أدباء رسّخوا قصص الأوبئة في رواياتهم عبر التاريخ ؟

 

أدباء رسّخوا قصص الأوبئة في رواياتهم عبر التاريخ ؟
وباء كورونا يؤجج الفكر للابداع ؟

منذ العصور القديمة أرّخَ الأدباء والفنانون من خلال روايات وقصص و قصائد شعرية و لوحات فنية ، معظم الأحداث التي تصدى لها الانسان ، من حروب ومجازر ، في خيباته وانتصاراته وفي شتى المجالات ، كما كتبوا عن الغرام وقصص الحب الخالدة ، وهناك من رثا عزيزا أو بطلا مات في الحرب كالشاعرة الخنساء التي رثت أخاها أبنائها بأروع القصائد .كما نجد ملحمة هوميروس التي تمثل روح و تاريخ الحضارة اليونانية ، دون أن نهمل تاريخ روما العريق من خلال اللوحات الفينة والتماثيل الخالدة التي لاتزال قائمة ليومنا هذا .اليوم ونحن نعيش زمن الوباء الصامت الذي يعتبر حرباً مستترة لا ترى بالعين المجرد، ألا وهو وباء كورونا كوفيد 19، الذي اجتاح العالم بأسره وضرب أكبر الدول قوة، كأمريكا والصين وأوروبا التي هزمها بشكل رهيب ، وفتك بالآلاف من البشر أكثر مما تخلفه الحروب التقليدية ، والكوارث الطبيعية ، هذه الجرثومة الخطيرة المدمرة استطاعت أن توقف عجلة الاقتصاد العالمي وجعلت الإنسان حبيس بيته .

لزمن طويل قبل انتشار فيروس كورونا، كان موضوع الوباء تقليدا أدبيا مبثوثا في التاريخ الأدبي، وتناول عدد من الروائيين والشعراء قصصاً إنسانية تتراوح بين الألفة والفراق، ومشاعر من فقد حبيبه بالوباء، وكذلك المحاصرين في الحجر الصحي أو الخائفين من العدوى أو الفارين من الموت، أو فراق الأحبة الذي تركهم يفتقدون اللقاءات العائلية والتآزر الذي بينهم بسبب الخوف من انتشار الوباء بين الناس .وقد تنوعت مواضيع الأدب حيث لم تخلوا من القصص المشوقة المستوحاة من واقع معاش حيث كثيراً ما انبثقت القصائد والقصص والروايات من رحم المعاناة الإنسانية،

لو تحدثنا عن كتاب عالميين أرخوا للأوبئة من خلال روايتهم سنجد في رواية الطاعون للكاتب الفرنسي “ألبير كامو” الذي كتب روايته “الطاعون” حيث دارت أحداثها في مدينة وهران الجزائرية في عهد الاحتلال الفرنسي للجزائر ، عندما اجتاحها الطاعون الذي انتقل من الجرذان للإنسان ، كما نجد في روايته بعدا آخرا فلسفيا واجتماعيا ، إذ يطرح أسئلة عميقة حول علاقة الإنسان بالموت والله، لكنه لم يشر الى أن وهران مدينة جزائرية عربية ، ما عدى بعض الاسماء التي تدل على امازيغيتها ، ( هذه الاحداث طبعا حدثت في زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر ) . وإن كنا نستشف براعة الكاتب” ألبير كامو “و قدراته خارقة

في وصف الأمكنة والأزمنة وصفاً دقيقاً ومشوقا أبرز براعته الأدبية و الفنية ، إلا أنه غيّب سكان المدينة الأصليين، وكأن موتهم لا يعني شيئاً له ، فالذي يعيش خارج اللغة الفرنسية الكولونيالية يموت من دون أن يكون لموته صدى أو حدثاً يحكي عنه التاريخ .

كما ارخت الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة جزء من حياتها ، فمن بين أشهر القصائد التي نظمتها كان الوباء موضوعها ، و هي بعنوان “الكوليرا “وذلك سنة 1947 على وزن البحر المتدارك، حيث صوّرت فيها مشاعرها وأحاسيسها نحو مصر حين داهمها وباء الكوليرا، وحاولت التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا المرض في الريف المصري، والتي نالت شهرتها بسبب فنية القصيدة حيث لاقت شهرة كبيرة في الشعر العربي .و نجد أ، قصيدة نازك فاقت شهرتها قصيدة الشاعر المصري علي الجارم التي كتبها عندما ضربت الكوليرا مسقط رأسه (مدينة رشيد) بمصر عام 1895.

مقطع من قصيدة الكوليرا للشاعرة الراحلة نازك الملائكة حيث تقول :

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
فى عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
فى كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكى صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ.

و من اشهر الروايات التي لاقت صدى كبيرا في عالم الأدب ، رواية ( الحب في زمن الكوليرا ) للكاتب الكولومبي “غبريال غارسيا مركيز “، الحائز على جائزة نوبل للآداب ، نشرت الرواية باللغة الاسبانية في عام 1985 ، والترجمة باللغة الانجليزية كما نشرت سنة 1983 ، باللغة العرية …….. وتحولت إلى فيلم باللغة الإنجليزية في عام 2007، تروي أحداث الرواية قصة حب رجل وامرأة منذ المراهقة، وحتى ما بعد بلوغهما السبعين، وتصف ما تغير حولهما وما دار من حروب أهليه في منطقة الكاريبي وحتى تغيرات التكنولوجيا وتأثيراتها على نهر مجدولينا في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين. كما أنها ترصد بدقة الأحوال في هذه المنطقة من العالم من حيث الأحوال الاقتصادية والأدبية والديموغرافية دون التأثير على انتظام الأحداث وسيرها الدقيق مما يضعنا أمام كاتب يمسك بأدواته على أحسن ما يكون.، أما الكوليرا فمثلها مثل الحروب الأهلية وأحداث كثيرة، لكن بطل غارسيا (فلورنتينو) استطاع توظيف الوباء، فعامل التلغراف الذي أضحى مالكا لمركبات نهرية، واستطاع بعد 53 سنة أن يكون برفقة محبوبته

لو تحدنا عن سقوط الحضارات فنجد أن معظمها سقط بسبب الأوبئة القاتلة التي اجتاحت الدولة القوية كحضارة اليونان التي اجتاحها وباء ، بعض هذه الأوبئة شكل محطات “مظلمة” في التاريخ مثل “طاعون أثينا” الذي حل في العام430 ق.م بُعيد حرب البيلوبونيز الشهيرة، طاعون روما (165- 190 م)، الطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا وقضى على ثلث أهل القارة (1347-1352) ثم انتشر في آسيا والشرق الأدنى.

كما استعرض الكاتب المصري أحمد العدوي في كتابه “الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية” آثار الطاعون على الدولة الأموية والحياة والمجتمعات في أقاليمها المختلفة، واعتبر أن عصر الدولة الأموية شهد حوالي عشرين طاعونا، بمعدل طاعون واحد لكل أربعة أعوام ونصف تقريبا، واعتبر أن تراجع ثقل دمشق -التي كانت عاصمة للخلافة الأموية- يعود لتفشي الطاعون الذي حسم أيضا معارك كبيرة في العصر الأموي، بما فيها صراع مصعب بن الزبير مع عبد الملك بن مروان بالبصرة، وكذلك حسم سقوط الأمويين عندما استغل العباسيون الوقت المناسب لإعلان ثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق في منتصف القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري).

وقبل تسعة قرون كتب الفقيه والأديب عمر المعرّي الكندي المعروف بابن الوردي قصيدته عن الطاعون التي اعتبرت من قصائد رثاء النفس؛ إذ توفي بسبب الطاعون بعد يومين من كتابتها، وفي تقريره الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، قال الكاتب مصطفى أبو

سنينة إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تزخر بتقليد قديم في كتابة الشعر عن المرض والوباء.، وتعتبر الأعمال المتعلقة بالوباء في منطقة الشرق الأوسط ، ليست مجرد أدب خيالي؛ لكنها تجاوزت ذلك بالواقع المعاش ، و الأعمال الفنية والانطباعية لتشمل أيضًا إرشادات النظافة والصحة ، والتوعية ، آداب السفر والأحاديث، وقدم هذه الكتاب أعمال كاتب القرن التاسع ابن أبي الدنيا مع الأعمال التي كتبها ابن حجر العسقلاني إرشادات حول كيفية مكافحة المرض، مثلما يحدث في هذا القرن من البحوث والارشادات والبحث في ايجاد ادوية لمحاربة هذه الأوبئة ، و هذا ما يفسر أن العرب كانوا ململمين بالعلوم والطب والبحوث البيولوجية .

كما كتب المؤرخ الأمريكي شلدون واتس في كتابه “التاريخ والأوبئة” موضحا أن وفاة الآلاف من العمال والفلاحين في الوباء في مصر المملوكية أدى إلى هجر قرى بكاملها وانهيار الزراعة ومعها صناعات أخرى مثل الحرير والملابس، و الطاعون كان واحدا من الأسباب الرئيسية في انهيار حكم المماليك، إذ لم تقتصر عواقبه على حصده المستمر للسكان في موجات لا تتوقف في مصر والشام من العام 1347 وحتى الغزو العثماني في العام 1517، لكن العواقب الأوخم كما يشير الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة، تمثلت في المجاعات التي تعقب كل وباء والخراب والانهيار الاقتصادي.

و رغم تعدد روايات الأوبئة والأمراض نجد أن رواية”إيبولا 76″ للروائي السوداني أمير تاج السر قد وضع بصمته الخاصة في رواية أكثر واقعية، بأمكنة حقيقة وتاريخ حقيقي، جاعلا الفيروس قاتلا بامتياز “وحده إيبولا الذي يرعى في دم عامل النسيج ودماء الآخرين الذين اقتنصهم من البارحة يعرف ويخطط وينفذ متى ما استطاع”

بلا شك إن قصص الفيروس القاتل الصامت الرهيب كورونا كوفيد19 سيكون قبلة للروائيين و السينمائيين لكتابة ما خلفه هذا الوباء من رعب وقتل وخوف في الشعوب ،والحلات النفسية التي ستنتج عنه وخاصة مع الحجر الصحي في الفنادق و المنازال حيث أصبح فيه الانسان متقوقع بين جدران البيت والرعب يسكنه من هذا الزائر القاتل الصامت في أي لحظة .

لا تعليقات

اترك رد