منهل الجبوري.. ورحيل نافِخ الروح في الأغنية

 

رحيل الطائر الحزين من ارض البرتقال, من غير رسالةٍ أو وداعٍ مسبق لذلك, رحل مع الريح قبل طلوع الشمس على بساتين ديالى العامرة بالحمضيات وسقائف العنب والموت المعلّب, رحل قبل أن يحل المساء على مواويل العتابة الطائر الذي أتعبه السفر إلى الغد الأجمل.

المشكلة كانت دوماً في البدايات لا أعرف أي مفردة أو عبارة أبدأ بها الآن حتى أرثيك يا شقيق الروح الذي نأى عني, هل استهل مرثيتي هذه بمقطع أغنية ما, هل أبدأ معك بالحديث عن الرفاق عن علي الكرملي ومحمد انبار وبلال السلمان وياسين الفهد واحمد البرو, هل أخبرك كيف يبكيك كل هؤلاء الصحبة وانا, مثل الأمهات المفجوعات نبكيك, مثل العصافير التي نثرت اعشاشها العاصفة, مثل النوارس التي سيجف نهرها في المساء, مثل آلة العود التي تُكسر في مدينة متطرفة, مثل الطرق التي لا تؤدي إلى الأمنية, هل أخبرك أم أعتذر منك عن قلة أدبي حين صدقت أنك مت, وأننا لم نفترق ولكننا لن نلتقي أبداً.

لا أعرف لِمَ اختارني الوقت أو الصدفة من فعلت ذلك وربما شيئاً لا يسمى, ان أكون أول من يعرف بنبأ رحيلك عن دنيانا, ربما لأننا شبيهان في الحزن والأسى ولون الوجه, حاولت كثيراً أن أجد يقيناً أو ايماناً أتمسك به لأنفي خبر موتك ولكن كل الأصابع كانت تشير إلى انك أصبت بالحياة فنزفت أحلاماً وأملاً وأغاني, أيها الطائر الذي حط بقلبي فنسى كيف يطير مرة أخرى, لا تذهب ولا تحاول أن تستعيد كلام الرحيل, دعك منسياً هنا لا مكان ولا شجرة ولا شاطئ أخف لك من حديثٍ يجمعنا تحت ليل بغداد, عن الجنوب والحب والريف.

أرجع وقل أن ما كان مزحة فقط لأرفع الضغط لديكم, أرجع ولا تقلل من قيمة الأيّام التي كانت أطهر ما في العمر الذي عشناه برحيلك, أرجع لا تدعني أرثيك بالذكريات والصور التي ملأت الهاتف, لا تجعلني أخاف بأن أسمح لأحد بالتقرب مني خوفاً من الخسارة, فالوقت ليس مناسباً للموت, هذا الوقت لمراسلة الحبيبة هذا الوقت للسباحة في الفرات, هذا الوقت مناسباً للكتابة عن الطبيعة وصفائها في سنسل, صدقني انه وقت الحياة التي لم نتعرف عليها بعد بينما أنت رحلت.

لم أحسب أن الأيام ستجعلني أكتب عن موتك أيها النهر الفائض بالضحك, في ميلادك الـ 24 قلت لك أو أرسلت لك أنني أكتب إليك الآن حزني من مدينتنا الكالحة الشاسعة دون معنى, المدينة التي تفتقر النساء بأثوابهن القصيرة, المدينة التي قرأت تاريخها ونواياها أكثر مما فعلت مع أسماء من ضيعوني, هنا غرب الحدود أقصى ما أفعله أردد أغنيتي الجنوبية الحزينة, وأكتب عن الشعراء الذين ماتوا قبل أن تقرأ حبيباتهم ما كتبوه أليهنَّ في البرد والحرب وأثناء الصلاة من قصائد منظومة بطينِ الله الخام. أستقبل الصباح بحفناتٍ من البؤس بلا سجائر أو رسالة صباحية من شخصٍ أحبه, بلا أمنية عن الآتي من الأيام البعيدة, ينتهي المساء بلا عبوة بيرة, وأنت الوحيد الذي تعرف ما معنى أن تكون عراقياً وانت لست من السكارى, المساء الذي ينقصه الخمر ليس إلا تحضيراً لصباحٍ مفخخ, ليس هناك أقسى وأشد إيلاماً من أن تكون صاحياً وسط الرذيلة المصبوغة بمبدأ الفضيلة, تتذكر ما غنيناه من أغانٍ وما قرأناه من القصائد, والأحاديث الطويلة عن المستقبل المغتصب، صديقي صاحب المِزاج البرتقالي جداً كأشجار ديالى، سنة حلوة يا جميل مثل مساءً بأغنية حزينة وعبوة بيرة وقصيدة عتاب مع الله لعبد الأمير جرص.

أنت البدء إلى فكرة المستقبل الذي يستخسر بنا الحياة النصف وردية التي يُكتب عنها في القصص, القطرة التي أقنعت النبع بالسفر طالما هناك اشجار حور وعازفو ربابة على الطريق, أنت خالق لحظة النور في وجه من أحبوك, المسافر الذي نسى كل شيء يخصه في محطة ارواحنا, أنت الصورة الإضافية التي ستزيد طين الذاكرة جوعاً إلى النسيان وتفشل هكذا تفشل ككل الذين يحبون. لو أنك بقيت فترة أطول هنا على هذه الأرض ربما سيَصدق محمود درويش ان عليها ما يستحق الحياة, لو أنك بقيت فترة أطول هنا كنت حظيت بحفل توقيع كتابي الذي لطالما انتظرته وخلقت أكثر من قصة وكذبة بين الأصدقاء لإجباري على إكماله, يا له من خائبٍ من أوجد الشِّعر الذي لا يمكنه ارجاعك إلى نص قصيدة الحياة يا لها من خيبة للشَّعر أن يخسر صورة شعرية مثّل سمارك. إله الحياة لما الموت دائماً, الموت هنا أكثر من الخبز والأغاني حتى الحبيبات لا يعرفنّ لما الموت دائماً يطرق باب العمر، لا يعرفنّ كيف يموت الحب وهو قبل أيّام تعلم القراءة وعرف كيف يقول أحبك بغير تلك الطريقة الريفية الخجولة، إله الحياة لما كل هذا البؤس؟

من سيطفئ المصباح ليلاً وقتما يغني عادل مختار(علميني شلون أنسه) من سيطفئ المصباح ليلاً حين تغني وحيدة خليل(امس واليوم ما مروا عليه) من سيطفئ المصباح ليلاً عندما يغني رياض احمد(مرة ومرة طبعك صاير, مرة ومرة) من سيطفئ المصباح ليلاً لو قرأ خضير هادي شعراً شعبياً(أنت بس تلمسني, أموتن بين يديك) وعبثاً سائلاً خضير قلبه: (يا قلب.. أريدك قوي) لكن أي قلب يبق قوياً والموت أطفئ المصباح ليلاً ونحن في طريقنا أليك أيها الصباح المعبأ بالفيروز، أيها النبع الصافي. موّدع بالله يا برد ليال الكرادة داخل، موّدع بالله يا ضحكتي التي أنكسرت حينما لم تعد على شواطي دجلة تَمر يا منيتي وقت الفجر, موّدع بالله يا شغف الشِّعر ويا نافخ الروح في الأغنية, موّدع بالله يا رفيق الأيّام التي لا تنسى ولا تعود مرة أخرى.

المقال السابقبَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ وَلَا حَجْرَ
المقال التالىقد أتيت
أيوب الهزيم.. كاتب وصحافي عراقي، يشتغل على نشر خطاب السلام، باحث في تاريخ العراق وحضارته، مهتمًا في تاريخ الأديان، يكتب بالعديد من الصحف العراقية، بالإضافة لكتابته القصة القصيرة، حامل بكالوريوس إعلام، من جامعة بغداد.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد