رحلة الشكل الفني في تفاصيل وجوده قراءة في تجربة الفنانة التشكيلية ابتسام بنالكيلاني

 

تمهيد:
إبتسام بالنكيلاني فنانة تشكيلية تونسية في العقد الثالث من عمرها، حاصلة على شهادة الدكتوراه، لها العديد من المعارض الفنية الجماعية، كما أنها قامت بمعرض فردي داخل تونس، واتسعت مشاركتها لتجوب لوحاتها وتجاربها العالم العربي من خلال مشاركتها في جملة من المعارض بالعراق والأردن ومصر ولبنان، حيث أنها عملت جاهدة على نشر أفكارها وتجاربها الفنية بعدة طرق لتصل إلى أكبر عدد من الجمهور، فهي تؤمن بأن الفن البصري وجد ليخاطب الجمهور على أوسع نطاق؛ حيث تقول في هذا الصدد: ” الفن التشكيلي قائم على حلقتين أساسيتين (الفنان ؛ المشاهد )، فمن هنا تتواصل حياة المنجز الفني بنشأة التأويل واختلاف القراءات، ولهذا خيرت العمل على إيصال تجاربي إلى أكبر رقعة جماهيرية حتى أترصد حركة تأويلها على اختلاف الثقافات والمعارف؛ فالبنسبة لي العمل الفني لا يرجو لغة محددة لفهمه، إنه ينسجم مع كل اللغات ويتجاوب مع جل الثقافات”1، كما هو ملاحظ من قولها فإن الفنانة راهنت على دور التأويل في انفتاح العمل الفني على الأخر وأيضا دوره في تواصل حياة المنجز الفني بعد خروجه من فلك الذات الممارسة، ويصبح ملاذا للأخر ليطبع عليه أفكاره وفقا لما يتجاوب مع رؤيته وتحليله، “فأحيانا قد أجد في قراءة المشاهد لعملي أشياء كثيرة لم أكن أفكر فيها، وقد أستغرب بعضها أحيانا. فالشكل الفني ليس ملكا للفنان وحده ففي لحظة خروجه من الورشة يصبح شكلا مشتركا مع الآخر المتلقي، وبهذا يمكنه إستعاب جميع الأفكار، وقد يحمل بمقاصد ومعاني غير تلك التي قصدتها وأنا بطور إنجازه”2

راهنت الفنانة على تواصل حياة العمل الفني وتواصل قدرته على توليد الأفكار والإيحاءات في ذهن المشاهد، وهذه المقاصد الأساسية من مسألة انفتاح المنجز التشكيلي، ولهذا فقد نوعت في أفكارها وطرقها التقنية في إطار رحلة بحثها عن سبل التوصل لشد الآخر ودفعه للتجاوب مع عملها، فتنوعت أعمالها بين الخزف والحفر والرسم الزيتي وكذلك النحت، ورهانها الأساسي في تنوعها التقني هذا هو بناء أشكال وصور قادرة على إستعاب أقبر قدر ممكن من أفكار الآخر، حتى تضمن خط سير حياة عملها الفني واكتمال ميلاد المعاني والمفاهيم منه، عبر قراءة المتلقي في تنوعها واختلافها.

تشتغل الفنانة على إثارة الأخر، وفي معرض حواري معها سألتها: ألا تخشين أن تكوني مسكونة بهواجس الأخر فتصبحين تنتجين وفقا لأفكاره وتتجاوزين أفكار ورؤية ذاتك؟ وفي إجابتها قالت: ” الفن هو نتاج ذاتي مستقل عن الأخر حين يكون في الورشة ويتصل به أيا ما اتصال حين يعرض حد أنه يصبح شريك له كل حقوق حرية التأويل، فقد يتأثر بمحيطه الجمالي والإنساني، ولكنه في الأخير يبقى شيئا ذاتيا بامتياز، فأنا أعبر عن خصوصية رؤيتي للأشياء وللمحيط وفقا لتصور ذاتي، وحين أكمله أعرضه لتكتمل دورة حياته عبر التأويل”3.

فكيف عبرت إبتسام بن الكيلاني عن أفكارها في تجاربها الفنية.
وكيف بسطت رؤيتها حول محيطها الفكري والجمالي في تجربتها الفنية؟ وما هي آلياتها في ذلك؟

أولا: حوار الذات والشكل:
هل يمكن أن يكون الشكل الفني انعكاسا أو تجلى بصري ملموس لرؤية الذات وتصورا ماديا لأفكارها وعلاقتها بمحيطها؟
كما سبق ولاحظنا فإن الشكل الفني مع الفنانة هو مطية لديها لتقديم وجهة نظرها في عدة مسائل تتنوع بين ما هو إنساني وما هو جمالي، وهي تدخل في حوار يصل حد السجال مع مواد عملها حتى تنتج أو بالأحرى تبني شكلها الفني النهائي، فبناء العمل بالنسبة لها ليس يسيرا بهذا القدر، وفي هذا الصدد تقول الفنانة: ” أحيانا كثيرة قد أتجنى على أشكالي و’أخنقها ‘ قبل أن تلد، لأنها لا تتلاءم مع تصوري أو مع فكرتي، فأنا أخير أن أحاور أشكالي قبل خروجها للعرض، ففي أغلب الأحيان أضعها لساعات أمامي أتأملها وأدرس مدى قدرتها على إستعاب أفكاري ورؤيتي للمشروع العمل”4. ولعل هذا ما جعلها تخير الخزف حيث أن أغلب أعمالها وتجاربها في هذا التخصص، نظرا لما تتميز به مادة الطين من ليونة وقدرة على التشكيل، فهي حقا تعشق الطين وتتلذذ بحرقه وتفتخر بجماده، وتتفنن في تشكيله وترتحل معه بين الواقع والخيال، تمارس عليه جميع الطقوس وتجلس بمستواه.

فأحيانا تعيده إلى المثيولوجيا الإغريقية وتحاكي بأشكالها وأجسامها الخزفية المشكلة تلك الآلهة الهجينة إبان تلك الفترة. فلا عجب أن تجد في أعمالها تمازج شكلي غريب نصفه إنساني والآخر حيواني أو مفارق للواقع، كمزجها لجسد الأنثى بجسم الحصان، وكأنها تريد أن تنقل تلك الصورة لتحمل المرأة العربية لمشقات الحياة وتحملها على نفسها لإتمام المهمة الموكلة إليها من قبل المجتمع؛ وتشتتها بين “أناها” ككائن حي له طموحاته وأهدافه وما يفرضه عليها الواقع من ضوابط وقواعد ( الزوجة، الأمومة)، أو أنها تريد أن تقول غير ذلك؛ في علاقة بالذاكرة الاجتماعية ونظرتها للمرأة ككائن ثاني مكمل للرجل وما يناط بذلك من تصنيفات وترتيبات اجتماعية وجنسية، فالمرأة في الذاكرة الاجتماعية العربية عهدت لها مهمة خدمة الرجل اجتماعيا وجنسيا، إنها بذلك تؤكد قول الكاتب اللبناني “على حرب” بأن: ” خطاب المرأة لا تكتبه إلا المرأة، وحقيقتها لا ينطق بها سواها، وإرادتها لا يعبر عنها غيرها”5.

فكأننا بأعمالها هذه تبحث في تجسيد الأبعاد المادية لمنهج ومقاربات “التحليل النفسي” الفرويدي، فهي تكتب أو بالأحرى تنحت صورة (الهو) وتتمثل رغباته الدفينة في صورة أو مجسم خزفي، كما أنها لا تغفل عن تجسيد الضمير أو الطموح والاستعلاء أحيانا. إنها تتلمس وتتحسس طينها لتشكل إنسانا مرئيا برغباته وصراعاته الداخلية، ولا تكتفي بذلك بل إنها تذهب في تفكيك طبيعته وتحليلها لتقدمها في صورة مرئية قد تخفي في مدلولها الشكلي الكثير وتتطلب الفراسة والبصيرة والقدرة على الغوص في المضمون لفهمها. فكيف تتبين هذه الأفكار وهذه القراءة في أعمال ابتسام بنالكيلاني؟

ثانيا: تمثلات الأنا والأخر في خزفيات ابتسام بنالكيلاني:
الآخر في أغلب الأحيان متهم في نظر القائلين والمفكرين، فعنه قال الفيلسوف الفرنسي “سارتر”: الآخر هو الجحيم. ومن قبله قال البريطاني “هوبز”: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، وغيرهم كثير قد لا تسعهم هذه الورقة، فهل سعيت هذه الفنانة كغيرها لدحض الأخر ونعته أو بالأحرى تصويره في أبشع حلة؟ هل هي أيضا لا تتوان عن وضعه في قفص الاتهام وتحمله مسؤولية تدني الأخلاق وانحدار الإنسانية؟ أم أنها تذهب عكس هذا التوجه وتقول بالوحدة في الفعل والمسؤولية؟

مرد هذه الأسئلة هو أن أعمال الخزافة تنضوي في هذا الفلك؛ أي طرح تصورات وجودية وتحليل روابطها وعناصرها، وهو ما يمكن الوقوف
عليه حتى من خلال انتقاءها لعناوين أعمالها على غرار العمل المصاحب الذي عرضته تحت عنوان باللغة الفرنسية ( voyant “الرائي” ( بمعرض للخزف المعاصر بتونس 2018، فهو عنوان يبطن دعوة غير صريحة للإعادة تفكيك الوجود وتمثل معانيه، ففي معناه المعجمي يعني (النظر أو التأمل) والنظر يتجاوز حاسة البصر لينغمس في معطى التحليل وتفكيك الروابط وتأملها، وبنظري هذا العنوان تم انتقاءه من قبل الفنانة عن دراية ليحيل المتلقي إلى الولوج للعمق والبحث في الإحالات ليكمل العمل الفني رحلته وصولا لمستوى التأويل والتنوع، أي توالد الأفكار وإنتاج المفاهيم والتصورات والتي بها فقط يكتمل مسار المنجز الفني ولا يقف في مستوى المشاهدة السطحية، رغم كل هذا العمق الذي يبطنه عنوان العمل فلسائل أن يسأل هل أن هذا المنجز الخزفي بذات العمق الذي يحمله العنوان؟ أم أنه مجرد استعراض لغوي؟

أي علاقة بين هذا الوجه المشوه والعناكب التي تلف محيطه؟ أي تفسير لهذا اللقاء؟ فإن كانت تدعو للرؤية وإعادة التأمل فلماذا خيرت تشويه الوجه؟ ألم يكن جديرا بها أن ترسم جسدا في لحظة تأمل أو تمثالا يبرز التفكير مثل ذاك الذي جسده النحات الفرنسي “رودان”. لماذا كل هذا التعقيد؟

أو أنها تريد أن تتكلم عن إنسان غير ذاك الذي تكلم عنه الفنان الفرنسي، يمكن أنها ترسم جسد أنهكته العولمة وشوهته النظم الرأسمالية، وهو ذاته إنسان ما بعد الحداثة الذي حدثنا عنه “سامي أدهم” في كتابه “ما بعد الحداثة” (1994) وعنه يقول: ” إنسان الحداثة انقلب إلى لا إنسان ما بعد الحداثة “بمقولات جديدة انبثقت من السرديات الجديدة التي تكون العلم والفن والثقافة.. تحولنا إلى عصر العولمة الثقافية والاقتصادية والعسكرية.. وقام اللاإنسان، بعد أن انفجر الوجود وتشظى مع الحرب العالمية الثانية على كل المستويات: المعرفية، والفنية، والجمالية، والعلمية، واللغوية، والسردية، وقامت العدمية الرافضة لمقولة الوجود.. إن الصراع الثقافي العميق في الفكر الإنساني المعاصر هو بين انزلاق نحو الموت المحتم وانحطاط أخلاقي ورفض لكل القيم، وصنعية تكنولوجية علموية “6. لعل هذا القول ما يفسر التشويه الذي أضفته الخزافة على وجه منحوتاتها، كما أنها عملت على الإشارة إلى تشظى الإنسان المعاصر في ظل العولمة من خلال تلك الحلقة المعدنية التي وضعتها على يسار الرأس وكأنها تقول بأن الإنسان أضحى آلة حسابية سجينة المادة والأنانية الذاتية، وهو ما أشارت إليه بتلك المجسمات العنكوبتية وعنها تقول الفنانة: ” الإنسان اليوم في ظل ما يعرف بالعولمة أضح سجين ذاته؛ تفككت الأسر وفقدت وحدة المجتمع في أغلب البلدان، الأغلبية الساحقة أضحت تبحث عن تحقق مطامح ورغبات شخصية دون أن تبالي بأهمية الوحدة أو الأخر، الكل يعمل لنفسه ويسعى لصيد الفرص، حتى وإن كانت على حساب أخيه الإنسان، وهو ذاته الفكر لدى العنكبوت يصنع شبكته ويظل يترصد الفرص للصيد، كما أنه كائن أغلب أنواعه غير اجتماعية “7

نلاحظ مم سبق أن الفنانة خيرت أن توجه تجربتها لمحاورة محيطها ونقاش تحولات عصرها في إطار رحلة بحثها عن ذاتها من خلال تفكيك الأخر، فهي تقول في هذا الصدد: ” أنا مقتنعة تمام الإقناع بأهمية معرفة الأخر وتفكيك أطره ودراسة أفكاره، وطرحها للنقد وللتناول الفني. فلا يمكننا أن نعرف أنفسنا إلا من خلال إدراك الأخر، فأنا أيضا أمثل الأخر بالنسبة للبقية، إنها رحلة تبادل الأدوار؛ هكذا هي الحياة، ولهذا فقد بحثت في الأخر في جل تمظهراته: اجتماعيا وسياسيا وكذلك فكريا، حتى أجد مستقرا لذاتي بين هؤلاء الأخريين الذين أنا واحدة منهم”8. بقولها هذا تؤكد الفنانة أن رحلة اكتشاف الذات تمر بالضرورة عبر معرفة الأخر وتعدى معطى التفرد و تخطى الانعزال، ولعلها في ذلك تتوافق مع رؤية الكاتب البرازيلي “باولو كويلو” بقوله: “أننا لا نعرف أنفسنا حقا إلا حين نتجاوز حدودنا بالذات”9. وفي تحليلها لهذا (الآخر) خيرت الفنانة التوجه إلى النقد كدعوة ضمنية إلى إعادة تأمل الواقع ومراجعة الذات حيث ذهبت إلى تجسيد أعمق المعاني، لاسيما في علاقة بالقيم والأخلاق التي تراها الفنانة بدأت في الانعدام في ظل العولمة؛ فهاهي في عملها الخزفي “اغتراب ” وهو عبارة عن مجسم نحتي خزفي تجسد فيه غربة الذات حيث تخلت عن رسم الجسم بشكله البيولوجي واكتفت بنحت الرأس (المشوه) وساق تشبه الهيكل العظمي وفي جوانبها علقت عدة جماجم، وكأنها تقول بأن الإنسان المعاصر عزل أو أقصى بقية حواسه وظل يمشي دون معنى ولا أي خيارات فهو لا يتحسس طريقه ولا يترك وراءه غير الخراب، وفي وصفها لهذا العمل تقول الفنانة: “أنا لا أستطيع أن أنسلخ من انتمائي بمعناه العام (الإنسان) والضيق (العربي) وما يعيشه العالم من حروب ونشر للموت والقتل ولاسيما في وطننا العربي الذي أضح مختبرا عالميا للقتل، وفي عملي هذا حاولت تجسيد هذه الحيرة أمام الوضع الذي يعيش فيه عالمنا اليوم، الذي لا يتوان بعض سكانه على القتل لتحقيق الأرباح والارتقاء المالي، الإنسان اليوم يسير نحو تأكيد الأنانية بدل التعايش، ينشر لموت بدل الحياة..”. الفنانة تنقل حيرتها أمام تراجع القيم وتفنيد الأخلاق التي ميزت الجنس البشري، فهي ترصد من خلال أعمالها الفنية هذه الظروف والوقائع العالمية وتعطيها بعدا بصريا ومنها تدعو الأخر لإعادة تقييم الذات والتكييف أكثر ما يمكن مع مبادئ الإنسان.

الفنانة التونسية “إبتسام بنالكيلاني” لم تكتفي في أعمالها برصد هذه السوداوية التي تراها في محيطها الإنساني ورسم الموت فهي بذات القدر ذهبت نحو رسم الحياة والدعوة للفرح من خلال عدة مجسمات خزفية جسدت فيها الفرح والحب والرقص، هذا الأخير ترى فيه الفنانة كأحد الطرق المعتمدة للتعبير عن الفرح والسعادة؛ وهو بالنسبة لها فيه دعوة صريحة للتعايش والحب بين أبناء الجنس البشري، فهي لم تكتفي بتجسيد الموت أو الخراب النفسي والأخلاقي الذي تراه في محيطها بل إنها ذهبت بأعمالها لطرح بدائل للحياة والاستمتاع بالانتماء لهذا الكون.

هكذا نوعت الخزافة التونسية أفكارها ولم تكتفي بالرصد، بل إنها سعت للطرح بدائل وكأن لسان حالها يقول هكذا هي طبيعتنا خليط عصيب بين الموت والحياة، ويجب أن تعاش الحياة بتفصيلها المتناقضة دون أن نغفل على إعادة تأمل واقعنا وتحليله ونسعى للتأسيس للجيد ونفند المقيت، وهذا لا يتحقق بنظرها إلا بتضافر الجهود وتكتل الأفكار وتشارك الكل في الفعل، وفي هذا تقول: “الفن ليس مجرد لوحة معلقة على جدار أو منحوتة معروضة في متحف أو الساحات العامة، بل هو حامل لقيمة إنسانية هدفها نشر الحب والسلام، والإشارة أو نقد الواقع، فهل كان لنا أن نعرف بشاعة الحروب العالمية وأهوالها لو لا “غرنيكا بيكاسو” أو رسومات الألماني “أوتوديسك” ولوحته المشهورة (الحرب 1932)، كما أنه لو لا الشعر والموسيقى لما آن لنا الاستمتاع بالحياة، فالفن يساهم في تشكيل وتهذيب الوعي الإنساني ويتعدى مجرد الاستمتاع البصري”10.

ثالثا: أين ابتسام من “كورونا”؟
كتب هذا المقال في زمن وتاريخ لن تنساه البشرية جمعاء، في وقت تخوضوا فيه الإنسانية صراع البقاء أمام انتشار شبح الموت وتكبيل حركة البسيطة وتعطيل جل مفاتيحها وتفنيد شعار العولمة ” العالم قرية صغيرة” ومنها إلغاء فكرة الانفتاح على الأخر، وسجن السلاح وحامليه في الثكنات العسكرية لأنها حرب لا تتطلب أسلحه بقدر ما تتطلب انطواء وعزلة وتخلى الإنسان عن مهمة قتل أخيه الإنسان لتوكل

المهمة إلى أصغر سكان الكرة الأرضية (فيروس كوفيد 19)، انطلق من أرض شرق آسيا (الصين) وانتشر بكل أصقاع العالم مثلما كانت سلعها تجوب العالم من قبل، قتل ما قتل ولكن لم يكفيه الموت ولم يرضى غروره مسابقة عدد الموتى الذي حصل خلال الحروب العالمية الأولى والثانية، فهو لم يرحم الكبير والصغير ولم يفرق بين الغني والفقير ودخل القصور قبل البيوت القصديرية، ولم يشبع جوعه بل إنه تمادى في جرمه وتعديه على البشرية، فدخل في كل خباياها وعمل على عزل قيمها وأهم مبادئها من قبيل بعدها الاجتماعي، فزرع الخوف في النفوس وفرق بينهم وجعل من الأب ينعزل على أبنه والأخ يخشى أخيه، والدول تنطوي على نفسها وتبغض الأخر…

العالم الإنساني اليوم في حالة استنفار قصوى وعزل كلي وتباعد اجتماعي، وهذا الوضع المأساوي الذي تعيشه الإنسانية اليوم دفع بعض الفنانين التشكيليين إلى تفريغ الرهبة والخوف في تعبيرات بصرية تعكس أفكار وتصورات مختلفة حول هذه الجائحة العالمية منهم من قدمه في ثوبه الحقيقي وصوره كوحش أسطوري، وآخرون خيروا المساهمة في التوعية، والبعض الأخر ذهب إلى رسم الأمل والدعوة للحياة والمقاومة، وفي هذا الاتجاه ذهبت ابتسام؛ حيث استثمرت إلزامية الحجر الصحي العام لترسم وليس لتندب أو تنكمش على ذاتها وخيرت التأسيس للبناء وليس للهدم وترجمة حبها للحياة وتمسكها بحقها وحق أبناء جنسها فيها من خلال لوحات زيتية رسمت فيها الفرح والسعادة وخيرت الرقص الأنثوي كدليل أو تعبير عن ذلك وأخرى صورت فيها شبح الموت الذي يخيم على العالم، فأنجزت لوحتان يختزنان الكثير من التعبير والمشاعر الإنسانية كطريقة فريدة لمجابهة ثقل الانزواء وانتشار القلق والرهبة. ففي ظل هذا الكساد الإنساني ذهبت ابتسام لألوانها وفرشاتها لزرع الأمل وكأن لسان حالها يشارك “كافكا” في قوله: “سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال. إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات”11.

خاتمة:
الفن تمثل بصري لوجدان الإنسان، ومجالا مهم لبناء الوعي الإنساني والتعبير عن قضايا المجتمع بذات القدر الذي ينفذ إلى عالم الخيال، فالفنان التشكيلي إنسان قبل شيء له مشاعر وأحاسيسه ورأي ولا يمكنه أن يتملص كليا من محيطه، فإن خير البعض تجاوز الواقع وبناء تصورات بصرية مفارقة له على مستوى الأسلوب والمفهوم، فالبعض الآخر ذهب إلى تمثل الواقع ورسمه بتفاصيله وأطره الزمنية والمكانية وآخرون تبنوا فكرة النظر إلى محيطه ومراقبة تقلباته ومشاكله وتناولها بالنقد بأسلوب بصري، ليصبح معهم العمل الفني منفذا للتعبير عن فكرة الذات اتجاه الآخر، ومنها نقد الانزياح عن النمط الإنساني، وهذا كان توجه الفنانة التونسية ابتسام بنالكيلاني التي نوعت في تجاربها الفنية تقنيا ( خزف/ حفر / رسم زيتي / نحت) وكذلك في الأسلوب والمفهوم، وعالجت بتجاربها المختلفة القضايا الإنسانية، فبالنسبة لها ” الفن فعل إنساني يكتمل بناءه بانتصاره للقضايا الإنسانية، هذا طبعا دون أن نغفل عن مراقبة القضايا والتطورات الفنية “. (على حد قولها).

المراجع:
– باولو كويلو: ” إحدى عشرة دقيقة” ترجمة رجاء حمدان؛ شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2003.
– سامي أدهم: ” ما بعد الحداثة”، دار كتابات للنشر، الطبعة الأولى، جانفي (يناير) 1994.
– علي حرب: ” الحب والفناء”؛ دار المناهل للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1990.
– فاروق يوسف: ” أهلا بنقاد الفن الجدد” مقال صدر بمجلة العربي بتاريخ 10- 02 -2020.
– فرانس كافكا: ” الأعمال الكاملة” المجلد الثاني، دار الحصاد للنشر، الطبعة الثانية، دمشق 2004.

المقال السابقإنقلاب روسي على إيران
المقال التالىالفقير في رمضان
طلال قسومي ... أستاذ بالمعاهد العليا للفنون منذ 2010 . القراءات النقدية التشكيلية: I. المقالات. - المنجز التشكيلي التونسي والعرض "الافتراضي"؛ أي تلقي؟ وأي تواصل؟ - الجسد الخامة / التكنولوجيا الأداة؛ أبعاد التداخل بين البث والتلقي. - "الصدمة والإثارة" مشغلا فنيا: قراءة في تجربة الفنان ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد