لقمان محمد يعيد هندسة العلاقة القائمة بين اللون و الضوء

 

لم يخب ظن الفنان نشأت المدرس حين وجد في ريشة لقمان محمد ( عفرين 1974 ) ما لم يره غيره ، و بأنها ستكون ذي شأن في القادمات من الأيام ، فأهداه مجموعة ألوان مع تابلوات ليبدأ الرسم بالشكل الذي يحلم به ، رافعاً من معنوياته حين وعده بمعرض مشترك معه و باللوحات المنجزة ذاتها ، فرسم لقمان محمد و أنجز و أجاد ، و كان المعرض المشترك بإنتظاره ليكون المرة الأولى التي يعرض فيها أعماله أمام الناس و مع إسم له ضوءه في الشارع التشكيلي ، من هنا بدأت خطوته الموزونة الأولى و التي بها كسر الجدار الرابع ليعلن عن ذاته فناناً له ثقته بريشته ، و له خطواته الأخرى التي ستذهب به في خبايا اللون و الضوء و التي توفر له الإحساس الصريح ، و ما يضاف إلى قائمة العناوين المهمة التي ستجعل من صحرائه حقولاً مثمرة ، و من مفرداته المبعثرة حكاية يتشوق الجميع إلى سماعها ، بزمنها و شخوصها و كائناتها ، التي ستذهب به في خبايا المدن القديمة بتنويعات فضاءاتها و ما تخبئه من مرويات لا يصل إليها إلا من ملك الإحساس الصريح الذي أشرنا إليها في أعلاه

و لقمان محمد يملك ذلك و بمعناه الواسع الذي يسمح له بالغور في الوقائع بتجلياتها و بطبيعتها ، بل بما فوق طبيعيتها كي يؤسس قصة أفعالها أشكال و إلهام ، و سردياتها مجموعة سمات تحمل كل منها دلالاتها المتنوعة ذات الأهمية القصوى في أبعادها الجمالية التي لا تخفى على المتلقي من الوهلة الأولى ، فتلك الخبايا حركت فيه كل ساكن بل حولت دواخله إلى مدينة مكتظة بالحركة و الضوء ، و أثارت فيه نمطاً من الخلق الباحث عن تحوم لا تحوم لها ، قد تكون لها وظيفتها في البحث عن مدينته القديمة ، المدينة المفقودة ” فردوسهالمفقود” و التي تجمع كل هيامه الذي لا يتبدل بل تكاد تمثل الحقيقة الأزلية بالنسبة له و التي تخضع لرؤيته الخاصة و ما تحمله من ثيمات خاصة ، و لإبراز تلك الرؤية و التعبير عنها كان لا بد من اللجوء إلى إستخدام صيغ هندسية جديدة بها ينظم العلاقة القائمة بين اللون و الضوء ، فتتحول لوحته إلى شاشة تشكيلية متحركة فيها تتجلى حالات لا حصر لها من التداخلات و التنقلات التي تجعل فضاءاته التشكيلية مبنية بعناصر لكل منها إنجذاباتها نحو الأخرى و إن كانت قائمة بذاتها ، أو مستقلة إلى حد ما ، وحدها الحركة تجعل من محاكاتهم مرئيّة و محسوسة و مدركة لا ترفض مظاهر الحياة و التي كانت للضوء الدور الأهم في ذلك و في مضاعفة قوة مشاهده البصرية و ما تخلقه من إيهامات بصرية/ جمالية بها تنعكس قدرة لقمان اللامتناهية على الإعتناق في التعبير الذي يتيح للمتلقي أن يجد نفسه و مختلف حركاته فيه ، و ربما يعود ذلك إضافة إلى إعتماده على تقنيات جديدة في ديمومة الحركة إلى التلاعب الذكي ما بين الألوان و الأضواء مما يجعل من أشكاله في حالات متبادلة على الدوام

و ما إسقاط الضوء بهذا النقاء الروحي على لوحته إلا إنعكاسات لعناصر العمل ذاتها و بكيفيات لا إرادية و بمنطلقات و مفاهيم ترتبط إلى حد بعيد بسعيه الدخول في تفاصيل و خلفيات مساراته في ظروفها المتغيرة و التي يسيطر لقمان على مشهديته إلى حد أقرب من الرمش للعين ، و هذا ما يظهر صيغه الجديدة بآليات جديدة و بإحترافية مذهلة .

لقمان محمد مهيأ كالطفل ليروي قصته التي هي قصة مدينته القديمة الغنية بدلالاتها ، قصة تبدو مختلفة بنكهتها ، بناسها ، بصوفيتها ، نعم لقمان مهيأ كالطفل ليروي قصته تلك لا بروي أحداثها ، بل بجمع تلك الأحداث في صور هي بمثابة رسومه المتحركة ، أو لنقل هي بمثابة مجموعة من القصص المصورة المتحركة ذهنياً ، معترفاً بالحب العميق ما بين جوانبها المختلفة ، بين الضوء و المكان ، و ربما هذا الحب هو الذي يجعلنا نحس بأن حالة ما من النيرفانا تحوم في فضاءاته ، و تنقل عدواها إلينا كمتلقين ، الحالة التي لا يمكن الوصول إليها إلا من كان عاشقاً لنقي روحه و جسده ، و لقمان عاشق من طراز خاص ، مدركاً للجرح العميق الذي لا يندمل في عشق كهذا ، فهو عاشق في جميع علاقاته القائمة بين إختزالاته القائمة من جهة ، و بين آلياته المفترضة من جهة ثانية ، عاشق لا يكتفي بإظهار ذلك في أطراف لوحته و لا في التجانس القائم في مساحاتها الأخرى حيث العلاقات في أوج إنصهارها مبرزة حاجتها الداخلية لوسائل تقنية محددة كالتدرج الكبير لألوانه مع تزويج كل منها بحركة ضوئية تزيد من فاعلية الصفاء فيها و كمؤشر للعشق الذي به سيرتقي لسموات أخرى ، و ما لجوئه إلى المولوية و ما تحمله من حركات روحية تسكر المتلقي قبل ممارسها ، تلك الحركات التي ترفع به / بعمله إلى الإتحاد بمن يتعرشون السموات ، و هذا يلبي حاجة داخلية لديه و لدى متلقيه أيضاً ، فالنتيجة هي الإلتقاء بشريط أبيض يميل قليلاً إلى نافذة مفتوحة عند الصباح حين يداهمها الضوء ، الضوء ذاته الذي يجعل من الطيف نيرفانا تلفه و تلف عمله و تلف متلقيه أيضاً رافعاً بهم إلى سموات فيها يذوب العشاق بعشقهم الذي لا ينتهي .

إن المتأمل لأعمال لقمان محمد يدرك أن مسيرته الفنية تذهب في الإتجاه الصائب ، في الإتجاه الذي يجعله في حالة صعود دائم ، بضرب من السرد الجديد والمختلف ، وبوقع تجريبي يتجاوز النمط المعروف ، إلى نمط مغاير يظهر التناقضات الداخلية النائمة بين مفاصلها ، كما يظهر ملامحها المعلنة و الصريحة ، و المكتنزة بالعشق و الضوء دون أن يستنفذ تجريبيته مقوماتها و دون الدخول في لعبة الغموض التي قد تفقد بعضاً من إبهارها ، بذلك يؤكد لقمان بأن تبنيه لمقولات حداثوية بأدواتها يجعله قادراً على إثراء مشروعه بخلطة فنية تخصه هو و تكون خلطته السحرية في تقديمه للشارع التشكيلي العريض ، الخلطة التي قد تتحول إلى نقلة نوعية فيها .

لا تعليقات

اترك رد