُمنع السفينة من الدخول إلى مدينتهم ، وعندما يُسأل أريزا عن المدة التي يمكنهم فيها الاستمرار في التنقل بين الموانئ البحرية يجيب بروح بطولية قائلا: ” إلى الأبد” .
أما بالنسبة لأولئك الذين يقعون في الحب في عصر كورونا فإنهم سيحجرون مع أحبتهم وفق الروائي ستيفن كينغ وهذا شيء يسعدهم وسوف يحتسون الخمر بين الحين والآخر مع الأحبة لتمضية الوقت وينطبق ذات الحال على المنفصلين أيضا فهم يحتسون الخمر لتمضية الوقت ، ولا فرق بين الحالتين .
في عصر كورونا نحن مضطرون للتقارب المفرط والتباعد لمسافة لمنع أنفسنا والآخرين من التعرض لفيروس الوباء التاجي المستجد، كما يجب اتخاذ التدابير الاحترازية الضرورية لحماية أنفسنا والآخرين من الخطر .
في الواقع المعاش ، يعتبر انهيار العلاقات نوعا من الكوارث يشبه الأوبئة إلى حد بعيد لأن الإنسان يكافح زمنا طويلا لبناء علاقة مع الحبيب وإدارة هذه العلاقة بطريقة تفاعلية خلاقة تقوم على التبادل والحب وتأمين الأدوات والظروف التي تمكنه من الاستمرار في العلاقة إلى الأبد في هندسة معقدة قد لا نحتاج إلى استخدامها أبدا . ولا يخضع معظم الناس لدروس معمقة في مهارات التواصل الفعال ورغم ذلك ينجحون إلى حد ما في إدارة تفاصيل حياتهم . نحن نتعلم في العادة النمذجة في المدارس والمعاهد والكليات ولكن هذه النماذج لا تستخدم بشكل مثالي في الحياة .
والمشكلة الناشئة الآن هي أن معظم الناس غير مؤهلين أو مستعدين لإدارة الضغوط الناجمة عن الأوبئة والكوارث خاصة وأن منطقة الشرق الأوسط تتعرض منذ عام 2010 لأسوأ كوارث إنسانية أتعبت البشر والحجر وأفقرت الكثيرين في فلسطين وسورية ولبنان والعراق وتركيا ومصر وليبيا وتونس واليمن وجذّرت لديهم القلق العاطفي وعدم الاستقرار النفسي ويعيش الناس في الشرق الأوسط بحالة تشبه انتظار نهاية العالم إذ أن الحروب التي جرت في المنطقة أفقدت الإنسان أليات التأقلم.
إن تحول القلق والإحباط إلى حالة مزمنة يجعل الميل نحو الانحراف وارتكاب المخالفات شيء عادي ويصبح الموت عاديا والانفصال عاديا وارتكاب الموبقات عاديا . ويصبح صعبا على الإنسان أن يستخرج ابتسامة من وجه الآخر و يصير التعبير عن المشاعر من الاستثناء . ويصبح من الصعب أن يذهب المرء إلى صالة رياضية ليفجر بالتمارين غضبه في عصر لا يرحم، كما لا يمكن أن يجلس المرء في مكتبه هادئ البال وأطفاله وزوجته ينقون ويطالبونه بالمزيد، ولا يمكن أن يخرج الإنسان لتناول العشاء مع صديقه أو صديقته بعد شجار في المنزل أو المكتب أو السوق أو الطريق.
يسبب الاجهاد تضخم الخلافات بين الأشخاص وضمن العائلة الواحدة كما يحول المشكلات لتصبح كارثة حقيقية . في زمن الأوبئة وخاصة كورونا اكتشف الكثير من الأزواج والزوجات أن حياتهما مع بعض مستحيلة وأنهما يبذلان الغالي والرخيص للبقاء مع بعضهما في ظروف الحياة العادية .
هناك أخبار جيدة وسط هذا الزحام من الأخبار البائسة والقاتمة . يمكن للمرء أن يتخذ تدابير هامة لتقليل خطر الإصابة بالفيروس التاجي وتعرضنا لخطر الموت وفي نفس السياق يمكن للمرء أيضا أن يتخذ تدابير هامة من شأنها المحافظة على علاقاتنا سليمة معافاة . هناك مبادئ وأدوات محددة يمكن تطبيقها لتعزيز ” نظام المناعة في العلاقات ” الخاص بنا بحيث تصبح علاقاتنا أكثر مرونة وأكثر قدرة على الصمود أمام الاجهاد والاهتزازات الردّية .
وتنطبق هذه المبادئ والأدوات نفسها على جميع أنواع العلاقات بدءا من اللقاءات القصيرة مع الغرباء وصولا إلى شركاء الحياة، ومن العلاقات الشخصية إلى العلاقات الجماعية . وتساعدنا هذه الأدوات على إدارة الخلافات العاطفية ومنع الاختلافات مع الأصدقاء أو الصراعات مع الرؤساء ويمكن استخدامها لتحسين العلاقات مع الذات أيضا .
العلاقات المرنة هي تلك التي تشعر فيها جميع الأطراف بالأمان والتعزيز والتواصل . عندما نشعر بالتوتر والقلق نسأل أنفسنا السؤال المعتاد : ” ما الذي أحتاجه لكي أشعر بمزيد من الأمان ؟ ” أو “ما الذي أحتاجه لأشعر بالتواصل الاجتماعي أكثر ؟” يمكن البدء بسؤال الأخر عما يحتاجه في هذه المجالات، وتساعد الأجوبة في معرفة ما تحتاجه أنت لزيادة المرونة في العلاقات .
يحتم القلق علينا زيادة الشعور بالأمان في علاقاتنا من الناحيتين الجسدية والروحية فنحن بحاجة لتعزيز ثقتنا بأنفسنا ووطنا من خلال تتبع انتشار فيروس كورونا وحالات الإصابة والشفاء ومتوسط الإصابة قياسا بعدد السكان . يجب عدم مقارنة عدد الإصابات والموت والشفاء في البلدان الأخرى مع بلدان الشرق الأوسط لأن العادات مختلفة والطبيعة مختلفة .
يمكن بناء المرونة في العلاقات من خلال الالتزام بما نستطيع القيام به والامتناع عما لا نستطيع القيام به ، ويمكننا الالتزام بما يمكن تنفيذه طالما أنه لا يتسبب في انتهاك السلامة أو الشعور بالأمان وبما يمكّننا من تعزيز الشعور بالأمان لدى الأخر . يجب تبادل الآراء والأفكار حول إجراءات السلامة العامة وطرق إزالة التلوث وكيفية التعامل مع الملوثات بحيث تصبح ممارسة العادات الاحترازية عادات يومية وجزءا لا يتجزأ من حياتنا .
هناك العديد من الأدوات للمساعدة في بناء المرونة . وتنعكس هذه الأدوات في ممارسة النزاهة في الحياة على المستوى الشخصي والمجتمعي . تتجلى ممارسة النزاهة في أجمل صورها عندما نتعامل مع الأخرين بعناية وعدالة وإنصاف. النزاهة هي نجم الشمال الذي يرشدنا للحياة السعيدة المرنة . النزاهة ضمانة لأنفسنا وللأخرين وتحصين للعلاقات بين الناس وتؤدي إلى تعزيز أكبر لمهارات التواصل الفعال .
حاليا ، نعاني جميعا من ضغط غير مسبوق بسبب الحرب الطويلة في الشرق الأوسط وبسبب ثقافة الشك وانتشار وباء كورونا في العالم والضعف المادي على المستوى العام للأفراد والأسر ، و نجد صعوبة بالغة في مرونة العلاقات ويجب أن لا نتوقع ما هو أفضل من ذلك في المدى المنظور . وعندما يصاب الإنسان بنزلة برد عادية تصاب العائلة المحيطة به بالهلع الشديد اعتقادا منها أن كورونا قرع الباب ليدخل .
يمكننا التقليل من المعاناة بمجرد فبول الإنسان بحقيقة أنه لا يتوقع الأفضل، وأن الحالة العامة ليست في أفضل أحوالها، وأن الناس جميعهم يعانون نفس معاناته، وأن يبتعد عن رسم صور رومانسية للأخرين في ذهنه وعليه أيضا أن يبتعد عن التوقعات الوردية من المحيط . إن الحالة المتطرفة لما يعيشه الإنسان يجعله يرى اللون الحقيقي لشريك الحياة، وهو بالتأكيد اللون الذي تشاهده للمرة الأولى، وهذا بدوره يشكل ضغطا على الإنسان وعلى الشريك ويشعره بالعجز والخوف وعدم القدرة على الاستمرار، وهذه الصورة مزيفة لأن الجميع يقع تحت الضغط ويجب ممارسة نوع من التكيف مع الوضع الراهن وقبول الأخر رغم عيوبه التي قد تكون أكثر مما يتوقعه الإنسان . ونحن جميعنا لا نجد الشريك المثالي إلا في اللحظات الحالمة والسعيدة ويجب أن لا نتوقع المثالية في معظم الأوقات ومن الأفضل أن نميل إلى بناء العلاقات التي تقوم على الواقعية والاحترام والابتعاد قدر الإمكان عن تبني التصرفات التي تحفز الضيق والقلق .
يمكننا استخدام زمن الحجر الصحي كفرصة لتطوير علاقاتنا واكتشاف الجوانب التي لم نستطع اكتشافها في الشريك والأولاد والعائلة . علينا أن نطور حياتنا بما يخدم ازدهارنا وعلاقاتنا ومجتمعنا، والتي ربما نكون قد سببنا لها الضرر على مر السنين حتى نتمكن من مواجهة مخاوف قد تبدو أكثر قوة وإلحاحا في هذه الأوقات العصيبة . ويمكن أن نتعلم من الجائحة الحالية كيف نحمي علاقاتنا الحالية ونبقيها حيوية معافاة وبعيدة عن المرض والخوف .
تخيلوا كيف سيكون انتشار الفيروس في البلدان التي انتشر فيها لو أنهم :
كانوا أكثر استعداد للطوارئ .
كانوا أكثر استعدادا للتكيف مع الظروف الجديدة والمستجدة .
وضعوا بالفعل ممارسات تعزيز النظافة الشخصية موضع التنفيذ.
أبعدوا الحيوانات الأليفة من كلاب وقطط عن منازلهم
التزموا بالحجر الصحي داخل المنزل وعدم الاختلاط .
تلقوا التمويل اللازم من الحكومة لمساعدتهم للبقاء في المنزل .
ألن يكون سلوك المرض مختلفا ؟
يأخذ الحب في عصر كورونا أشكالا متعددة قد يكون أقلها العلاقة بين شخصين من جنسين مختلفين . الحب سلوك وممارسة ومعتقد وقرار.

المراجع

Love in the time of corona, Psychology Today , 2020.
Love in the Time of Coronavirus: What Living Through the HIV …
coronavirus-hiv-aids-epidemic
Tradition vs. Modernity in Love in the Time of Cholera – CORE …
corescholar.libraries.wright.edu › cgi › viewcontent
An expert guide to love and sex during a pandemic | Popular …
story › health › coronavirus-sex-dating
Love in the Time of Coronavirus – The Praxis Journal, 2020

لا تعليقات

اترك رد