لقاء مع يورغن هابرماس

 

تمهيد من المترجم:

يقول كاتب سيرة ” يورغن هابرماس Jürgen Habermas”، السويسري ” ستيفان موللر دووم Stefan Müller-Doohm “: إنّ ألمانيا ستبدو مختلفة، بدون ” يورغن هابرماس “.

فهل ستتعقّب ألمانيا آثار العقل، بعد هابرماس؟
هابرماس صاحب الفعل التواصلي والعقلانية، أقرب لكونٍ كاملٍ من العقل والمعرفة ونوعيّة مُبهجة من التفكير المعقّد، لكنّه ليس ” مُصلحا للعالم “، يودّ إصلاح العالم، بل فيلسوفا ومنظّرا ومحلّلا للحداثة.

فيلسوف هو الأهمّ على الإطلاق في ألمانيا وربّما في العالم، ممن لا يزالون على قيد الحياة رغم تجاوزه للـ 90 عاما، ولذلك نُصح من يودّ قراءة كتابه الأخير، بأن يُحضر مع القلم الذي سيدوّن به أو يعلّم على نقاط رئيسية فيه، سلّة مناسبة لهدايا وداع ” هيغل جمهورية ألمانيا الإتّحادية ” الذي أصبح من الكلاسيكيّين وهو بعد على قيد الحياة، كدلالة على أهمّية فعله الفلسفي لا على تجاوز الزمن له.

أمّا هابرماس نفسه، فيصفه كاتب سيرته أيضا: ” ينظر لنفسه، كشخصٍ ما، يدخل في جدالٍ حامٍ، يتحدّى من ينازعه “.
كتابه الجديد ” أيضا تاريخ الفلسفة ” الصادر عن دار النشر البرلينيّة ” شوركامب Suhrkamp Verlag ” أخذ حيّزا واسعا من هذا اللقاء الذي ركّز فيه على الفلسفة الأخلاقية الحديثة، مشيرا لضرورة أن تسترشد الحكومات التي تواجه ” أزمة فيروس الكورونا ” بها، قبل الأخذ بالمشكلات الاقتصادية والتحدّيات المحتمل أن تنجم عنها.
موجز عن كتاب هابرماس الجديد ” أيضا تاريخ الفلسفة ”
نُشر هذا الكتاب في خريف 2019، في مجلدّين كبيرين من 1752 صفحة، ويُباع في ألمانيا بسعر 98 يورو.
عنوانه مستوحى ببعض السخرية من كتاب لـ ” هردر “، يحمل عنوان ” أيضا فلسفة للتاريخ من أجل تكوين البشرية Auch eine Philosophie der

Geschichte. Zur Bildung der Menschheit “، وإذ ينطلق هابرماس من تاريخ الفلسفة، وتشكّل التفكير الفلسفي ونشأة التفكير المستقلّ بمجمله، فأية فلسفة للتاريخ يمكن الدفاع عنها الآن، خاصة وأنّ هابرماس يُصر على أن ينطلق أي تفكير من حاضره المعاش، فهل عليه الاقتناع بأنّ كل تقدّم البشرية قد أُنجز دون انكسارات، أم عليه القبول بالانحطاط؟

أفكار هردر صارت للنسيان في غياهب التاريخ، بعدما كان قد هجر العقلانية مبكّرا، مكتفيا بالرومانسية، ومعاديا للتقنية.

عبر جولة واسعة في فكر القمم الفلسفية والدينية في أوربا والغرب، يصل هابرماس لاستنتاجات لعلّ أهمها هو تضاؤل الرابط الكنسي مع المؤمنين في المجتمعات الغربية، وهو الأمر الذي أكّدته بعض الكنائس في ألمانيا، ما ترك أسئلة كثيرة تتعلّق بوظيفة هذه الكنائس، وأهمّها تساؤله إن كان في ذلك نوعا من الإلحاد الجماعي، ليذهب للقول:

” يستطيع العلم تفسير العالم جيدا، بدون الله ”

ينطلق هابرماس من دراسة أصول الديانات ونشأتها ومعها الأساطير والطقوس ربطا بنشأة اللغة، متحدّثا عن دور تلك الطقوس في نشوء المقدّس وفي عبادة الآلهة التي تعدّدت بتعدّد الديانات السائدة، بل وبتعدّد المهن، ليستنتج أنّ تعدّد الآلهة لأكثر من 100 إله جعل الأسطورة غير صالحة، عاجزة عن مدّ الإنسان بما يُمكّنه من فهم الذات والعالم، وهو ما فسح المجال للدين والفلسفة للعب دور أكبر، مؤكّدا على تمايز الثقافة المصرية وثقافة بلاد ما بين النهرين كثقافتين رفيعتين متمايزتين.

مع الديانات التوحيدية، يتحدّث هابرماس عن القرابين، مؤكّدا على أهمية النقد كأداة عميقة، في دراسة السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لهذه الديانات.

يعتبر هابرماس أن الدين في أوربا المسيحية تطوّر إلى ما يسمّيه العلم الأول، ولذلك كانت تتصارع فلسفة أفلاطون مع فلسفة توماس الأكويني.

يجد هابرماس أنّ ” مارتن لوثر ” ساهم في علمنة الفكر الأوربي، بعدما عارض البابا بخطاب مهمّ علّقه على باب الكنيسة، وخلفية الصراع وكأنّه صراع بين الله والشيطان، لكنّ الأهم أنّه فصل أولا بين الإيمان والمعرفة.

ثمرة صراع لوثر المرير، قاده إلى قناعة بأنّ الإنسان تأكله الخطيئة، ففصل بين الإيمان والأخلاق والمعرفة في الوقت ذاته.

يرى هابرماس أنّ كلّ من سبقوا لوثر من اللاهوتيين سعوا جاهدين لخلق انسجام بين أفكارهم والرواية الدينية، بينما أصرّ لوثر على أن يكون الانجيل وحده مرشدا للمؤمنين وفي ذلك فصلٌ بين الإيمان والمعرفة، ليرفض دخول مزيج العلوم الأخرى على الديانة المسيحية، فالإيمان يدخل في دائرة “تأكيد الذات “.

تبنّت الفلسفة مهمّات تصاعدت وتكاثفت عبر جون لوك مرورا بكانط وديفيد هيوم وصولا للفلاسفة المعاصرين، ليغدو التنوير من حينه أخلاقيا بعض الشيء، تستند فيه المعرفة والسلطة السياسية على العقلانية.

وإحدى دوافع هابرماس في كتابه الضخم هذا، هو قول معلّمه ” ثيودور أدورنو ” الغامض:
” لا شيء في اللاهوت، إلّا ويكون مطواعا للتحوّل مما هو عليه، أي أنّ كلّ تجربة عليها أنّ تقدّم نفسها وكأنّها علمانيةٌ تنزاح باتّجاه الدنيوي “أمّا الفلسفة وما تُشكّله لدى هابرماس فقد وصفها في كتابه قائلا:
” يُحرّكني السؤال عمّا سيبقى من الفلسفة، إن هي توّقّفت عن الاسهام في مدّنا بتفسير وشرح عقلانيين، لنفهم أنفسنا، ولنفهم العالم. فالفلسفة أيضا طريقة علمية للتفكير، لكنّها ليست علما يعمل على معرفة الكثير الكثير عمّا يُعرف عنه القليل، وهذا يعني التعلّم من الحصر والدقّة فيما يتعلّق بموضوعٍ ما بعينه، فهي تفصل بين العلم والتنوير، إن أرادت أن تشرح ما تعنيه معرفتنا العلمية المتزايدة بالعالم، بالنسبة لنا كبشر متفرّدين متمايزين، يعيشون في الحداثة “.

وُلد يورغن هابرماس في 18 حزيران 1929، في دوسلدورف، وترعرع في مدينة ” غومرسباخ Gummersbach، وقام بالتدريس في جامعة ” فرنكفورت Frankfurt “، ويعيش اليوم في ” شتارنبرغ Starnberg ” (تتبع لبافاريا).

ترجمة اللقاء

سؤال: بروفيسور هابرماس، كيف تعيش شخصيا، وتعايش أزمة الكورونا؟
هابرماس:
لا يسعني، إلا قول ما يجول في ذهني، هذه الأيام. تجابه مجتمعاتنا المعقّدة، وعلى الدوام، حالات من القلق الكبير، لكن هذه تحدث بشكل موضعي، غير متزامن، حتى غدت، سواء كان ملحوظا أم لا، بشكلٍ أو بآخر، جزءا مُكمّلا، لأنظمة وخصائص مجتمعنا، تتمّ معالجتها من المختصّين.
في المقابل، تتوسّع دائرة القلق الوجودي في العالم، بشكلٍ متزامن، ولا سيما في رؤوس المتشابكين مع وسائل الإعلام.
تمّت إحاطة كلّ فرد، بالمخاطر (العواقب)، لأنّ العزل الذاتي للفرد، مع مراعاة الضغط المتزايد، على نظام الرعاية الصحية، لأجل مكافحة الوباء، هو المتغيّر الأهم.
علاوة على ذلك، فالقلق لا يتعلّق فقط بالقضاء على مخاطر الوباء، بل أيضا بالعواقب الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية التي لا يمكن التنبّؤ بها كلّيا. في هذا الصدد، وبنفس القدر من معرفتنا المستفيضة، عن الفيروس، لا يوجد في الوقت الراهن، خبيرٌ بإمكانه تقدير العواقب الممكنة بدقّة. ينبغي على خبراء الاقتصاد والاجتماع، التحفّظ على توقّعاتهم. شيء واحد، يمكن قوله: هذا القدر الكبير من المعرفة، بجهلنا، والقسر في التعامل والعيش مع عدم الأمان، لم يسبق له أن بلغ مبلغا بهذا الحدّ قطّ.

سؤال: كتابكم الجديد “أيضا تاريخ الفلسفة”، تُنشر الآن الطبعة الثالثة منه. مع أن موضوعكم – العلاقة بين المعرفة والإيمان في التقاليد الفكرية الغربية – أبعد ما يكون عن البساطة. هل كنتم تتوقّعون هذا النجاح؟
هابرماس:
حين يكتب المرء كتابا لا يفكّر بهذا، بل ينتابه فقط خوف من اقتراف أخطاء، فيفكر مع كلّ فصل ينجزه، في اعتراضات المختصّين، العارفين بالتفاصيل والبراهين، عن كل جزيء.

سؤال: بالنسبة لي شخصيا، فقد أثارني السياق التعليمي فيه، عملية التعلم، التكرار، المراجعة والخلاصات التي تراعي ترك مسافة في الهيكل العام، وتمنحنا استراحات. يبدو أنكم ترمون لتسهيله كمدخل للهواة أيضا.
هابرماس:
كانت غالبية قرّائي حتى الآن من الزملاء الأكاديميين، والطلّاب من فروع مختلفة، وبينهم أيضا مدرسو الأخلاق والعلوم الاجتماعية. لكن هذه المرّة وصلني صدى مختلف من جمهور القراء، عبر ما كُتب عنه خلال الأشهر الأولى من نشره. بطبيعة الحال، من أولئك المهتمّين بموضوع المعرفة والإيمان، ولكن أيضا بين عموم المفكّرين والباحثين عن مشورة، بمن فيهم الأطبّاء، المدراء، المحامون، الخ. يبدو أنه ما زال لدى هؤلاء بعض الثقة بقدرة الفلسفة على فهم الذات. هذا يرضيني، لأن أحد دوافعي في هذا المشروع كان تبيان أنّ نوعا من الإفراط في التخصص، يسيء إلى نظرة الفيلسوف والفلسفة كعلم بطريقة استثنائية.

سؤال: تشوّشني كلمة “أيضا” العائدة لـ “هردر “، في عنوان عملكم.
هابرماس
إنّ كلمة “أيضا” تُلفت انتباه القارئ إلى أنّ هذا ليس إلا تفسيرا، حتّى لو كان جديدا لتاريخ الفلسفة، إلى جانب تفسيراتٍ أخرى ممكنة. بادرة التواضع هذه، تحذّر القارئ من فهم ما بين يديه كتاريخ نهائيّ خالص للفلسفة. أنا شخصيّا أتبع خطّ التأويل، الذي يفهم هذا التاريخ على أنه عملية تعلم مستمرة من وجهة نظر فهم معينة للفكر ما بعد الميتافيزيقي. لا يستطيع أي كاتب تجنّب وجهة نظرٍ معيّنة، تنعكس فيها بطبيعة الحال بعض قناعاته النظرية. لكن هذا ليس إلا تعبيرا عن وعي مرتاب، ولا يعني مطلقا التهوين من الحقيقة في أقوالي.

سؤال: تدعو كلمة “أيضا” في العنوان إلى السؤال عن علاقة تاريخ الفلسفة بموضوعة الإيمان/المعرفة. لديّ انطباع أن هذه العلاقة لا تخلو تماما من التوتر.
هابرماس
أنا كفيلسوف، أهتمُّ بالسؤال عمّا يمكننا تعلّمه من خطاب الإيمان والمعرفة. فالمشكلة العالقة بين ” كانط ” و” هيغل “، عن علاقة الأخلاق بالأعراف، استأثرت بحيّز كبير إلى الآن، ونشأت كإشكالية، من ادّعاء العلماني والمتطرف في آن، امتلاك النواة الكونية لأخلاق الحب المسيحية. إنّ عملية الانحياز المفاهيمي للمضامين الرئيسية لمحتوى الرواية الدينية، تشكّل موضوعي. وفي هذه الحالة من سيطرة الفكر الما بعد الميتافيزيقي، يغدو جميع المؤمنين أمة كونية، بل وأخوة متآلفين كطائفة، ينال كلّ عضو فيها معاملة عادلة دون استهجانٍ لفردانيّته أو شُبهة فيها. هذه المساواة بين كلّ الأفراد ليست موضوعا مبتذلا، كما نلاحظ اليوم في أزمة كورونا.

سؤال: إلى أي مدى هذا الاختلاف؟
هابرماس:
وفقا لمسار الأزمة، حتى الآن، فبإمكان المرء رصد تخبّط السياسيين في بعض البلدان، ممن يتردّدون في استراتيجية التعامل الأمثل، التي تراعي الحقوق والمبادئ الأساسية، التي تُظهر سعي الدولة، وتركّز جهودها لإنقاذ خصوصيّة الحياة الشخصية للفرد كأولوية مطلقة، بعيدا عن المبدأ النفعي المذموم في المساومة بينها، وبين التكلفة الاقتصادية، كهدف تتمّ ملاحقته. إن تركت الدولة الوباء ينتشر، دون تدخّل، إلى أن تمتلك غالبية الشعب مناعة كافية، فإنها توافق على المغامرة بانهيار نظام الرعاية الصحية المحتمل وارتفاع نسبة الوفيّات. و”تاريخي” يسلّط الضوء على الفلسفة الأخلاقية الكامنة خلف الاستراتيجيّات الراهنة في التعامل مع أزماتٍ من هذا النوع.

سؤال: يبدو، لديكم، أنّ مسار تطور الفلسفة الغربية وعبر كلّ انكساراتها وإرهاصاتها يبقى متناسقا نسبيّا. لكن ألا يتم هذا الاتّساق المنطقي بخسارات؟
هابرماس:
إنّ تاريخا تقليديّا للفلسفة دون كلمة ” أيضا” المشوّشة، يرنو نحو الكمال، كما سبق وقلت، لا يمكن لأيّ كاتب بلوغه على الإطلاق. غير أنّ ادعاء البحث عن “عملية التعلم”، وكأنّ الأمر يتعلّق بتاريخ العلوم، وجهة نظر غير معتادة. من جهة، فهذا يخالف القناعة الأفلاطونية بأنّ جميع الفلاسفة الكبار، يفكّرون في الشيء ذاته بكيفيّةٍ وبطرقٍ مختلفة، ومن جهة أخرى يخالف ما يطغى اليوم من ارتياب تاريخي مستنير مزعوم، في كل مفهوم عن التقدّم.

أنا أيضا أحذّر من ادّعاء فكر تقدمي استنادا على تاريخ الفلسفة. عندما يختار المرء “التعلم” بمعنى استنباط الحلول للمشاكل وفقا لمساراتها، أي بناء على استمراريتها، كدليل إرشادي، لا يعني أن تُلصق صفة الغائية بتاريخ الفلسفة. لا توجد غاية او غرض، يمكن للمرء أن يتعرّف عليها، عبر “إطلالة من العدم”، إنّما فقط نظرتـ”نا” الارتجاعية للمسار ولأسباب عديدة مختلفة، تتعاقب بناء عليها الحلول الآجلة، ومن ثم الحلول التي تستوجبها المشاكل من نوعٍ معين تاريخيا.

سؤال: لكن ألا يدعو كتابكم للسؤال إن كان هناك “تقدم” في التفكير الفلسفي. بدون مراوغة: هل كانط، أفضل من أرسطو؟
هابرماس:
بالطبع لا، وبذات المقدار الذي يقال فيه إنّ ” آينشتاين ” أفضل من ” نيوتن “. لا أودّ أن أشوّه التباينات الشديدة بين التفكير الفلسفي والتفكير العلمي، كما لا أريد الحديث عن “أسبقيّات”، بالمعنى ذاته. في كلتا الحالتين، “تتقادم” المناهج النظرية، والبراديغمات المنظمّة لهما بطرق مختلفة. لكنّ الكاتبين المذكورين كانا رائدين في مجاليهما، وفقا للمشاكل والأسئلة المطروحة في زمن كلّ منهما، والمعلومات المتاحة آنذاك، والأرضية التي أسّساها. لقد قلبا الآراء الموافقة لزمنيهما. لقد غديا مفكّرين كلاسيكيين، والـ ” كلاسيكي “، يعني: مازال لديهما ما نتعلمه منهما. أيضا نظرية العلوم الحديثة، مازالت تنهل من آراء ” التحليل الثاني” لأرسطوطاليس، كما ينهل علم الأخلاق الحديث من مفاهيم كانط عن الاستقلالية والعدالة – ولو في إطار لغات نظرية متغيرة.

سؤال: لاحظتُ لديكم_ لمس اليد وليس تخمينا _ تعاطفا قويا مع المنتج الفكري الفلسفي للقرون الوسطى المسيحية. هل كان هذا التعاطف، لكم شخصيا، نتيجة مفاجئة لعملية التعلم؟
هابرماس:
في محاضرتي الأخيرة، قبل التقاعد، كنتُ قد اهتممتُ بـ ” توما الأكويني “. آنذاك، كنتُ مسحورا، بالقوّة البنّاءة وتماسك البناء الداخلي، لهذا النظام البديع. والآن، فإنّ قراءاتي لـ ” جون دانز سكوتز ” ولـ ” وليم الأوكامي “، قد تركت فيّ نفس الأثر. نعم هذا استدراكٌ لعمليات التعلم التي أسلكها، إن كنتُ قد رصدتُ ذلك بشكلٍ صحيح، بصعوبة، ولكن عبر عملية إعادة تقييم دقيقة، مرّ عليها وقتٌ طويل، للعصور الوسطى المتأخرة، التي تقرب من الحداثة أكثر.

سؤال: لو كنتُ مكانكم، وسُئلتُ من؟ ممن عرضتموهم في تاريخ الفلسفة، يتماهى لأكبر قدرٍ ممكن معكم؟ لجاوبت: سبينوزا. توجد في فصل سبينوزا، فقرات طويلة تجعلني أبادر عفويّا للقول: هنا يصف هابرماس نفسه شخصيا.
هابرماس:
هذا يفاجئني قليلا. لكنّ المفسّر يستطيع فهم أيّ كاتب، بشكل أفضل من فهمه لنفسه. الآن استدركتُ شيئا ما، في قراءة سبينوزا. في خلفية وحيثيات تاريخ “يهود المارانوس” (أولئك اليهود الذين أجبروا، تحت ضغط الملك الإسباني، على اعتناق الكاثوليكية، والارتداد عن اليهودية)، فهمتُ لماذا حظي ” سبينوزا ” في بيوت الشريحة البرجوازية من اليهود الألمان بتبجيل أكبر من ” كانط” لدى مثقفي القرن العشرين. قدّم ” ليو شتراوس “، في مقدمة الترجمة الإنكليزية، لكتابه عن سبينوزا، تقريرا عن هذا الأمر، قائلا: في الواقع، لم يكن سبينوزا منشقا، ملحدا سطحيا، كما تم اتهامه، بل تنويريّا نزيها، لا ينكر جوهر أصوله الدينية، طالما وُجدت أسباب قويّة لذلك، بل إنّه “حفظها” بالمعنى الهيغلي. وحقا أتعاطف مع هذا. وإذا نظرنا للأمر من منحى تاريخ التأثير، فقد دخل فكر سبينوزا أيضا في بدايات الحركة التأملية الواسعة للمثالية الألمانية عن طريق الفلسفة الطبيعية لـ ” شيلينغ ” اليافع (الشاب).

سؤال: لم تستبعدوا عن كتابكم إلا نيتشه بالذات، في سياق لاهوت “مات الإله “، الذي كان سيناسب الموضوع الرئيسي الإيمان والمعرفة. لماذا؟
هابرماس:
لا بد أن كل مهتمّ بالأدب، كان لديه في مراهقته استعداد ليُفصح بصوتٍ عالٍ عن “نيتشه ” في داخله، وأنا كذلك. في زمن النازية تم رفع نيتشه من خلال الداروينية الاجتماعية المؤولة بـ ” إرادة القوّة ” لديه، إلى مصاف فيلسوف الدولة ولذلك كان نيتشه خطيرا جدا بعد الحرب. لهذا السبب السياسي كنتُ مُطعّما ضد قوّة هذا النثر. وبقيت على مسافة من هذا الكاتب حتى بعدما تعرّفت، بشكلٍ أفضل، على الجوانب المدنيّة لديه، من وجهات نظرٍ فرنسية. ما عدا أفكاره عن الأنثروبولوجيا المعرفية.
أيضا، ولأسبابٍ موضوعية، لا تُقنعني ” جينيالوجيا المسيحية Genealogie des Christentums “، ولا حتى كغذاء للفكر. يبدو فيه نيتشه أسيرا لموضوعه. له دوره الذي أبحث فيه، ولم يناسب مشروعي، أعني أني أهتم بتأثيره التاريخي، وتحديدا بالميول الوخيمة لدى بعض الفلاسفة، لإزاحة التجارب الدينية المكبوتة إلى الجمال بشكل من الأشكال.

سؤال: تستخدمون بشكل متكّرر تعبير” الإلحاد الجماهيري”، في المجتمعات الغربية الحديثة. هذا يبدو مستَنكرا ويؤكّد ميلكم العمومي للتموضع، بتوافق مع روح العصر، أي “دنيويا” آن لم يكن هذا مرغوبا جدا، ثمّ وبنفس الحزم تنتقدون عندما يصبح ” الدنيوي” سيرا مع التيار دون فهمه.
هابرماس:
بهذا أشعر وكأنّ هنالك سوء فهم. لا أعني بالمصطلح الاجتماعي ” الإلحاد الجماهيري”، سوى الإشارة في بداية الفصل الأول إلى الجانب الكمي لقوة الرابطة الكنسية، والتي تضمحل كما نرى اليوم في مجتمعات غرب ووسط أوروبا. لكنكم تطعنون في موقف، أطلق عليه الصفة التي أستخدمُها بكثير من الحذر، “العلمانية”.

ملاحظة هامّة:
نُشر هذا اللقاء في الموقع الإلكتروني لجريدة ” فرانكفورت روند شاو Frankfurter Rundschau ” وُحدّث آخر مرة بتاريخ 10 نيسان 2020.
هوامش توضيحية:
1 . يوهان غوتفريد هردر Johann Gottfried Herder (1744_ 1803) فيلسوف ومؤرّخ وأديب ألماني ولاهوتي لوثري، وكان جامعا للأغاني الشعبية الألمانية كذلك. أحد أعضاء تيار العاصفة مع غوته وغيره، ووقف ضد العقل الصارم للتنوير. ركّز على إعادة استثمار الاقتصاد العاطفي للإنسان، والإعلاء من شأن الخيال والقيم الجمالية. في فلسفته للتاريخ اعتبر الأمم إحدى تجليّات الحق في التاريخ، وتجلّيا للألوهية، يُستكمل بما تملكه الذات من مقوّمات. ركز على الخصوصية ولذلك ترك التلمذة على يد كانط الأقرب للعالمية. كتابه ” أفكار من أجل فلسفة التاريخ ” من أهم ما يميّزه.
2.Der Fallibilismus وتعني ” التخطيئية ” أو اللا معصومية ونقيضها المعصومية Infallibilism أو Infabilität عصمة، وتُعد مبدأ أساسيا في نظرية المعرفة، ينطلق من أنّ أي مجال معرفي أو ادّعاء، لا يجوز فيه ادّعاء امتلاك اليقين بصفة إطلاقية، أو التعميم وإغلاق النقاش بشكل نهائي، فالحقيقة التي نستسيغها قد تكون في الأساس خطأ نرتكبه، ونحن نخطئ دوما. والحقيقة المطلقة لا وجود لها، وادّعاؤها يُضلّلنا دوما.
3 . البراديغم هو ما يصطلح عليه بالنموذج، وهو مفتاح من المفاتيح التي تُمكننا من فهم مجال السوسيولوجيا. ويُعد كذلك نموذجا في كيفية تفكير الإنسان فيما يتعلّق بأمور وأحداث الواقع، استناد اعلى مجموعة من المفاهيم والنظريات التي تَرسم وجهة نَظر معينة حول موضوع بعينه، سواء كان في الفن أو الأدب أو السياسية أو قوانين الفيزياء.
4 . جون دانز سكوطس Johannes Duns Scotus هو فيلسوف ولاهوتي إسكوتلندي، متأثّر في فلسفته بالقدّيس أوغسطين.
5. وليم الأوكامي Wilhelm von Ockham هو راهب ومدرسي إنكليزي من أوكام. يُعد أحد أهم فلاسفة القرون الوسطى.
6 . المارانوس Marranos ويُقصد بهم يهود شبه جزيرة إيبيرية الذين تحوّلوا للمسيحية قسرا أو طوعا، في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث. يُطبق عليهم أيضا اسم المُكرهين أو المعمودين قسرا Zwangstaufen.
7. فريدريك فيلهلم يوزف شيلنغ Friedrich Wilhelm Joseph Schelling أهم فلاسفة المثاليين الألمان وتلميذ فيشته.
8. المثالية الألمانية هي نظرية أفكار ونظرية عن الوجود تنطلق من وجود ذوات روحية ولا تقبل ردها للمادة. وهي نظرية معرفة تعتبر العالم الخارجي تصوّرا غير مستقل عن الذات المفكّرة. كما إنها تنطلق من مبررات عقلية. تقوم على عقيدة تقول: ” الروح هي التي تُحيي أما الجسد فلا حاجة إليه “. من أهم أعلامها كانط وهيغل وشيلينع وفيشته… الخ
9. التحليل الثاني.. هنا يقصد هابرماس كتاب أرسطو المعروف ” الأورغانون ” وهو ذاته المعروف كذلك باسم البرهان، أمّ التحليل الأوّل فهو القياس.

ترجمة: عبد الحميد محمد

1 تعليقك

  1. Avatar تهامة رشيد

    مقابلة مهمة جداً لنا نحن القراء العرب،
    أعجبتني شكرا سيد عبد الحميد

اترك رد