مسحورون ..أم جهلة ؟

 
مسحورون ..أم جهلة ؟

ظهر قبل فترة في بغداد رجل يدّعي القدرة على فك السحر فتوافد عليه الزوار ، وقيل انه امتلك هذه القدرة بعد ان توفي لثلاثة أيام ثم عاد الى الحياة . لم يتوقف احد ليفكر كيف عاد الى الحياة بعد ثلاثة ايام قضاها تحت التراب الثقيل حيث لامجال للتنفس او لطلب النجدة.. فالناس لدينا لايتوقفون أمام هذه التفاصيل الصغيرة لولعهم بتصديق الغيبيات خاصة وان الرجل عاد ساحرا او قادرا على فك السحر ..لافرق فهو يفي بالغرض لعلاج أجسادهم ونفسياتهم المتعبة من ضغوط العصر ومتاعب البلد ..

استقبل الرجل العديد من الزبائن بعد ان غلف حجرته بالقماش الأخضر ولطخ جدرانها بأكف من الحنّاء..كان يقول لكل فرد يستقبله انه ( مسحور ) ويعطيه شرابا يستخرج به السحر من جسده عن طريق ( القيء ) او ( الإسهال ) وحسب نوع السحر ..وهكذا بدا ان جميع مراجعيه مسحورين لأنهم إما أصيبوا بالقيء او بالإسهال .. لم يفكر اي منهم ان الرجل ربما يستخدم في علاجه مايدفعهم الى الاصابة بهذه الأعراض لتنجح مهنته ..انه الجهل الذي علمتنا كتبنا الدراسية ان الاستعمار يجلبه مع الفقر والمرض ويتحرر الشعب منه متى ماتحرر من الاستعمار ..

من يستعمرنا الآن إذن ويعيدنا الى زمن الجهل والفقر والمرض ؟..هل هي الحكومات الدكتاتورية التي انتزعت منا الروح الوطنية وزرعت مكانها الخوف والإقلاع عن التفكير خشية الوقوع في المحظور أم هي الديمقراطية المشوهة التي وفدت الينا بقشورها لا بمحتواها الحقيقي فلم تقدم لنا مايشدنا الى الأمام ويحرر أدمغتنا من الرقيب ونفوسنا من الخوف ومداركنا من الجهل ؟…

يعيب علينا البعض ابتعادنا عن بعضنا والسعي وراء من يفرقنا فالجهل ليس تصديق رجل يدعي السحر بل تصديق من لايريد لنا الخير والتطور والتوحد ..انه الجهل السياسي تحديدا ..ذلك المرض الذي اذا أصاب شعبا أعاده الى الوراء آلاف الأميال واذا كان رجال السياسة في بلد ما من حاملي جرثومته فسوف يصبحون وباءا يسلب البلد عافيته ويجعله يئن تحت رحمة تصرفاتهم الهوجاء ورعونتهم السياسية فالجهل يقتلع الحكمة من المرء ويزين له طريق الخطأ بورود الفساد وضياع القيم وانتحار الشعور الوطني ..

في الماضي ،..كان الجهل يعني النقص في التعليم ، أما الجهل السياسي فلم يكن موجودا لأن ابسط مواطن كان يدرك ان اغلى ممتلكاته هو الوطن لذا يعمل بإخلاص لخدمته ولايتردد في الموت في سبيله ، أما اليوم فقد غدا الوطن شعارا يفتتح به السياسيون مزادهم العلني ويفكر اغلب أبنائه بالفرار منه ويتقاتل رجال السلطة على مقاعد حكمه ويؤججون أحقادا وفتنا تجعل الوطن ارض صراع لا وئام …انه الجهل السياسي الذي يجعل الشعب يصدق كل شيء ..وعود الساسة ..ديمقراطيتهم المزيفة …ووطنيتهم الكاذبة لن نستغرب إذن زحفهم الى ساحر عاد الى الحياة لينقذهم من أوجاعهم … لكننا نخشى حقا ان نلحق بهم …في ركب الجهل واسترخاص الوطن .

المقال السابقحوار ومثقّفون وأمم!
المقال التالىشبابيك عربية
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد