قدرات خارقة مرعبة

 

في الماضي، عندما تم عرض فيلم الحاسة السادسة The Sixth Sense، انتاب الجميع الرعب والفزع، عندما وجد طفل صغير يتمتع بقوة خارقة، والتي من خلالها يستطيع أن يرى الأشباح والتحدث معهم. لكن تلك القدرة الخارقة كانت مصدر تعاسة له، وليس العكس؛ لأنها يجب أن تكمن بداخله فقط، ولا يمكن أن يتحدث عنها. فلو حدث وأن أراد أحدهم الافصاح عن قدرته الخارقة لسوف يكون مصيره الاتهام بالكذب، أو الجنون.
فيلاحظ أنه يتمتع بعض الأشخاص بمواهب خارقة من الصعب على أي فرد أن يكتسبها؛ ببساطة لأنها موهبة خارقة للطبيعة، لكنه يجب ألا يفصح المرء عنها؛ لأنها نعمة مغلفة بلعنة قاسية، تجعل من يمتلكها إما حبيس نفسه، أو قيد استغلال أفراد بلا رحمة. ومن ثم، تلاقي نجاحاً كبيراً الأفلام والمسلسلات التي تركز على أشخاص من الخوارق مثل من يتمتعون بقدرات بدنية تجعلهم مثلاً لهم القدرة على لي الحديد، أو الرؤية عن بعد. أما الأشخاص الذين يملكون قدرات ذهنية خارقة – مثل الحاسة السادسة، والتنبؤ بالمستقبل، والقدرة على رؤية الأشباح والتحدث معهم – فلا يزالون منذ القدم محور اهتمام جميع الشعوب سواء في الحياة الواقعية، أو في المواد المكتوبة، أو المسموعة أو المرئية. فهؤلاء الأشخاص بقدراتهم الذهنية الفذة قد تغلبوا على ما يصنعه الساحران من سحر؛ لأن ما لديهم حقيقي وليس ادعاء. وبالرغم من التشكيك في السحر وفاعليته، إلا أن القدرات الذهنية تجد فئة قليلة جداً ممن يؤمنون بها، وأما الغالبية العظمى ينكرون وجودها من الأساس؛ لعدم تصديق العقول أن هناك فئة من البشر يمتلكون قدرات سحرية طبيعية.
ولهذا السبب، تم تخصيص فرع من علوم الطب النفسي على أيدي قلة من العلماء النفسيين لدراسة هذه الظاهرة الغريبة، وأسموا هذا الفرع من العلوم باسم “علم النفس الموازي” والذي يعرف أيضاً تحت الاسم الذي صار دارجاً حالياً، ألا وهو “الباراسيكولوجي” Parapsychology. وعلم الباراسيكولوجي هو ذاك الفرع من العلوم الذي يدرس القدرات الخارقة الكامنة في اللاشعور، وجميعها ظواهر نفسية غير مؤكد وجودها بشكل مطلق. ومن تلك الظواهر النفسية نجد ما يسمى بالإدراك خارج الحواس extrasensory perception وهو ما يعرف باسم الحاسة السادسة، وهي القدرة على استقبال أو معرفة معلومات ليس عن طريق الحواس الخمس المعلومة للجميع، لكن يمتلك العقل القدرة على استشعارها. وهناك أيضاً القدرة على التخاطر Telepathy وفيه يستطيع أحد الأشخاص الاتصال بآخر عن طريق ارسال رسائل ذهنية لعقل شخص آخر، دون اللجوء لآية وسيلة مادية مثل المهاتفة أو حتى الكلام. وهناك أيضاً معرفة الأحداث مسبقاً Pre-recognition، والمقصود بها القدرة على معرفة أشياء تحدث في المستقبل. وهناك أيضاً الاستبصار Clairvoyance وهو القدرة على الحصول على معلومات حول أشخاص، أو أشياء، أو أحداث عن طريق حاسة تتوافر لدى تلك الأشخاص فقط. وأما أغرب هذه القدرات ما يسمى بالقدرة على تحريك الأشياء من مكانها، أو حتى تغيير شكلها دون لمسها، والتي تسمى بالتحريك Psychkinesis. وهناك العديد والعديد من الادعاءات بامتلاك قدرات ذهنية خارقة أخرى.
لكن يتشكك العلماء في هذه الظواهر، ويسمونها ادعاءات، لأنها تفتقر إلى وجود أدلة علمية تجريبية، يمكن تكرارها على أشخاص يمتلكون تلك المواهب، لقياس مقدار ما يتمتعون به من قدرات. ومن ثم، يمكن منهجة ما لديهم من ادعاءات يضعونها في فرضية الصحة. ومن ثم أجمع العلماء – وخاصة علماء النفس منهم – على تسمية علم الباراسيكولوجي Parapsychology بالعلم الزائف؛ لغياب أي دليل تجريبي على وجود تلك الادعاءات؛ ولأنه إذا تم تصديق تلك الادعات، إذا فإن بقية العلوم الأخرى القائمة على البحث، والتجريب، والمشاهدة، والملاحظة لن تعد من جراء ذلك علوماً على الإطلاق.
ولهذا تمول أبحاث علوم الباراسيكولوجي من قبل مؤسسات خاصة، غير معلومة المصدر أو الهوية. وأما أبحاث العلماء الذين يعملون في تلك المعامل البحثية المجهولة المكان يتم نشرها في حيز ضيق جداً؛ لتداولها فئات بحثية محدودة. الغريب في الموضوع أنه تم مؤخراً انتشار مجلة علمية مخصصة لنشر أبحاث الباراسيكولوجي. أما الشئ الأكثر غرابة فهو انتشار علوم الباراسيكولوجي مؤخراً والاعتراف بها لدرجة كبيرة، لدرجة أنك قد تجد مثلاً أحدهم يقول أنه قد أخذ دكتوراة في “التخاطر” Telepathy.
وأما الشئ الأغرب فهو انتشار علوم الباراسيكولوجي على قنوات اليوتيوب، والمزعج أن من ينشر ذلك مدربين تنمية بشرية. وإذا حدث في الماضي وكان من يستخدم تلك التقنيات لإئات نادرة منهم، صار حالياً يتواجد غالبية عظمى من مدربي التنمية البشرية يلجأون للترويج للرسائل الضمنية Subliminal Messages لعمل توكيدات نفسية يدعون أنه من شأنها زيادة الثقة في النفس، وقهر اليأس والاكتئاب، والأدهى من ذلك، أن لديها القدرة على أن تجعل ما يقوم بها قادراً على تعلم اللغات الأجنبية، وأي فرع من العلوم دون أدنى مجهود. وبالتأكيد، كل ما نسمعه هذا لا يعد إلا ضرباً من ضروب السحر الذي لا يمكن تصديقه. وأكثر من هذا، فأغلب ما يتم ترويجه من ممارسات لا تمت للرسائل الضمنية بصلة، ولكن أغلبها يمكن تصنيفه تحت علوم الباراسيكولوجي.
ولو كان ما يسمى بالرسائل الضمنية Subliminal Messages المقنعة تتم على أيدي شراذم تسمي نفسها بالمتخصصين، لكن انتشر أيضاً كالنار في الهشيم قنوات على اليوتيوب لتعليم التخاطر، واستحداث أساليب له لتنفيذ آمال لا يمكن تحقيقها بشكل مباشر. وتلك القنوات مملوكة لأشخاص مجهولي الهوية غالباً، يتصنعون صوتاً بشرياً مميزا، ولا يمكن رؤية أشكالهم؛ لأنهم يفضلون إبقاء هويتهم مخفاة عن الأنظار.
وهذا الأمر مثير للريبة. فعلوم الباراسيكولوجي منذ بداية الاهتمام بتصنيف وتنسيق علوم الطب النفسي، تتم في شكل مستتر. لكن انتشارها العلني في كل الدول وجميع الثقافات — صار أمراً يتوجب تناوله بالبحث والاستقصاء. فكما هو واضح، هناك محاولة من دمج علوم الطب النفسي مع علوف الباراسيكولوجي – والتي كانت تسمى قديما ب”الطب الزائف” – للوصول لمرحلة التجريب المفقودة في علوم الباراسيكولوجي. أضف إلى ذلك، القدرة على خلق بشر قادرين على التواصل بدون أجهزة مادية، وكذلك قادرين على كسر حدود الزمان والمكان عند جمع المعلومات، وكذلك تجاوز الحدود المادية عند تحريك الأشياء المادية وإعادة تشكيل صورتها – وذلك أمراً مثيراً للقلق، والغضب في آن واحد. ففئران التجارب لم يصيروا حبيبسي جدران المعامل، لكنهم انتشروا ليشغلوا جميع أرجاء الأرض، وكأن إرادتهم قد سلبت منهم، وتم استعبادهم للقيام قسرياً بتجارب نفسية، وكأن رأيهم لا يمكن الاعتداد به.

لا تعليقات

اترك رد