خِذلانٌ لا يَصدأ عشوائيات في الحب – العشوائية 29

 

بعد إغترابٍ طالَ ، عُدتُ إلى عمان .عصرَ اليوم التالي لوصولي ، سمعتُ صوتاً مُنْهزِماً ، يُرَحِّبُ هاتفيا بعودتي ، ويقول : أنا رفيق عمرك ودروبك . أعْلمُ أن الأليق والأوجب أن آتيك . ولكن المرض يقعدني عن هذا الواجب . إعذرني إنْ قلتُ في أوَّل إتصالٍ لنا ، بعد سنينٍ عجاف ، مشتاقٌ لك ، وأنني بأمسِّ الحاجة للقياك .
عرفته فورا من تقاسيم صوته . بعد ساعتين كنتُ أعانقه ، وهو على كرسي متحرك . جلسْتُ قبالته لأسمع منه. سألته لِمَ هنا في بيت أبيك ، لا في بيتك ؟ ما بِكَ يا رجل ؟
قال بأسى : في بيتي هناك ، ضاق المكان عليَّ . كنتُ طيِّباً في زمان لمْ يَعُد فيه للطيبة مكان . قُلْ كنتُ على نِيَّاتي . وأظن أن كثرةً من الناس مثلي على نيَّاتِهم . باتَت الأسرةُ بنيةً ووظيفة ، هشة ًواهية . تُشَلُّ وتصدأ ، وقد تنتهي بلحظة ونحن عنها غافلون .
قبل عشر سنين ، وأنا على عتبة الستين من عمري ، لأسبابٍ كثيرةٍ خسرتُ مالِيَ . وتلَبَّسَني هَمُّ دينٍ وذُلُّه . وداهمني من كل حَدْبٍ وصوب ، فيضُ عِلَلٍ وأمراضٍ . السُّكَّرُ والسرطانُ أخبثها . أظنك تعلم ، آثار إستبدادِ الفقرِ والسكَّرِ والسرطان ، برجلٍ في العقد الخامس من عمره !!!.
مع ضياع مالي ، ساء مع زوجتي حالي . توقَّعتُ أنْ تُعينَني على الزمن . لكنها للأسف ، مع تبدُّد المال وضعفِ الفُحولة ، قلَبَتْ ليَ ظهرَ المِجَنْ . و باتت عونا لِعادياتِ الزمن عَليَّ . ولم تَكتفِ بتحريضِ أولادي علي ، بل وتُعَيّرُني بفقري وضعف فحولتي .
بعد خمسِ بناتٍ وولدين كلهم جامعيون ، وأكثر من ثلاثين سنة منْ رغد العيش ، لم تعُد تَذْكُرُ سوى أنَّها أنثى ، في عِزِّ صِباها كما تقول . بحاجةٍ لرجلٍ عَفِيٍّ وكَفٍّ يَهطل مالا . إنقلب كلُّ شيء في حياتي . أصبحتُ لا أحتمل تلميحاتها ، بل تؤلمني كثيرا .
لأتبين وأقطع الشك باليقين ، غربلتُ كلَّ ما كنتُ أبْصِرُ وأسمعُ من تحريضٍ ضدي . سرعان ما أدركتُ أنَّ عقول زوجتي وأولادي ، وقلوبهم وألسنتهم وعيونهم ، باتت خاليةً مني . نجَحَتْ أمُّهم في إقتلاعي من كل تضاريسهم الداخلية والخارجية . ساعَتَها بِتُّ في عيشةٍ ضَنكا . فرَحلتُ إلى هنا بيتُ أبي .
إكتظت صفحاتُ وجهِه ، بغيومِ أوجاعٍ وأحزانٍ وارفةِ الظلال . وبِتُّ أسمعُ وميضَ برقٍ ورعدٍ ، يتطايرُ من أصابعه المتصارعة . كان يلهثُ وهو يحاول الإمساك بزمام دمْعِه . إنحنيتُ وضممتُ رأسَهُ بين كفيَّ . قبَّلتُ جبهتَه إحتراما وإشفاقا . مسحتُ العرقَ المُتفصِّدَ منْ كلِّ تضاريسِ وجهه المُصْفَرِّ . لَمْ أجرؤ على نُطْقِ سُؤالي : ما بك تبكي مُرتعشا يا صديقي ؟
إلتقط ما يتوالد بين شفتي المزمومتين من كلام ، فعاجلني وكأنه يحمل أثقالا : أنهكَني المرضُ وبِتُّ مكسورَ الخاطِر . يُباغتُ روحيَ المُتصدِّعَة وجعٌ مُمِضٌ . يَحتلُّني خِذلانٌ لا يصدأ ولا يهدأ . قتلَ أشياءً كثيرةً فِيَّ . خوف الرحيل ، يتسرب إلى نفسي الآن ، بعد هذه الفضفضة ، أظنُّ أني راحلٌ عما قريب .
