رحلة بحث عن … إنسان

 
اللوحة للفنان علي رضا سعيد

توكأت على حُلمها القرمزيَّ وهي تتأمل من شرفة غرفتها المطلّة على البياض أسرابَ العابرين في شوارع المدينة ينتعلون الخوفَ ويُخفون وجوهَهم وراء أقبِـيَةِ السّؤال٫ يسارعون الخطو باتجاه محلات المواد الغذائية يتهافتون لاقتناء ما يفي تخمتهم لإكمال مشوار الحياة٫ وباتجاه المخابز يصطفّون من أجل رغيف أو أكثر يجابهون به الموت الجاثم قرب قلقهم أنهكها مشهدُ الموت يلاحق أفواههم وبطونهم المتخمةَ باللّهفة المحمومة قواريرُ الماءِ المحمولة على أكفهم تعكس أزيز الحزن وتنبعث منها رائحةُ الفردانيّة المقيتة … كرتونات الدقيق والمعجّنات تتأوّه وهي تُحمل على نتوءات أكتافهم الملطّخة بالغباء
تزاحمت بداخلها الأسئلة: هل نحن من يقتات من بضائعهم أم هم من يقتاتون من جهلنا؟ أنخشى الفيروس الحقيقي أم نخشى أنفسَنا؟ أنحن جسدٌ واحدٌ يتداعى إذا اشتكى منه عضو أم نحن الفرد الذي لا يُجمع ولا يجتمع؟ قد يليق بنا الموت في حضرة صفقات الموت
انزوت في ركن من شرفتها لتسقي قرنفلة تشرئب بتلاتها نحو الضياء رأت خطى اللّاشيء تمرّ بحزنها القديم .. سمعت هسهسات الحياة من مآذن تدعو إلى ملازمة الحياة تمتمات عجوز تدعو بانجلاء الغمّة …
هناك في عتمة الطريق حكيم يراقب المنخرطين في تجارة الموت يتفنّنون في ابتكار أغنيات جديدة للربح الوفير .. يصمّمون أكفانا جديدة لها جيوب تسع جشعهم
يقول الحكيم وهو يوارب باب الحقيقة قليلا : كلّ أوبئة العالم تقتات من فردانيّتنا .. من جهلنا المُكوّرِ .. من طينة تشكّلت في هيئة إنسان نسي اللّه أن ينفخ فيه من روحه
تنهّدت ومدّت يدها تأخذ كتابا من على طاولتها المنتصبة فوق الضياء ٫ فتحت صفحة كُتِب عليها بخطّ بلّوري جميل : الموت سبيلنا إلى الحياة ضحكت وبداخلها جرح يرمّم نزفه لِمَ لا تعي العقول الجامحة أنّ الحبّ مفتاح الحياة وأن الوباء لا يعشّش في خلايا القلوب العاشقة ..
أخذت قلما بلون دمعتها الورديّة٫ وكتبت على بتلات قرنفلتها : “أنا امرأة عاشقة”
نَمَت القرنفلةُ والتأمَت جراحُ الماء … لكنّ الحكيمَ ترك لحيته البيضاءَ معلّقةً على معصم وردةٍ ذاوية .. تأبّط حكمته وذهب مع طوابير المتدافعين يبحث عن رغيفٍ وعن … إنسان

لا تعليقات

اترك رد