شبابيك عربية

 
شبابيك عربية .. للكاتب لؤي طه #سوريا

نخاف من أن تتلصص العيون علينا، نخشى أن يسترقوا السمع علينا. من شدة الخوف نبالغ في تعتيم زجاج النوافذ ونختار لها ستائر عريضة مغزولة بخيطان تمنع تسرب حتى أشعة الشمس، نتفقد ثقوب الجدران، نخشى العصافير لو حطت على طرف الشباك. تفزعنا فراشة تحوم حولنا؛ لأننا نعاني من رهاب تفشي الأسرار وترعبنا فكرة ” للحيطان آذان”

رضع الإنسان العربي من حليب الخوف، ولم يعدّ من السهل عليه أن يتخلص منه، أو أن يصل لمرحلة سن الفطام منه. لقد ورثنا الخوف منذ الطفولة واعتدنا عليه وصار جزء من ثقافاتنا واعرافنا. تعلمنا على كلام الهمس، وأصبحنا أكثر الشعوب اتقاناً لموهبة الهمس، وايقاع الصوت المنخفض، وأكثر من يفهم تلك الأبجدية. وبات كل شيء في حياتنا هو سر. وبدأنا نميل إلى الغموض والمواربة، والتلاعب بالمفردات؛ من شدة الخوف أصبحنا نرى في كل شخص نتعامل معه أنه جاسوس، ومخبر علينا. هذا الخوف لم يأتِ هكذا عبثاً أو أنه مرض نفسي؛ حتماً له أسباب وراثية وله تاريخ جعلت من الخوف يسكننا ونسكن نحن بالخوف.

الأب يتكلم مع الأم بصوت منخفض وبحرص شديد ويتلفت هنا وهناك. الأخ يقف عند الباب يهمس مع صديقه بصوت بالكاد يُسمع. الموظف يفعل ذات الشيء مع زميله، والبنت تتكلم بإيقاع شديد الهمس بالهاتف. ماذا يدور وماذا يحدث من حولنا. نخاف في أن نتكلم عن رئيس الدولة خشية من أن تعتقلنا الجهات الأمنية، حتى ولو كان حديثاً اعتيادياً، نخاف أن نتكلم في أمور الدين أمام المشايخ ورجالاته الكبيرة؛ لكيلا لا نتهم بالزندقة والإلحاد أو أن يتهموننا بالتطاول على الرموز الدينية. لا أحد يستطيع الاستفسار في شؤون الحكم، ولا أحد لديه الجرأة في معرفة أصول وتفاصيل الديانة والمذهب. اسرار، أسرار حتى الأمور التافهة والسطحية أصبحت في نظرنا أسرار. العقول مرهقة من كثرة الأسرار التي تحملها، والفضول يذبح القلوب لمعرفة ماذا يدور.

رب البيت خط أحمر، يُمنع على الأولاد أن يقولوا كل ما يرغبون قوله، عندها يضطر الأولاد للجوء إلى الهمس والكلام المكبوت. مديرك بالعمل خط أحمر وعريض، وليس من حقك أن تعبر له عن وجهة نظر لا تتوافق مع وجهة نظره التي يراها هي القانون. تبدأ الأحاديث السرية حول المدير وجميع تلك الأحاديث تحدث بالهمز واللمز. الخوف ثم الخوف ويبقى الخوف هو يسكن عقولنا. لا يحق لك ولو في الأحلام أن تتفوه بحرف واحد عن سيادة الرئيس؛ لأننا أدركنا من خلال ما شاهدناه بأم أعيننا من اعتقالات لمجرد أن واحد من عامة الشعب قد أبدا رأيه بسياسة البلد. محاولة منهم بقمعنا وزرع الخوف بداخلنا. بعض الدول تعطيك المساحة الكبيرة في أن تقول عن الدين ما تشاء لكنهم يصادرون أصغر مساحة في الحديث عن الدولة؛ ودول أخرى تعطيك المساحة الكبيرة في أن تقول ما ترغب في السياسة، لكنهم يقطعون لسانك لو تفوه بحرف عن الدين، وما بين هذا وذاك يكون الخوف هو سيد المشاعر.

حياتنا من الألف إلى الياء كلها خوف وفزع، والشعور بالأمان غائب. كلامنا كله زيف ومراءة لا نقول الحقيقة مطلقاً، نكذب في كل شيء، وفي كل قول. إذا جالسنا رجل الدين ندّعي له التدين ونجاريه حتى في تطرفه؛ نخاف من أن يسلط علينا المتطرفين أمثاله لكيلا يشوهوا سمعتنا في الحي الذي نقطن فيه، وإذا كنا في حضرة سياسي تملقنا له وجعلنا من رموز الحكم آلهة تُعبد؛ خشية من أن يُكتب بنا تقريراً نصير بعده في خبر كان. نجلس مع المدير المباشر ونصفق له ونثني عليه حتى وإن كان على خطأ كبير؛ نخاف من أن نفقد الوظيفة أو يطالنا الحسم من الراتب. ننمو على الخوف وقول الزور والكذب، نكبر على هذا ونتعايش مع الخوف ويصبح الرياء شريعة مباحة؛ طالما أن غالبية الناس يفعلونها كأمر اعتيادي هي لم تعد عيباً أخلاقياً، بل على العكس تصبح ذكاء اجتماعي ومجاراة للواقع؛ إلى أن يصبح الحق باطل والباطل هو الحق.

إذا تمردنا على القانون الخاطئ خسرنا الحياة، وإذا سايرنا الباطل خسرنا أنفسنا؛ ففي كلا الحالتين لا شيء أمامنا سوى الخسارة وفقدان الذات. ماذا يحدث لو تركونا نعبّر عما يجول في داخلنا لنطلق العنان لأفكارنا ووجهات النظر المختلفة، ربما هم أنفسهم يتعلمون ويكتشفون الخطأ ويصلحونه دون أن يضظرونا إلى حالات الشغب والفوضى في التعبير عن آرائنا وأفكارنا المسجونة، هل من الضروري أن نخرج إلى الشوارع ونترك أعمالنا وتسوء حياتنا لنتمكن من قول ما هو محبوس بداخلنا؟ ماذا لو ترك الأب للأبن مساحة التعبير، وأن يترك رجل الدين لمن يجالسه الاستفسار عن مسائل مستعصية الفهم ويبحث لها عن تفسير منطقي ؟ وماذا يخسر رجل السياسة لو أصغى لوقت قصير للمواطن واعطاه الحرية في التنفيس عن غضبه وأن يتركه يعبر عن حبه للوطن بطريقته العفوية دون خطابات منمقة وديباجة رنانة؟ لم لا يتحرر الرجل من عقده والموروث الشرقي ويسمح للمرأة في أن تتكلم دون خوف من أن تنتهي حياتها إلى الطلاق أو الفراق؟ حتى في الحب يجلس الخوف معنا، يشاركنا العواطف ويتقاسم معنا كل اللحظات إلى أن يفسد اللحظات.
يبدأ الخوف من داخل البيت ويمتد إلى الشارع، إلى المدرسة، إلى الوظيفة إلى الحب إلى الزواج إلى كل شيء، من المستحيل أن نكون ولو للحظة في عمرنا بلا خوف أو دون أن نضطر للكذب وتزييف الشعور. هذا الخوف هو سبب كل انكسار نعيشه اليوم، وسبب كل خسارة نعيشها اليوم، والسبب الأقوى في منح من حولنا التحكم بمصيرنا؛ فمن الصعب أن تتحكم بمصير إنسان لا يسكنه الخوف، ما لم نتحرر من هذا الخوف وما لم يتشارك الجميع رجال الحكومة ورجال الدين وأهل الحب في معالجة الخوف لن تتحرر أوطاننا ولن تتوقف رحى الحرب. وسوف نعيش بالخوف ونموت بخوف ولن تُفتح الشبابيك العربية ولن ترفع الستائر ما لم ينتهي الخوف الذي يعشعش بداخلنا.

المقال السابقمسحورون ..أم جهلة ؟
المقال التالىافلاس داعش والمنشورات
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات