نسيم طالب : الكورونا ليست ” بجعة سوداء ” جزء ثاني

 

وباء الكورونا ليس بجعة سوداء:
لماذا عام 2020 لا يُماثل عام 2008
أيّ القطّاعات والمشاريع التي يجب دعمها حكوميا وأيها لا يجب أن تُدعم؟ فمع أزمة الكورونا تحين ساعة حزم الإنقاذ، ولا يجب أن نخلط بين الإعانات المالية المقدّمة للأفراد وما يحتاجونه، وبين المساعدات المالية المقدّمة للمشاريع التي نحن نحتاجها في واقع الأمر.
فالحكومة الأمريكية حزمت أمرها بتقديم حزمة مساعدات لشركات الطيران، وشركة ” بوينغ ” لصناعة الطائرات وباقي الشركات المنكوبة بالأزمة في هذا القطّاع. بالتأكيد نحن نرى أنّ إنقاذ هذه الشركات تقتضيه الضرورة، لكنّ تنفيذ هذا الإجراء لا بدّ وأنّه ستعقبه مشاكل أخلاقية واقتصادية هيكلية. بالعودة لتاريخ هذا النوع من حزم الإنقاذ، سيتيقّن المرء أنّها حقيقة منتظرة.
من يملك، يُمنَح
مُنح المساعدات المالية الحكومية التي رُصدت أثناء الأزمة المالية، بين عامي 2008 و2009، أنقذت البنوك (والمصرفيين قبل الجميع). ويدينون بالفضل في هذا لوزير المالية الأمريكي آنذاك ” تيموثي غايتنر Timothy Geithner “، الذي دافع عن كوادر المؤسّسات المالية، سواء ضدّ الكونغرس أو ضدّ أعضاء إدارة أوباما.
المصرفيّون الذين أهدروا أموالا أكثر ممّا كان قد تمّ جنيه في مُجمل تاريخ المؤسّسات المصرفية، تمكّنوا بعد عامين فقط في عام 2010، من الاستفادة من أكبر قدر من المُنح التي تمّ توزيعها، في تاريخ المؤسّسات المصرفية حتّى تاريخه. ملفتٌ للنظر بما يكفي: بعد أعوام قليلة فقط، بدأ تيموثي غايتنر العمل في منصب عالي الأجر، في القطّاع المالي.
كانت هذه حالة صارخة من اشتراكية الشركات، حيث تنالُ صناعة ما أجور إدارتها بضمانات من دافعي الضرائب، بل وكوُفئت كذلك.
إنّ عدم التناسق بين الجانبين الإيجابي والسلبي ـ العواقب الأخلاقية (خطر أخلاقي)، وهو ما نسمّيه بديلا اختياريا، كخيار مجّانيّ إضافيّ حرّ لأجل المصرفيين، يتجلّى وكأنّه رمي لعملة معدنية. الطُرّة: فوز المصرفيين. النقش: خسارة دافعي الضرائب.
عدا ذلك لم يتمّ تضمين السياسة النقدية التوسّعية، التي أدّت لتضخّم الأصول، وفاقمت من اختلال التوازن، الذي خدم الأثرياء مسبقا. ضعوا في الاعتبار أنّ حزم الإنقاذ تحقّق كذلك المزيد من التداول النقدي. هذا يقلّل عمليا من مداخيل الطبقة الوسطى، في حين وخلافا لهذا تبقى الموجودات (الثروات) كالشقق الفخمة في نيويورك أقلّ تأثّرا بذلك.
مساعدة الخطّائين
أوّلا، يجب ألّا نساوي بين شركات الطيران الموجودة فعلا وهياكلها المالية. ثانيا يجب ألّا نساوي بين مصير موظّفي شركات الطيران هذه، ومصير مواطنينا، من أولئك العاطلين عن العمل: هذه الفئة يمكنها التقدّم بطلب التعويض المباشر، ولا يتمّ تعويضها بطريقة غير مباشرة، بما تبقّى من أموال إعانة الشركة. بعد تجربة غايتنر يجب أن يكون واضحا لنا، أنّ الإعانات المالية للأفراد يجب أن تتمّ وفقا لقاعدة ما يحتاجونه، وليس وفقا لذات القاعدة المتّبعة في الإعانات المالية المقدّمة للشركات، على أساس أنّنا نحن من نحتاجها.
إنقاذ شركة طيران، لا يستوجب أن ندعم المساهمين فيها ومدراءها بالمال، فهذا يُزيد أكثر من المخاطر الأخلاقية في المجتمع. فحقيقة أنّنا نُنقذ شركات الطيران تُظهر بوضوح أنّها مشاريع مشمولةٌ بالرعاية. فإذا كان في وجودها ضرورة للمجتمع إذا، فلماذا تتمتّع إدارتها بحق المفاضلة الاختيارية؟ هل يوجد نظام مكافآت للموظّفين الحكوميين أيضا؟
ذاتُ الحجّة يمكن توسيعها لتطال القطّاع المالي. يجب ألّا يُمنحوا وفقا لإجراءات الإغاثة غير المباشرة، حيثما تكون الأدوات المالية كصندوق التحوّط واستراتيجيّات الاستثمار عرضة للمخاطر. فهناك لا تُلحظُ أيّة استراتيجية صادقة، من شأنها أن تحدّ من المخاطر، بل ثمّة رغبة ساذجة تتّكل على الله، في أنّ الدولة ستقوم بتصويبها.
احتياطات بدلا عن الديون
علاوة على ذلك، تنتهج هذه الشركات ذاتها سياسة كسبٍ فعّالة من حزم المساعدات، وبنجاح، لأنّها على العموم قوّية بما يكفي، للضغط باحترافية على الحكومة. لكن كيف تبدو الحال مع صاحب ذاك المطعم الصغير في تلك الزاوية؟ المرشدة السياحية المستقلّة؟ مدرّب اللياقة البدنيّة؟ مختصّ التدليك أو مصفّف الشعر؟ بائع السجق أمام متحف المتروبوليتان Metropolitan؟ هذه الفئات المهنية لا جماعات ضغط لخدمتها، ولا أحد يهتمّ بمطالبها.
نُشير كذلك، ومنذ عام 2006، إلى ضرورة أن تؤّسّس هذه الشركات للاستثمار في الاحتياطات، بدلا من أن تقوم بالاستدانة، ووجوب تكوين وسادة ماليّة. فالخليقة تمنحنا كليتين، رغم أنّ واحدة منهما ستكون أكثر من كافية. لماذا؟ بسبب إمكانية حدوث طارئ، وفي نهاية المطاف الصدفة. لا يتعيّن علينا التكهّن بالشدائد الطارئة النوعيّة واختبارها مرة، حتى نوقن أنّ الاحتياطات تشكّل ضرورة ملحّة.
هذا يُعيدنا إلى مشكلة عمليات إعادة شراء الأسهم. لماذا علينا إنفاق أموال دافعي الضرائب، حتّى تتمكّن الشركات من الخروج من مأزقها، وتقوم باستثمار أموالها (ودوما حتى بما فيه المال المُستدان) في أسهمها الخاصّة، حتى يمتلك وكلاء الشركة ومدراؤها في الواقع خيارات مجّانيّة، بدلا من خلق احتياطيٍّ للأيام العصيبة. عمليات الإنقاذ من هذا النوع تُعاقب في النهاية أولئك الذين يتصرّفون بروح المسؤولية، وتُلحق الضرر بهم على المدى المنظور، في وقت تكافئ فيه الحمقى والجِشاع (جمع جشع).
لا ” بجعة سوداء ”
يصف البعض الوباء، الذي خلق الدوافع لإقرار حزمة مساعدات لصناعة الطيران، بأنّه ” بجعة سوداء “ـ وبأنّه حدث غير متوقّع ومنتظر كلّيا، لم يكن هنالك من استعداد مسبق له أو مقوّمات لتبريره. إنّهم يُشيرون بهذا إلى كتاب ” البجعة السوداء ” الذي كتبه أحدنا.
لو كان صحيحا أنّهم قرؤوا هذا الكتاب، لكانوا عرفوا أنّ وباءا عالميا تمّ تشخيصه هناك بوضوح مبين كبجعة بيضاء ـ كحدث سيحدث على وجه اليقين في وقتٍ ما. هذه الأوبئة لا مفرّ منها، فهي تنتج عن بنية العالم الحديث، وتبعاتها الاقتصادية غدت أكثر خطورة بسبب ازدياد التضافر والتشابك والإفراط في البحث عن التحسين لدرجة مثلى.
وللعلم: فحكومة سنغافورة، التي اعتمدتنا آنذاك كمستشارين، كانت قد استعدّت منذ العام 2010، بخطّة مفصّلة لمواجهة وباء ما.

ترجمة: عبد الحميد محمد

لا تعليقات

اترك رد