أكملَ وكأنَّه يرجو : إشتقتُ لزمنٍ كانت فيه عائلتي مُكتملةً ، ليس بينها غائبٌ أوغاضب . أنا مُرهقٌ بشوقٍ لأناسٍ لنْ أراهم . يا لقسوة قناديلي من الأبناء والبنات . ليتهم رغم تنكرهم يعلمون ، أنَّ شعلة الشوق لهم ما انطفأت يوما . وأكملَ بصوتٍ مُتهدج ، والدمع يبلل أطراف لحيته البيضاء ، أرجو أن لا تجرؤ على التخفيف عني ، بالمجاملة والتبرير .
إقشعر بدني من هولِ ما أسمع . دفنتُ رأسيَ بينَ كفيَّ وأطرقتُ لدقائق ، محاولا بصمتٍ تَهجِّي حيرتي . كَفْكفتُ دمعاً راودَني قبلَ أن أقول له : أحالوك يا صديقي مُسلسلَ خِذلان ، تفاصيله في بث متصل . أعلم أنَّ الخذلانَ سِجنٌ مُظلمٌ . كي لا تفقِدَ عقلَكَ فيه وتَنجحَ في مواجهته ، إتكئ على قدرتك وتخيل إيجابيات الوقائع والصور والأفكار ، لا على ما تواجه من عقوق متوحش .
أدْرِكُ صعوبة التصالح مع الخذلان المتذبذب . ومع هذا لا تدع قلبك يصدأ بالأسى . إمْضِ مُتناسيا مُتجاهِلا قَدْرَ ما تستطيع . فالتجاهلُ وقتَ الغضب ذكاء ، ووقتَ المصاعب إصرار، ووقتَ الاساءةِ تعقُّل . تَجاهَلْ العتابَ ومارس الهدوء . فأنت في أشدِّ الحاجة لممارسة السكينة .
راودتني رغبة موجعة في المغادرة . وعدته في أن أعود عصرَ غدٍ لإستكمال بقايا وشظايا الخذلان . عدت مُنكسرا إلى بيتي . وفي البال زيارةُ تَطَفُّلٍ وإستنارة إلى المشكو منهم ، زوجه وأولاده وبناته ، خشيةَ أن يكون صاحبي مُبالغاً أو واهما أو متجنيا . غفوتُ وأنا على هذا العزم . صحوتُ مبكرا ، مُكتئبا مما رأيت في منامي . أبصرت قمرا يراقص نجمة ، ويغيبان في حالك الغيوم . مع أول ملامسة لشفتي مع فنجان قهوتي ، إرتجفت يدي وأنا أمسك هاتفي ، سمعتُ قبل أن يسقط من بين أصابعي ، من يقول باكيا : البقية في حياتك . لقد رحل مع الفجر هذا اليوم ، حبيبك مرتقيا إلى ربه راضيا مرضيا ، وقد ترك لك مُغلَّفا مُغلقا بعناية . صلاة الجنازة ظهرا في مسجد الشريعة في اللويبده – عمان ، والدفن في سحاب .
إصطَفَفتُ خلفَ نعشه . بعد أن دعوت لنفسي بمثل ما دعوت له . إنحنيتُ على النعش أقَبِّلُه . وهمستُ للراحل : لَمْ تُخْلِفِ ميعادك مع ربك ، ولم أخْلِف ميعادي معك .
صديقي وداعا . سبقتني إلى رحمته ، إني بِكَ متى شاء الله لاحق .

المقال السابقحجري القسري
المقال التالىالنّصّ ومشكلة القارئ المسكين
الدكتور سمير محمد أيوب من مواليد حيفا 1942 أنهى دراسته الثانوية في مدرسة الفاضلية – طولكرم عام 1959 حصل على شهادة الهندسة التطبيقية في علوم البترول عام 1963 من المعاهد البريطانية للهندسة – مصر حاصل على عدة دبلومات في السلامة العامة ومنع الحوادث الصناعية ، من مجلس السلامة العامة الامريكي ، ومن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد