الإرهاب الديني والعرقي.. لن ينتهي

 

أن مصادر غذاء الإرهاب متوفرة ولن تشح ولن تنتهي لطالما لم تقطع من الودج، ما لم تحارب تلك الأفكار الأيديولوجية الدينية بالعقل والمنطق والعلم أن لم تبتر جذورها وتجفف منابعها الفكرية فهي مستمرة في النمو ويمكن ملاحظة ذلك في إرتفاع نسبة التشدد والتطرف النابعة من كتب التراث وكتب الفقه والنصوص الكارثية التي لن تتوقف عن إنتاج الإرهاب هي أشبه بمزرعة دواجن تفقيس وتفريخ مستمرة الإنتاج وفي زيادة عالية ، فلا يمكن تجاهل الأعمال الإرهابية التي وقعت في السنين الماضية ولا زالت وما خلفته من دمار وخراب في مختلف النواحي وعلى جميع الأصعدة ولا يستطيع إنسان واعي أن يطمس الحقيقة ويقول أن هذه العمليات الإرهابية لم تنفذ بإسم الدين فكل شيئاً بات مَكْشُوف..
أن هذه الهجمات العنيفة تركت خلفها مخلفات في عدة شعوب ومجتمعات وتركت بصمة وندبة لن تنساها الشعوب التي ذاقت وحشية التطرف الديني في أبشع صور التجرد عن الرحمة والإنسانية فهذه الأفعال والسلوكيات والممارسات الهمجية لم تأتي من الفضاء ولم تنقل من دولة دكتاتورية أو نظام عسكري بل جاءت من (نظام ديني) قائم على تعاليم ونصوص سماوية ناهيك عن إرهاب المعتقدات النازية والفاشية والاستعلاء العرقي الأبيض والاثنان وجهان لعملة واحدة صريحة وواضحة أي بمعنى أن الإرهاب الديني يرتبط بعلاقة وطيدة مع التراث الديني والموروثات والنصوص الدينية وأن إرهاب المعتقدات وأقصد “معتقدات الكراهية” لها علاقة وطيدة أيضا مع اليمين المتطرف والحركات اليمينية الإرهابية التي تكره الأخر المختلف.
وخذ على ذلك أمثلة عديدة فعندما يحارب الإرهاب تحت أي عنوان كان وأي مسمى أخر لا تحارب أفكاره وأيديولوجيته وكتبه ورموزه التي يتغذى منها فهي تعتبر بمثابة العامود الفقري بالنسبة للإرهاب، وإنما يحارب بالأسلحة المتطورة والقنابل النظيفة والطائرات وبعد أن يتم القضاء عليه عسكرياً! يترك الأمر برمته بعد ذلك وكأن الإرهاب أنتهى أو انقرض بينما أفكاره المدمرة حرة طليقة تستنشقها المجتمعات وبالخصوص المجتمعات التي تنمو فيها التنظيمات الدينية والحركات اليمينية الراديكالية ينتابني شعور بالسخرية حين سماعي في نشرة الأخبار المحلية والعالمية أن الإرهاب تم القضاء عليه، لا يقولون تم القضاء عليه عسكرياً فقط لكن يصرحون تم القضاء عليه؟ حين سماعي هذه الجملة الغبية أدرك تماماً أنه لم ينتهي فكيف تم القضاء عليه.. والنصوص التي ابتكرته لا زالت تقدس؟ كيف تم القضاء عليه وكتبه وفتاويه التي كانت بمثابة منظومة ولا زالت يعتمد عليها كل تنظيم أو حركة أو مليشيا هي بمثابة أوامر إلهية بالنسبة لهم ويجب تطبيقها مهما كلف الأمر فالحرب على الإرهاب ليست حرباً عسكرية فقط وإنما حرباً فكرية إيديولوجية من الدرجة الأولى.
فلا يمكن أن تبرر الأعمال الإرهابية التي تشن ضد الإنسان والإنسانية أو ضد المختلف الأخر أو ضد الأقليات أو الجنس أو البشرة أو العرق أو الدين. فالشعوب والمجتمعات التي سقطت في كنف الحركات الدينية المتشددة لن ترتقي وتزدهر أن لم تعترف بالحقيقة المسكوت عنها الحقيقة الزعاق التي لا يريد الكثيرون سماعها والاصغاء لها حقيقة أن الدين يلد بين الفينة والأخرى أيديولوجيات فكرية عنيفة مرعبة ومع كل عملية إرهابية دينية أو هجوم إرهابي عرقي متطرف، الناس تبدأ بإلقاء اللوم على الفرد أو (المنفذ) أو السلطات الحاكمة ويعلقون في شجار فكري عقيم ولا يتساءلون من أين جاء هذا النوع من الفكر؟ ما مصدره؟ ماهو المولد الذي أنتج هذا الفكر؟ وأنا أعني الجذور الأيديولوجية الفكرية التي تمتد لقرون غابرة وصراعات قومية ودينية ومعتقداتية مبنية على التعصب والكراهية والقتل.
مسلسل الجهاد والخلافة والكراهية والحركات اليمينية المتطرفة لن تنتهي ولن تكتب حلقاتها الأخيرة فالسلطة الدينية وتعاليمها المكدسة بالأفكار المتطرفة هي بمثابة أدوات المعتقدات والطوائف والمذاهب الدينية بما أن هذه الأدوات تعتبر أدوات “إلهية مقدسة” اذن هي غير خاضعة إلى أي تغيير بل وليست خاضعة للنقد والانتقاد ولا النقاش حتى في فحوى فكرتها وقس على ذلك الأديان برمتها من دون إستثناء وبذلك سوف تكون هذه الأدوات مفاتيح متاحة بيد المؤمنين والعكس صحيح فالحركات العرقية المتطرفة استمدت أفكارها من رموز وزعماء فاشيين ونازيين واستندت على مذهب الكراهية! وساعدها في الإنتشار النزعة القومية والعرقية البغيظة إتجاه المختلفين عنهم ويبقى هؤلاء الوحوش البشرية في رأيي الشخصي من كلى الطرفين الديني والعرقي فهم “إرهابيون” بكل المقاييس الإنسانية فالخندقين الديني والعرقي يبيح ويشرع قتل الإنسان المختلف فكرياً أو عرقياً أو دينياً.
وفي هذه الحالة سوف يتطور هرمون التطرف ويصعد ترامادول التعصب مع تغير الزمن وسيظهر متطرفين أشد فتكاً وعنفاً من الذين سبقوهم أي بمعنى أن وحشية وعنف التطرف بكل مسمياته ومستوياته مع تغير الزمن سيظهر لون متطرف أشد عنفاً ووحشية من الذي سبقه أي بمعنى أنه يقوم بتحديث نفسه بأساليب غير مطروقة فالتطرف الديني أو العرقي أشبه بفيروس خطير ينتقل من عقل إلى آخر، أن ظاهرة الإرهاب والتشدد الديني خرجت من رحم الثقافة الدينية لأنها من أهم العوامل التي سيطرت على المجتمعات التي تمكث تحت سياط الدين حيث أن ظاهرة الإرهاب تبلورت وترعرعت واشتد عودها في كنف الأفكار الأيديولوجية الدينية المتطرفة.

ظهور عالم الإرهاب…
ان عالم الإرهاب ولد قبل ١٤٠٠ عام وهو ليس وليد اللحظة ولكن عاود ظهور الإرهاب الديني في العالم العربي إبان القرن العشرين من هناك كانت انطلاقته بعد فصلاً من السبات وبدأ تأسيس الحركات الإسلامية المتشددة التي شيدت إمبراطورية التطرف والتشدد ودس الفكر الأيديولوجي الراديكالي في عقول المجتمعات العربية بل أنها نجحت في الهيمنة على هذه المجتمعات وفرضت أفكارها ونجحت في استقطاب عناصر كثيرة انظمت لها فهي محترفة في غسل الأدمغة بمساحيق الجهل المقدس بل أصبح لهذه الحركات والتنظيمات إرث وتأريخ وتراكمات مسبقة تتعمد عليها وتساعدها في الإنتشار والتغلغل أكثر حتى داخل العمليات السياسية والتحكم بمصير الشعوب والحكم ناهيك عن أنها تقلدت مقاليد الحكم أن الحاضنة المهمة والتي ساعدت في الإنتشار التطرف الديني هي المجتمعات والشعوب التي تبنت الأفكار الأيديولوجية الدينية للحركات المتطرفة مع أن اليوم تعاني هذه البلدان التي تعرضت لغزو الحركات المتطرفة دينياً لأسوء الأوضاع على المستوى العالمي والمحلي والأمني ناهيك عن المستوى التعليمي والثقافي والاقتصادي فكل شيئاً فيها يعاني من الفساد والاستبداد والقمع والدمار وأن هذه العلل والمشاكل حلها يكمن ليس في تفكيك هيكلية هذه الحركات فقط وإنما يكمن الحل في عزل الدين عن الدولة وعزل الدين عن الشعب المشكلة الأساسية هي في الدين نفسه أي أن تعميم الدين على الدولة وتعطيل القوانين المدنية الإنسانية لمجاملة الدين على حساب الإنسان أو المواطن سيعود بكوارث إجتماعية وفكرية وثقافية مدمرة على المجتمعات أي أن يبقى الدين في خانة الفرد وليس بصورة جمعية وفرضه على الأخرين المختلفين بالقوة أو بالترهيب والترغيب اذن الدين ليس هو الحل!.

— كُلّما تَدَرْبَسَ «الدين» في المجتمع، إزداد النَّاس تخلُّفًا ونُكوصًا.
وكُلّما تَدَرْبَسَ «الدين» في العالم، صَعِدَ اليمين المتطرف كردة فعل إتجاه سطوة الدين هي أشبه بمُنَافَسَة دينية عرقية لمن يحتل المركز الأول في كراهية الأخر المختلف المعركة في ما بينهم عنوانها كراهية الإنسان من يثبت لمن أنه يكره الأخر المختلف أكثر منه والطرفين يسعى للفوز بلقب بطل العالم بلا منافس في (الكراهية)، الخراب والتدمير والقتل.
أن داعش هي فرع من الأصولية الإسلامية بنسخة متشددة، داعش وأفكارها لم تأتي من الفضاء بل هي ولدت من رحم النص الديني، ولذلك أرى تلك المجتمعات التي تعاني من التعصب والتطرف، وتحاول جاهدة أن توجد حل لمشاكلها فتقول أن (الإسلام هو الحل!) لا أدري.. لماذا يريدون زج الدين في حل مشاكلهم، ولا أدري.. لماذا يعتقدون بأن الدين قادر على حل المشكلة، ولا أدري.. لماذا لا يفكرون بأتجاه مغاير ويسألون أنفسهم ماذا لو كُنا على خطأ ماذا لو كان الدين هو سبب المشكلة هل سألنا أنفسنا هذا السؤال؟ كم منا سأله في العلن وكم منا سأله في الخفاء وكم منا لم يحاول حتى السؤال! لأننا وضعنا الدين في السياسة والمدرسة والشارع.
أن الأساسيات الراديكالية المتشعبةُ والمتشبعةُ داخل العقل العربي تصور للإنسان العربي بأنه يعيش في العصور القديمة وتشوه لديه الإنسانية وتقتل الفلسفة وتنحر الحرية من ما تولد لدى المجتمع تشوه مجتمعي حاد في السوسيولوجية الحقيقية له وتعمل فيها تغيير ديموغرافي في القيم الأصلية أي بمعنى أنها تعتقل القيم الأصلية وتعدمها وتزج إلى المجتمع قيم مستهجنه جديدة مبنية وفق رؤية إيديولوجية دينية حسب نوعية المتسلط على الحكم، بل إن دخول الدين في مضمار السياسة هو انتحار للدين نفسهُ والسياسة فهو أصاب السياسة بلعنة وأصاب نُصوصه بتخمة شديدة وأشعل فتيلها وباتت اللعنات تطارد لعنات من مدينة الى مدينة أخرى ومن جيل الى جيلاً أخر والجميع سيدفع ثمن هذه الفاتورة الدينية الثقيلة.
فالمفاهيم الراديكالية التي تتشبع في المجتمع تنتج عنها، طائفية وتمييز ديني وعرقي، وتنتج كراهية لا محدودة وحربًا خاسرة الجميع خاسر فيها والجميع فيها يدفع الثمن، وكلما حلقت تلك الطلاسم في عنان الوطن والمجتمع سوف تخرج الآلاف من الحركات المتعصبة والمتشددة لأن النص الديني ينجب العنف والتعصب أذا أخذ على محمل الجد.
حرب القاع…
فكيف يخرج ذلك الإنسان من هذه الورطة فتلك الدول والبلدان في الحقيقة سقطت في ورطة ومأزق كبير، انزلقت في بركة الدين واستقرت في القاع وحين ركدت في أعماق البركة، اندلعت في القاع حروبًا تقاتلوا في ما بينهم في القاع وواحد نحر الأخر من الودج وكلاً حسب طريقته وفتواه، ومنذ ١٤٠٠ عام ونحن لا زلنا في القاع ولا زلنا نتقاتل فيما بيننا حتى يومنا هذا، ولا زلنا قابعين في الظلام ونرفض النور نرفض كل شيئًا نرفض الخروج نرفض العلم نرفض التقدم نرفض الأخر نرفض المختلف، بارعون في اطلاق الشعارات الكاذبة والمزيفة من منصات ومنابر الدين، لنقنع أنفسنا أننا سائرون على الطريق الصحيح وفي الحقيقة نحن اضعنا الطريق نحن راجعون الى الوراء در إلى ذلك الماضي المظلم والذي لا يريد أن يفارقنا لحظة واحدة، ولا زلنا نردد رغم كل هذا الجهل والتخلف والعنف بأن الدين هو الحل، فمتى تعلمون بأنه ليس حل؟.
فالمجتمعات القديمة كانت تُحكم بالدين والمطلعين على التأريخ يعرفون هذا الأمر فلا نستطيع أن نقول تلك تلك المجتمعات كانت تحكم بالعلمانية أو بالديمقراطية أو بصورة تحررية على سبيل المثال لا نستطيع تغيير تلك الحقائق وتزييفها لمجاملة نظام حاكم أو مجتمعًا ما، وهنا السؤال والذي يجب أن يسأله ُ الجميع أذا كان الحكم الديني يصنع دولة ويطور مجتمعًا أذا لماذا كثرت الحروب في تلك المجتمعات والاقتتال الداخلي فيما بينهم ولماذا المفكرين والفلاسفة والشعراء الذين حاولوا الخروج خارج تلك المنظومة خارج الصندوق الأسود دقت أعناقهم وباءت كُل محاولات الخروج بالفشل وانتهت نهاية مأساوية وتركت خلفها علامات استفهام كثيرة الى اليوم تراود الغالبية من العقول ما وقع في الماضي هو كان بداية تأسيس العنف، وهو ذاته ما يحدُث اليوم في العصر الحديث حيثُ ظهر هذا العنف بعدة أشكال تتفاوت فيما بينها بدرجات العنف والقسوة، فالحركات الراديكالية الأصولية تبنت هذه العقلية وهذا الأسلوب في إثبات وجودهم عن طريق العنف ونشر الخوف وطرح أفكارهم عنوة على المجتمعات الأخرى واتبعوا نهج الماضي الغابر…
أنا أقتل إذًا أنا موجود
أنا اذبح إذًا أنا موجود
أنا افجر إذًا أنا موجود
أنا إرهابي إذًا أنا موجود
وبهذه العقلية والتي هي بمثابة إيديولوجية ترهيب من الطراز القروسطي القديم وهذه المفاهيم تمثل خطر عام على العالم بأسره لأنها لا تتفق مع المختلف الأخر إطلاقاً وهذه المفاهيم انتقلت عبر النصوص الى العصر الحديث بغية إحياء خلافة قديمة دموية لم تجني من ورائها الشعوب ألا الدمار والخراب والجهل…
والكارثة الحقيقية أن هذه المفاهيم متجذرة في الفكر والعقل العربي وبالتالي سوف تتسع دائرة الصراع وتتكالب الدواهي على تلك الشعوب، فهذه الآفات الإرهابية تعتبر حروبها ضد الكرة الأرضية وجميع الكائنات الحية وجميع البشر بلا إستثناء تعتبرها حروبًا مقدسة وحروبًا توفر لها جواز السفر الى الجنة.
فهذه الأنظمة الاستبدادية لا تخضع لأي قوانين بل هي تريد تطبيق قوانينها التعسفية بالقوة على البشر والبشرية، فليس هنالك أسوأ من يصل الحال بنا أن يتوقف مستقبل شعبًا ومجتمع على فتوى رجل دين جسده يعيش في عصر التكنولوجيا ولكن دماغه يعيش في عصر القرون الوسطى ليحكم على الشعب وفق شريعته وقوانينه وفتاويه، فكلما كثرت وازدادت الفتوى وهيمنة الأحكام الدينية على المجتمع سقط القانون وسقط المجتمع وكثر الفساد لأن الفتوى هي عامل مهم أيضا تخدم المتطرفين وتلهب حماسهم في مجتمع مغلق لا يؤمن بالاختلاف والمختلف ويعتقدون أن تطبيقها واجبًا ومن ينفذها بحذافيرها سوف يكون في أعلى مراتب الأيمان وهنا بالضبط هو إننا نرجع بكل قوة الى الوراء راجعون لا نعرف الى أين راجعون لأننا تبنينا الرجوع.

المقال السابقبين الصحافة وجهاز الأمن – 2
المقال التالىأجراس التظاهرات تقرع من جديد
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات