مشروع قارة أوروبا الجديدة

 

عندما داهم آذان العرب مصطلح “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، خيمت أجواء من الغضب على الساحة العربية، امتدت منذ أواخر القرن العشرين إلى يومنا هذا، حتى باتت نظرية المؤامرة هي الوسيلة الوحيدة لتفسير ما يحدث بعالمنا من تغييرات جذرية، وجميعها لا تصب في مصلحة البلاد. لكن بعد حلول الألفية الثالثة، التي لطالما وصمت بنبؤات نهاية العالم، صار هذا المصطلح ليس بقاصراً على الشرق الأوسط وحده، وما يحاك له من مخططات تغيير من شأنها اجتثاث أوضاعه من جذورها. فلقد تنبه العالم مؤخراً أن دارة التغيير، وصيرورة المخططات ليست من نصيب دول العالم النامي فقط؛ فقارة أوروبا العجوز التي لطالما تباهت بكونها مركز الإشعاع الثقافي والمعرفي الذي ينير ضياءه ظلمات العالم لما تمتلكه من علم، ومعرفة، وقوة، ونفوذ– في طريقها أن تمثل كل هذا المجد الزائل في شكل أطلال، ومزرات جنائزية تشابه القبور. فقارة أوروبا العجوز هي حالياً في طور الاحتضار، ولا يوجد من هو راغب في إعطاءها إكسيراً للحياة ليطيل فترة بقاءها.
في العصر القديم وحتى قبيل الحرب العالمية الأولي، كانت قارة أوروبا مركز الكون؛ لكونها القوة التي تحدد مصائر جميع الدول. وبالنسبة لصراعاتها الداخلية وانشقاقاتها، كانت قديماً تفضل أن تواريها عن أنظار العالم أجمع. وفي كل مرة يتأجج الصراع فيما بين دولها العظمى، كانت تلجأ إلى حيلة – من وجهة نظر الدول ذات النفوذ – ألمعية لتقضي على الخلاف الناشئ. وكانت تلك الحيلة تقضي إما بالإغارة على الدول التي لا تماري تقدمها سواء في أوروبا أو في دول الشرق الأقصى؛ أو احتلال دول أخرى لنهب ثرواتها وارتكاب أشنع الجرائم البشرية بها كما فعلت بكل دول قارة إفريقيا التي وقعت فريسة للاستعمار الأوروبي. وأما أشنع الجرائم التي اقترفتها أقوى الدول الأوروبية في العصر القديم كانت السعي وراء احتلال قارتي الأمريكتين، ولم تتوقف عند هذا المطمع فقط، ولكن الهدف الأساسي هو إفراغ هاتين القارتين تماماً من السكان الأصليين من الهنود الحمر من خلال مذابح بشرية شنعاء؛ لتقسيم الغنائم والاستحواذ على معين الثروات الذي لا ينضب بهاتين القارتين.
لكن بعد نفاذ الحيل، ومعرفة كل دولة لأسلوب الأخرى، ظهرت الانقسامات الداخلية بين دول قارة أوروبا في شكل حربين عالميتين ضاريتين، استمرت كل واحدة فيهما سنوات عدة، وأخرجت أسوأ ما في كل دولة تجاه الأخرى. وكانت النتيجة أن خرجت جميع الدول المشاركة في الحرب خاسرة ومهزومة، بما في ذلك الدول التي أعلنت فوزها على الأخرى.
ولرأب الصدع بين الدول الأوروبية كي تظهر للعالم كقوة لا يستهان بها كما كان وضعها بالسابق، حاولت كبار دول القارة أن تجتمع في شكل قوة واحدة من خلال إقامة تحالف سياسي واقتصادي فيما بينها عام 1950، أي بعد الحرب العالمية الثانية، بناء على اقتراح من وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان Robert Schuman. ثم تدرجت محاولات اتحاد الدول الأوربية تحت مظلة واحدة إلى أن تم إقامة الإتحاد الأوربي European Union بموجب معاهدة ماستريخت في هولندا في غرة نوفمبر من عام 1993. ولقد وافقت الدول على هذا الإتحاد بالإجماع، حتى صار هدفاً لباقي الدول الغير عضوة كي تنتسب إليه، لما كانت تقاسيه كل دولة على حدا من انهيار اقتصادي، وتضخم، وبطالة، مما جعل الدور الأوروبي يتراجع أمام القوتين العظمتين أمريكا وروسيا اللتان اقتنصتا النفوذ والهيمنة على الساحة الدولية. وبالطبع، صارت الدول الأوروبية على هامش القوى، تعاني من مشكلات داخلية جمة. لكن، يعاني الحال بالإتحاد الأوروبي حالياً من ضعف شديدة، لدرجة أن كل دولة ترتب الخروج منه، وتحاول أن تستجمع قوتها لتماثل ما فعلته المملكة المتحدة التي نجاحت في الخروج من عضوية الإتحاد بعد معاناة استمرت لسنوات عدة. ومن ثم، بالنظر للقوى العالمية الدولية ذات النفوذ السيادي، نجد أن الإتحاد الأوروبي صار من أضعف الأطراف المؤثرة على الوضع العالمي. وأما كيان الإتحاد نفسه فهو مهدد بالانهيار في كل لحظة. و ستكون الضربة القاضية له ولوج كل دولة على حدا في إتحادات مع دول أخرى؛ وغالباً، ما ستكون الدول المزمع التحالف معها من خارج الإتحاد الأوروبي.
وعلى الصعيد الآخر، هناك إتحاد عالمي جديد ناشئ يتحرك بقوة وتناغم وسرعة لفرض هيمنته على العالم. ومن ثم، بات كل همه إزاحة جميع قوى العالم القديم – كما يجب تسمية العالم قبل تفشي فيروس الكورونا – وينصب نفسه القوة العالمية الجديدة المسيطرة. وهذا التحالف يتألف من التنين الصيني الماكر، والدب الروسي الذي يجاهد أن يحيي أمجاد الإتحاد السوفياتي القديم الذي كان قوة عظمى مهابة من الجميع. وبالنظر للصين، نجد أن خروج فيروس كورونا من أرضها يثير تساؤلات عديدة؛ حيث أنه بعد تفشي الفيروس بها وحصده لآلاف الأرواح، بدأت الصين في التعافى سريعاً وفتح اقتصادها لحد كبير. أضف إلى ذلك، أنه بسبب تفشي الفيروس على الصعيد العالمي، صارت الآثار المناوئة للحرب التجارية بينها وبين الولايات المتحدة في طريقها للزوال. وحالياً، تعد الصين من أقل الدول تضرراً من جراء تفشي الفيروس.
ولإتحاد الصين وروسيا على مبدأ تنصيب أنفسهما قطبي النفوذ في العالم، كان تفشي الفيروس هو أهم الفرص لتحقيق طموحهما بشكل سلس وسريع. والعقبة الأولى التي لاحت لهما كانت الإتحاد الأوروبي ككيان دولي. ومن ثم، وحدت الصين وروسيا جهودهما لتفكيككه إبان تفشي الفيروس؛ وذلك بتوسيع هوة الخلاف فيما بين أعضاءه. ومن ثم، تؤكد الصين على أن تظهر للعالم بصورة البطل الشهم الذي يرسل المساعدات والأجهزة الطبية والفرق الطبية المؤهلة للدول الأكثر تضرراً من الفيروس، مثل الصرب (المرشح الوشيك الانضمام لعضوية الإتحاد) وإيطاليا (عضو الإتحاد). علماً بأن كلاهما قد لجأ بالفعل لدول الإتحاد الأوروبي لتزويده بالمعونات، لكن الإتحاد تقاعس. فما كان من الرئيس الصربي إلا أن قبل علم الصين، وأما إيطاليا، فلقد نكست علم الإتحاد الأوروبي، ورفعت بدلاً منه علم الصين. ومع زيادة استهجان دول الإتحاد لسلوك كبار الدول به، ونخص بالذكرألمانيا وفرنسا اللتان كان إصرارهما الأوحد هو عدم توريد المعدات الطبية والأجهزة لدول الإتحاد المتضررة من الفيروس، وإن قلت وطأة ذلك السلوك الأناني بعد تعرض الإتحاد الأوروبي لانتقادات دولية لاذعة. أضف إلى ذلك، تساهم الصين في نشر حالة من الهلع داخل دول الإتحاد الأكثر تضرراً؛ بنشر شائعات سلبية عن الفيروس، من ناحية، وذلك حتى يزداد سخط الشعوب على الإتحاد الذي صار بلا قيمة وقت الأزمة، ومن ناحية أخرى، لكي تحض الشعوب رؤسائها على الخروج من عضوية الإتحاد الذي أثبت عدم جدواه، أسوة بما فعلت المملكة المتحدة. ولما كان الإتحاد الأوروبي هو ظهير الولايات المتحدة الذي يساعدها في الحد من النفوذ الصيني، تفكك دول الإتحاد، وعرفانهم بجميل الصين وقت الأزمة سوف يجعل الدول الأوروبية فيما بعد أكثر ميلاً لعقد شراكات اقتصادية وتجارية مع الصين. وبالتأكيد، سوف ينمو ويتغلغل نفوذ الصين داخل جميع دول العالم أكثر.
وبالنظر للجانب الروسي، صار همه كذلك هو استمالة الدول المتضررة من جراء الإجراءات الأنانية للإتحاد الأوروبي؛ لتسهيل عملية تفككه. وبذلك، تستطيع روسيا أن تنشر أفكارها الاقتصادية بسهولة بين دول أوروبا المفككة الضعيفة، بعد أن كان وجودها مجتمعة يشكل تهديداً للأيدلوجيات الاقتصادية الروسية التي لا تتسم بالديمقراطية. وبهذا، تتغيير خريطة النفوذ في قارة أوروبا، وتنصِّب روسيا نفسها زعيماً للقارة بأكملها. وحالياً، تفشى الترويج لفكرة أن الإيدلوجيات الاقتصادية والتجارية، وكذلك السياسية لدول الإتحاد ليست ذات فاعلية في أوقات الأزمات الحقيقية، وأثبتت فشلها الذريع عند مجابهة الآثار المناوئة لفيروس كورونا. ومن ثم، كما يروج أنصار الشيوعية، يجب خلق أيدولوجية جديدة أساسها الفكر الاشتراكي. لسوف تختلف كثيراً الخارطة الأوروبية بعد زوال فيروس كورونا عما كانت عليه بالسابق. ومن المحتمل جداً تفتيت بعض الدول الأوروبية لدويلات، كما تدل على ذلك الشواهد التي منشأها وجود صراعات أيدلوجية بين أبناء الدولة الواحدة، ونزعات انفصالية.
لا أحد يستطيع التكهن بالمستقبل، وخاصة بعد أزمة تفشي فيروس كورونا الماكر. وكما أجزمت الشواهد، جميع التنبؤات للعام الجديد أثبتت فشلها، وأن ليس لها أي أساس من الصحة. لكن الشئ الوحيد الذي يمكن التكهن به هو أن قارة أوروبا في سبيلها للانهيار، أو “الموت الإكلينيكي” بسبب عدم قدرة دولها السيطرة على الخلافات الداخلية، وإيثار السلوك الأناني على النزعة التعاونية.

المقال السابقنصبٌ لتخليد ذكرى
المقال التالىحرب أمريكية – روسية بسلاح نفطي
د. نعيمة عبد الجواد: أكاديمية مصرية، وأستاذ أدب وترجمة، لها عدة أبحاث علمية منشورة دولياً، وكذلك لها العديد من المؤلفات الأدبية والصحفية، بالإضافة لأنشطتها الثقافية. وعلاوة على ذلك، فهي كاتبة دائمة في عدة صحف ومواقع عربية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد