الأحكام العرفية ودورها في حل المنازعات في مصر

 
الأحكام العرفية ودورها في حل المنازعات في مصر

إذا كان القضاء العرفي هو وسيلة متعارف عليها في مصر للتحكيم بين الخصوم وأحكامه لها قوة الإلزام الفاعلة بين العائلات الكبيرة والقبائل بمصر كيف نشأ القانون العرفي في مصر ؟ للتأصيل التاريخي ، وفي حوالي القرن العاشر الهجري، وبالتحديد في عام 1064 من الهجرة اجتمع زعماء القبائل لإعداد دربة أولاد علي، والذي يعد بمثابة قانون ملزم لجميع القبائل باعتباره صمام أمان بين أبنائها يقضى بينهم في كل مشكلاتهم وأحوالهم المدنية والشخصية، وجميع قضاياهم من الجنح إلى الجنايات.
إن السبب في أن البدو يعملون به هناك يرجع إلي الحياة البسيطة الخالية من التعقيدات، التي يعيشها البدو من قديم الزمان وهي الحياة التي دفعتهم إلي التمسك بالقضاء العرفي لسهولته وسرعته في الفصل بين المتنازعين».
فإن حفظ الأمن والنظام لم يتأتي في البقاع التي تسكنها قبائل أولاد علي إلا بعدما ظلت الدربة سارية المفعول في كل الظروف وعلى مختلف الأحوال. والقانون العرفي الذي يحكم المعاملات بين الأفراد له أكثر من 65 بندًا، حيث يفصل بين الأفراد والقبائل في كل أمور الحياة كالقتل الخطأ وقتل القريب، وقتل الحيوانات وشهادة الزور والإرث.
ومن القواعد والبنود الرئيسية في القانون العرفي الذي طالب الكثيرون في الصحراء بتفعيله هذه الأيام بعد حالة الانفلات الأمني في أغلب محافظات مصر (الشرع) حيث يأتي الحسم بين الأطراف المتنازعة بالرجوع إلى الشرع الإسلامي و(الميعاد) أي تحديد المكان والزمان الذي سيتم فيه الفصل في القضية ولا يجوز التخلف عن الميعاد ولا مخالفة الحكم إلا بالاستئناف في مجلس آخر. القاضي العرفي أو( المرضي) وهو رجل من أولاد علي يتصف بالأخلاق الحميدة ذو فكر صائب على دراية وخبرة بدربة أولاد على ليتمكن من النظر في النزاعات المختلفة، وغالبا ما يكون الحكم فيها بمبالغ مادية أو بالذبائح التي لا مناص منها حتى يرد للشخص المعتدى عليه اعتباره بين أفراد قبيلته.
فإن هناك ما يشبه الإجماع علي الأحكام التي يصدرها القضاء العرفي عموما علي سبيل المثال فإن الشائع في أحكام القضاة هناك هو دفع الدية حتى في جرائم القتل، التي تمثل حساسية شديدة هناك كما تفرض الدية في معظم القضايا هناك.
تبدأ الإجراءات بتدخل وسيط محايد للتقريب بين أطراف النزاع ويستضيف جلسة الصلح في منزله وتعقد بحضور كبار العائلات المتنازعة ويتكفل الطرف المخطئ بتقديم المأكولات والمشروبات وواجبات الضيافة، ويلتزم كل طرف باحترام القاضي ومراعاة حرمة مكان التقاضي وعدم الاحتكاك فيما بينهما وإلا وقعا في مشكلة أكبر من القضية ذاتها . ومع تعدد المساحات والحدود كان قاضى الذي ينظر قضايا خاصة بحدود الاراضى الزراعية والمراعى والاراضى الموروثة وإثبات ملكيتها عن طريق الاستعانة بـ«أهل النسب» وهم الأشخاص الذين لهم معرفة وطيدة بأصحاب الأراضي ومن آلت إليه عن طريق الميراث أو البيع أو الشراء فهم بمثابة «سجل عيني» وامتداد لمصلحة الشهر العقاري والتوثيق إن هناك ضمانات لتنفيذ الأحكام في صورة شروط جزاء وإيصالات أمانة “علي بياض” يحتفظ بها صاحب المكان “الميعاد” وهو مستضيف جلسة الصلح، كما يحتفظ بمحضر الصلح ومحضر الجلسة, وللمحكمين التصرف وأخذ القرارات حال العودة للنزاع, و إن عددا قليلا من النزاعات وقعت بعد أحكام العرف وتدخل المحكمون لحلها وتوقيع الجزاءات علي أطرافها. إن القضاء العرفي ظهر في المجتمع البدوي وتجذر هناك، نظراً لبعد هذه الأماكن عن المدن وحاجة الناس إلي قضاء سريع يفصل بين منازعاتهم. علي أن القضاء العرفي المنتشر في سيناء يجد طريقه إلي مدن الوجه القبلي أيضا، التي يؤمن الأهالي فيها بالمثل الشعبي الذي يقول «اللي اشتكاك عاداك»،
ولذلك فهم نادراً ما يلجأون للقضاء العادي ويحاولون أن يحلوا مشاكلهم عن طريق القضاء العرفي إن القضاء العرفي ينتشر في القرى تحديداً، خاصة في مجال الخلافات الزوجية عملاً بالنص القرآني، الذي ينص علي «حكماً من أهله وحكماً من أهلها» حفاظاً علي العلاقة بين الطرفين، التي من الممكن أن تفسد إذا لجأ الطرفان للقضاء العادي.
كما ينتشر أيضاً القضاء العرفي في جرائم القتل وقضايا الثأر نظراً لصعوبتها وحساسيتها حتى في حالة عرضها علي القضاء العادي، الذي غالباً ما يصدر أحكامه فيها بالحبس فقط لأسباب كثيرة، وهي أحكام عادة لا ترضي أهل القتيل فيلجأون للثأر بأنفسهم، وبذلك تنفتح حمامات الدم بين العائلات لسنوات قد تطول بصورة لا يمكن تصديقها، و تبرز أهمية القضاء العرفي في الفصل بين هذه المنازعات فيتم الاتفاق مع العائلتين علي عقد الجلسة وبعدها عادة ما يصدر الحكم بـ «القودة»
أما فيما يخص قضايا القتل والثأر، فيكون بها مُحكِّم واحد، يدعى ‘‘مُنقِّع دم’’، أي أنه متخصص في قضايا الدم، وورثها عن أجداده، وهو أيضًا يسمع من الطرفين، ويخرج كاتبًا الحكم، والذي قد يكون إما الصلح وتقديم الكفن أمام جميع الأهل داخل صوان كبير، وإما الدية، التي يتم تحديدها حسب نوع القتل، فقد يكون القتل خطأ، أو دفاع عن النفس، أو كان المقتول مات أثناء تهجمه على أحد البيوت، أو قُتل أثناء مشاجرة في الشارع، وهكذا. وإذا كان المقتول امرأة، فديّتها توازي دية أربعة رجال، لأنها سيدة لا تقوى على الدفاع عن نفسها، كما أن لها حُرمة خاصة، ولا يجوز إهانتها أو ضربها.
وهي عبارة عن تقديم الجاني أو أحد من أهله إلي ولي الدم وهو يحمل كفنه علي يديه وأحياناً يوضع في رقبته حبلا ليجر مثل الذبيحة إمعاناً في إذلاله ويكون لولي الدم الحق في أن يعفو عنه أو يذبحه بيده غير أنه دائما ما يعفو.
إن القضاء العرفي موجود عند العرب والقبائل العربية وبعض مناطق الصعيد وهو يقتضي قدراً من التقاليد الراسخة عند هذه المجتمعات كما يتطلب أيضا قدراً من القناعة يجعلها ترتضي حكم القضاء العرفي أن بديل القضاء العرفي هو نظام التحكيم الذي يجد طريقه حالياً إلي القضاء العادي ويحتاج إلي نشر ثقافته في المجتمع، أن التحكيم لا يصلح في كل القضايا وإنما يجوز التحكيم فيما يجوز الصلح فيه وهي جميع المنازعات المدنية وعلي رأسها قضايا الثأر أما قضايا مثل الأحوال الشخصية فلا يجوز التنازل فيها علي أشياء مثل حضانة الأطفال. أن القضاء العرفي الذي ينجح في حل منازعات كثيرة في الأماكن النائية في حاجة لتصديق من المحكمة حتى يجد طريقه للتنفيذ وإلا قد يجد القضاة العرفيون أنفسهم أطرافاً في النزاعات، التي يفصلون فيها ويتم تقديمهم للمحاكمة في قضايا الشيكات
وحتى نظام التحكيم المعمول به حالياً في بعض القضايا في حاجة لتصديق من القضاء العادي حتى يجد طريقه للتنفيذ، لأن قرار التحكيم غير ملزم إلا عندما يصدر حكم من المحكمة بتنفيذه، رغم أنه قانون قديم، إلا أن الدولة بدأت تأخذ به بجدية كذلك الشركات الأجنبية والمصرية، التي تضع في تعاقداتها شرطاً يلزم الطرفين في حالة ظهور نزاع أن يلجأوا إلي التحكيم ومن الممكن الاستعانة بمحكمين دوليين وأجانب برعوا في هذا النوع من التحكيم أن التحكيم صورة من صور القضاء العرفي، الذي قد نجد صورة منه أيضا في محاكم الأسرة، التي تحاول أن تحل قضايا الأحوال الشخصية بأقل خسائر ممكنة.

لا تعليقات

اترك رد