سيدات المقهى

 

ليس لأمرأة إلا صديقاتها حين يتعلق الأمر بالحاجة للفضفضة وأخذ المشورة والأصغاء لبعضهن البعض، قلب أمين وأذن تسمع وترشح ما تسمعه في قاع عميق من الكتمان، وبعض المرح ولا بأس بالنميمة أيضا, لذا يجتمعن معاً شهرياً في مقهى إعتدن الجلوس فيه منذ سنوات لم يغيرنه لسعته فغالباً لا تكون المقاهي فسيحة بما يتلائم مع أمزجتهن .

السيدة الشقراء بدأت الكلام عن زوجها الذي هلك دينها بشبقه المتفجر مع بزوغ أعوامه الخمسين، تشكو خياله الأيروتيكي الجامح الذي صار يثقل حياتهم بشدة خاصة وإن هذا الزوج يتحول من طفل باك وعاشق ولهان الى بغل كبير بعد الإنتهاء من حفلة الجنس المتكررة ليلياً. أما في الصباح وما أن يضع خفه في قدميه حتى يعاود تمثيل دور القائد العام للقوات المسلحة في البيت ، فيقتحم غرف الأولاد بالصراخ ويبدأ بصب النصائح على رؤوسهم وهم نصف نيام ثم يكركب الدنيا من حوله حتى يغادر الى عمله لتتنفس هي الصعداء بعد ذلك.

الطويلة بينهم قالت للشقراء والله إن كان يملك خيالا جنسياً جامحاً فهذا مما يحمد لأن زوجي الذي قضيت معه عشرين عاماً لم يفكر يوما أن يغير إسلوبه معي في الفراش وحين شكوت له الرتابة والملل تفتق ذهنه عن فكرة رومانسية عظيمة فأحضر شمعة معطرة صار يشعلها كل ما هم بمعاشرتي.. وها نحن على نفس الحال منذ خمس سنوات نفس الشمعة ونفس النفخة التي ينفخها زوجي ملأ صدره ليطفئها قبل أن يحتضن البطانية وينام.

السمراء الرشيقة شكت من غيرة زوجها التي تزداد مع تعاقب الأعوام وقالت أنه أمسك منديلاً مبللاً ومسح الكحل عن عينيها عنوة اليوم قبل أن تغادر الى صديقاتها، بعد أن صرخ بانه يغار عليها ولن يقبل أن يتمتع رجال أخرون بمنظر عينيها الجميلتين الواسعتين التي يزيدها الكحل سحراً وجاذبية، كما طلب منها أن لا تجتمع مع صديقاتها في المقهى وأن يحولن إجتماعهن الشهري الى بيوت فهذا أحفظ لهن من جلسات المطاعم والمقاهي الذي يعرضهن لعيون الرجال الوقحة. ولما لمح غضبها وإحتقان عينيها بالدموع جثى على ركبته مقبلاً كفيها وقدم وصلة غنائية طويلة عن غيرة الرجل العاشق التي تحمل أسمى معاني الحب الصادق وتوسلها أن لا تفهم غيرته على أنها أنانية ومحاولة لوضعها في قفص وسلباً لأنسانيتها، بل عشقاً وتولها وغراماً عارماً ستحسدها عليها النساء الأخريات.

العزباء بينهن التي تقيم علاقة مع رجل متزوج بدت غارقة في دخان سجائرها وصامتة تتأمل أحاديث صديقاتها بإسترخاء، وحين سألنها عن حبيبها المتزوج الذي قضت معه قرابة العامين ضحكت وقالت: ان فيه مما قلتن الكثير فهو ذو خيال جامح ومثير في أول العلاقة حين كنا نجتمع يبهرني يتصرفاته غير المعقولة والمجنونة أحيانا ، ويغار علي وعلى كل خطوطة أخطوها ويرسل لي رسائل الحب والغرام والسؤال عني ومن معي ومن حولي… حتى لا يكاد هاتفي يهدأ ليلاً او نهاراً. الأن ومع تقدم العلاقة صار هذا الخيال رماداً يحرقه في محاولاته رسم إستراتيجيات هروبه من زوجته ورقابتها الصارمة لكل حركاته وسكناته، تصوروا انه قضى شهراً يخطط للهرب منها ليومين يقضيهما معي وفي أخر لحظة اكتشفت زوجته مخططه أو أوشكت، فاتصل وألغى الإتفاق مع رسالة تحذرني بإن لا أتصل به الأن فالأمور ليست على ما يرام. مع مرور الوقت لم أعد أتحمس له وفقدت ترقبي لأتصالاته وكرهت أعذاره الساذجة، بل صرت أشمئز من نفسي كلما ضبطها تشتاق إليه أوقات وحدتي. فقد صرت متأكدة أنني بالنسبة له لهو يسلي به بعض رتابة أيام زواجه البائس..لم يصمد في أي حوار بيننا فصرت أتطلع لكلمات الحب والغزل التي يمطرني بها ويكتبها لي كمن يتغزل بهلاكه. وبينما هي تتحدث إتصل حبيبها المتزوج وظل الهاتف يرن بلا توقف وكلنا مذهولات لعدم إكتراثها له حتى أطفأت الهاتف ورمت به في قعر حقيبتها وإستأنفت سحب نفس من الأركيلة التي أحضرها النادل الشاب.

الحكيمة بينهن قالت: تباً لهذه المخلوقات البدائية التي لم تتطور ولن تتطور أبداً.. مع أي حوار سيهربون وسيتهمونك بأنك امرأة نكدة وفاقدة للانوثة، لأنهم لفرط أنانيتهم يحسبون أن صبرنا عليهم ضمانة لبقاء الحب مشتعلاً، وأن المرأة لا تتوقف عن الحب مهما تعرضت للإهانة. حتى إني لم أعرف رجلا فهم مرحلة الحياد الذي تمر به المرأة قبل إنهاء أي علاقة حين تصل لصمت الحب وتفقد رغبتها في العتاب، يظل يفسر صمتها هذا طاعة له ولا يقدر أن يمد بصره ليكتشف الجمر تحت الرماد. طبعا هذا مع رجالكن الذين يحتالون عليكن ويقلبون المفاهم لصالحهم، لأجل الجنس والرعب من الرجل الأخر أجسادكن هي الكهوف التي يحتمون فيها من هشاشتهم وضياعهم …أما الأخرق الذي في بيتي فهو لايعبأ بي وبجسدي، انه يغوص في وحل عقله التافه من أجل خطة ينتزع بها المال مني وهذا أقصى مبتغاه الذي لم يعد يخفيه على الاطلاق..لم يعد ينكر طمعه بل وصل الحال به لتهديدي بأن كل ما أملك هو له فانا زوجته وهذا حقه وإنه لايضيع الأموال بل يستثمرها في أعمال صغيرة ومربحة. يحلو له أن يستغبيني ولا يعرف كم هو مكشوف لي وإني أعرف أين يذهب بالأموال التي يسلبها مني…صرخن وماذا يبقيك معه !!

قالت الحكيمة: الأولاد فقط الأولاد .

وبينما يرفع النادل فناجين القهوة الفارغة أقبل عند الباب شاب وسيم فارع الطول يبدو في نهاية سنواته العشرين، تتقدمه غادة تفيض حسناً وخجلاً وتحتضن وردة حمراء الى صدرها وتجر ذيل ثوبها الأزرق المفتوح عند الكتفين، بينما بريق عينيها يفيض على رمشيها.. متعثرة بالمناضد والكراسي في كل خطوة تخطوها…تتلفت وتلقي نظرة متسائلة الى صاحبها وكأنها تنتظر أن يحدد الطاولة التي سيجلسون عليها. ما ان وقعت عيون السيدات على تلك الفتاة حتى تعالت ضحكة جمعتهن فغصصن بها الى أن غابت البنت الغريرة مع حبيبها في زاوية خفية من زوايا المقهى.

لا تعليقات

اترك رد