بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ وَلَا حَجْرَ

 

راد د. سلطان بن محمد القاسميّ حاكم الشّارقة مشروعا ثقافيّا متميّزا وهو تأسيس بيوت الشّعر بالوطن العربيّ؛ حُلُما أن تبلغ الألف فهي ملحمة تُبدع الأمكنةَ سماواتٍ من فنّ ورؤى تغنّيها القصائد وتشدوها الأرواح. بيوت تترى، قصيدة تؤلّفها الأشواق والفِطَن: بيت الشّعر بالشّارقة (الإمارات)، بالمفرق (الأردن)، بنواكشوط (موريتانيا)، بالأقصر (مصر)، بالقيروان (تونس)، بالخرطوم (السّودان)، بتطوان، بمرّاكش (المغرب)… وللقريحة صوبٌ لا يني.
والقيروان ” أمّ الأمصار وعاصمة الأقطار” مدينة من شعر شهد البديع نزار قبّاني أنّها ” أوّل مدينة عربيّة ترتكب فضيحة حبّ الشّعر… وحبّ الشّعراء…تعلّق قصائدهم كأسوار الفيروز في معصميها وتكتبها بماء الذّهب على قميصها…”
القيروان ” نزهة المشتاق” مدينة من حُلُم؛ تنتابك إن زرتها أحلامٌ تفجأ يقظتك فأنت في خدر لذيذ؛ تلتقي ذوي الأفنان خيطا من ضوء يُشرق في ألق الفكرة فإذا هم إليك وجود بهيّ خلّاق، وتجلس إليهم فيرتفع بك الإبداع إلى ذُرى من فنّ وجمال وأنت بين لَسِنٍ فَيِّهٍ وثَبْتٍ حُجّةٍ وطَرْفٍ بِدْعٍ.
بالقيروان تصافح مكانا أبدعه المكان؛ بيتَ شعرٍ فيه من سحر القيروان وعبقها وتراتيل شعرائها وأناشيدهم، ومن تالد الفنّ وطارفه، ومن أصداء أصوات تردّدها القباب والمآذن والزّخرفات ما “تتّسع له الرّؤيا وتضيق العبارة”. كما أبدعت المدينة العتيقة بتونس “بيت الشّعر التّونسيّ” الأعرق والذّاهب في حنايا الذّاكرة.
انظرْ تر ذلك في أصابيحَ توقّعها الأشعارُ والأوتارُ، وفي أماسيّ يأنس فيها النّادي إلى أقباس وأسمار من لدن أصفياء أبْيِنَاء من أهل الفنّ والشّعر والأدب والفكر، وفي أطفال يحلّقون بأجنحة الشّعر بعيدا في فضاءات من ذوق وشوق، تجري على ألسنتهم عيون الشّعر وتبرق على شفاههم لآلئ الكلام…
الشّعر هذا الطّائر المحلّق بأجنحته في فضاء العبارة الرّحب يمضي بعيدا في مجازاتها وأخيلتها ورؤاها، طائر يشرع الأرض إلى سمائها وينثر الرّبيع في بستانها.
طائر تستعير الكلمات جناحه فتطير خارج الحدود والقيود تخرق الحجر والحظر والأبواب الموصدة والقلوب المقفلة والأنفس الشّح لتعيد ترتيب الحياة وتأسيس الوجود.
الكلمات بين يدي الشّعر يوشّحها الضّوء المندلق من كُوى الرّوح الشّاعرة، ويوقّعها رفيف اللّون في العين العاشقة، ويعمّدها شَجْوُ الوجع في الحروف الواجدة.
الكلمات بين يدي الشّعر فتنتك عن نظرة ترى مرئيّها إلى نظرة تبدعه، وعن يد تدرك ملامس الأشياء إلى يد تحرّك فيها بذرة الشّوق وأصداء الحنين وروعة الألفة، وعن عقل يحدّ ويسنّ ويحكم ويصف إلى لبّ يشعُر ويرى و”لُبُّ الرَّجُل ما جُعِل في قَلْبه من العَقْل”. فإذا الحروف تمتدّ فيك مدودها، وإذا حركاتها هِزّتك، وإذا العبارة تُجهدك شواردها، وإذا في نقطة الحبر سَبْحُك الطّويل، يقظتك على غنى الإنسان فيك أوساعا لا تحدّ ومجازا إلى وجودك الحيّ الخصيب.
الكلمات بين يدي الشّعر أرواح تطلب الأنفس الشّفيفة تُحييها وتحيا بها، عوالم ممكنة تقدحها الأخيلة، نِعَمُ يتقلّب فيها القائل والسّامع هناك حيث البديع والخالب والتّخوم والمستحيل والمفارق والاستثنائيّ والملتبس والغامض والمدهش والغريب، بساطك إلى رحابة الوجود وأقاصيه، شوامخُ تعلوها تتأمّله وتصغي إليه، عبارتك عن نفسك في متقلّب أحوالك وخطّك الباقي على وجه الزّمان.
بيت من الشّعر قدّ من لغة تكون بها وفيها، موقّع بأصابعك الملتهبة لجذوة الحرف، متوهّج بأنفاسك الحرّى، موتود في شعاب الأسئلة المارقة، نافذ إلى البواطن والسّرائر، عارج بك إلى رؤاك الفريدة.
كم نحتاج إلى الشّعر يعطفنا على الحبّ والخير والجمال، ينقذنا من أوصاب العالم وعلله، يرتفع بنا عن اليوميّ والسّاذج والتّافه والعابر.
كم نحتاج إلى الشّعر حتّى يتسلّل الضّوء من جراحنا إلى أرواحنا، وحتّى ندرأ العلّة الّتي تُميتنا بالعلّة الّتي تحيينا، وحتّى نُشرع القلب إلى ضوء يحمله الصّباح، وحتّى تهفو الأنفس إلى عطر الأرض وضوع الأقاح، وحتّى ترقص الجوانح للنّغم الموقّع في الخلجة والرفّة والخطوة، وفي الحواسّ تتراسل وفي القلوب تتخاطر وفي الآمال تجمح وترعوي…
ما كان لبيت الشّعر أن لا تُضاء قناديله وأن لا تصدح بلابله وأن لا يرتفع نشيده وهو الّذي يقدح من المِحَن نار العزم، ويُنبت في ظلمة اللّيل لألاء النّجم، ويمدّ في الهجر أشواق الوصل.
ها هو ذا بيت الشّعر بالقيروان يركب الضّوء إلى سمّاره، يعود ناديه في حَجْرِهم الصّحيّ يُهديهم سماء ترحل إليها العيون، وفضاء يتّسع مدى شوق وخيال، ومآدبَ من كلام تهفو إلى قطافه الأفئدة والبصائر.
هلمّوا إلى صفحة ” بيت الشّعر القيروانيّ” (1) في هذه اللّجّة الزّرقاء تظفروا بقصائد حوريّات يجدلن أشعارهنّ بخيط من ضوء ودفق من ماء، وتجلسوا إلى أدلّاء الحروف المهاجرة خارج المعاجم الأليفة الوديعة وخارج سطوة النّحاة والنّقّاد وآلاتهم الصّدئة. وتجوسوا أنفسَكم تستقصونها في عبارة تقولكم وتقول عنكم.
نخبة من الشّعراء من تونس وخارجها يدعونكم إلى مجالسهم يعقدونها وإن نأى المكان بهم وبكم، يؤلّف بيت الشّعر بالقيروان – وعزّ من كان له السّبق- أصواتَهم وأنباضَهم نغما فريدا أنتم على موعد معه كلّ أسبوع أو نحو ذلك تشهدون ناديهم على منصّات التّواصل الاجتماعيّ أو عبر القنوات الخاصّة ببيوت الشّعر على “اليوتوب”(youtube). فإن فاتتك من الشّعر بعض رياحينه عدت إلى حدائقه المعلّقة بالسّحاب تستمطره فيهمي. ولك في ” برنامج بيوت الشّعر” بتلفزيون الشّارقة خلاصة أنشطة البيوت لا تني ترفع للثّقافة عمادا وتشحذ للفكر قريحة.
قلت لصاحبي ذات حديث عابر: هل تقرأ الشّعر أو تسمع له؟ إن لم تفعل فكيف –إذن- تذكو وترنو وتسخو؟
أتشكو الحَجْرَ؟
بيتٌ من الشِّعْرِ خلاصُك من الحَجْرِ.

لا تعليقات

اترك رد