اَلْحَكَايَا الَّتِي تُؤْكَلُ

 

كان الفتى يلعب لعبته الأثيرة Free Fire كدأب أبناء جيله، وكان يتناهى إلى مسمع أبيه صيحاته: “أعطني دما” …” أحتاج ثلجا” فيقول له “فعلا تحتاج دما وعزما حتّى تعود عن هذه اللّعبة الّتي فيها اغترابك واستلابك” أو يقول له: “ما حكّ جلدك مثل ظفرك. إلى متى تستطيع بغيرك؟”. ويمضي الفتى في لعبته غير آبه بل غير معنيّ بتعليقات أبيه، يمضي فيها مستغنيا بها عن طعام يبسط بين يديه، وعن فرصة تتاح له ليجتمع بأبويه يتحدّث إليهما وهو الّذي تملأ أحاديثُ رفاقه اللّاعبين لعبتَه سمعَه ملءَ يومه وهزيعا من ليله ويُدعى إليه فيقول: “ليس الآن…أنهي اللّعبة أوّلا”. وينصرف الآكلون عن مائدتهم طيّبتها شهوتهم وألفتهم ولمّا يجلس إليها الفتى.
كان ذات أصيل بين يَدَيْ لعبته تنتهب وقته وعقله في حَجْرِه الصّحّي الطّوعيّ مع أفراد عائلته عندما خاطب أمّه قائلا:” أمّي… ثمّاش حكاية ناكلوها”. تنبّه أبوه لقوله وقد كان يقلّب أوراقا ويخطّ خطوطا وقال مُستحسنا: “للّه ما أبلغ ما قلت!” واحتاج أن تشاركه أسرته هذا الإحساس ببلاغة العبارة فتوجّه إليهم قائلا: “أتدركون بلاغة ما قال الفتى؟” وطفق يكرّرها على مسامعهم وهم يضحكون ويعجبون وأوّل الضّاحكين ذاك البليغُ.
ولم يكن الفتى يقصد أن تروي له أمّه حكاية فهو غنيّ عن حكاياتها بتفاصيل هذه اللّعبة الّتي تملك عليه كلّ وقته حتّى أنّه لا يجد الوقت للجلوس مع أمّه أو أبيه أو أسرته عامّة، بل إنّه دعاها إلى أن تقدّم له طعاما. استعار الحكاية للتّعبير عن الطّعام فالطّعام عنده حكاية، والحكاية تقوم لديه مقام الطّعام. يرى الحكاية الّتي تُحكى نظير الطّعام الّذي يؤكل. ومن قال إنّ حكايته لا تؤكل؟ أليس فيها يلوك الكلام، ذات الكلام كلّ يوم مع أصدقاء لعبته، نفس الأصدقاء تقريبا. ذات اللّعبة لا يغيّرونها ولا يملّونها، فتى لا همّ له إلّا مضغ الكلام ومضغ الطّعام. يلوك الكلام لا يبقى في نفسه منه شيء ولا ينتهي منه إلى طائل ينتفع به أو ينفع به كالطّعام يأتيه على عجل يستعجل ازدراده ليعود إلى لعبته فلا يستمرئه لأنّه لا يَفرغ له حسّا وعقلا. ويذكر أبوه وهو يخطّ هذه الجملة أبا هريرة ” إذا أراد الطّعام تطهّر له كتطهّره للإحرام”. وهو لا يبدع حكايته بل يستهلكها وقد ترك لمصمّمي هذه الألهيات أمر تدبير حبكتها شأنه في ذلك شأنه مع الطّعام لا يتكلّف مشقّة إنجازه وقد ترك لأمّه حريّة اختيار نوعه ومذاقه وكمّه: “حكاية” نكّرها فأطلقها من كلّ قيد أو شرط. وحسبه أن تكون حكايتُه طعامُه كلعبته فاكهة وسلوى. فليس له في حجره الصّحيّ هذا إلّا الحكي يَلَذّ ببعض الأكل يزجي بكليهما الوقت. وقت يتفنّن في تضييعه ينسرب منه كانسراب الماء بين الأصابع. إدارة الوقت جزء من إدارة الذّات، معنى أن تكون في الوجود. ولكن هل تراني أُحسن إدارة وقتي وذاتي حتّى أُنحِيَ باللّائمة على ابني؟ أليس هو أمسِ واليوم وغدا جزءا من وقتي وذاتي؟
يُسقط الفتى تجربة الحكي على تجربة الطّعام فيستعير تجربة الحكي للتّعبير عن تجربة الطّعام منها يرسم عبارته الاستعاريّة لتصبح الحكاية طعاما. وما أيسر أن تكون كذلك! أليست التّجربتان تشتركان في الجهاز الموظّف في كليهما فجهاز التّصويت عند الحكي و”أسباب حدوث الحروف” فيه هي أسباب لتناول الطّعام واستمرائه. وبين التّجربتين وجوه اشتراك وتماثل فكلاهما يُشتهى؛ يُشبع الطّعام الجوعَ وتُشبع الحكاية الفضولَ، يُجتمع حول الطّعام ليؤكل وحول الحكاية لتُسمع، وفي الاجتماع حولهما إيناس وإمتاع يقيم كلّ منهما الأود أود الرّوح.
الحكاية طعام وكلاهما ممتع: أمّا الطّعام فمتعة من متع الحسّ تلذّ له الحواسّ ذوقا وشمّا ولمسا ونظرا على قدر الاشتهاء والطّلب، وعلى قدر اجتماع الطّعوم تؤلّف المذاق الشّهيّ. وحسب الطّعام لذّة أن تطهوه يداها المُنْعِمات أبدا وتعطّره أنفاسها الخافقات حبّا وحدبا. وأمّا الحكاية فمتعة من متع الكلام تلذّ في الأسماع وترتسم صورها في عيون الأخيلة وتنقدح لها ذاكرة الحواسّ بقدر ما في أحداثها من طرافة وفي سردها من تشويق وفي حاكيها من مهارة: فصاحتِه وإبانتِه بالعبارة والإشارة وحسن إقباله على الحكاية وسامعيها.
الحكي كالأكل لقاء حميم؛ مُلَحُ الكلام ومِلح الطّعام وهل كالمُلْحة والمِلْح آصرة ووِدّا؟ الحكيُ أخبار نتقصّاها في مجالسنا اليوميّة عند اللّقاء، وما أندر لقاءاتنا هذه الأيّام وكلّ في بيتِه محبَسِه! وكم هي عابرة ككلمة لا تعبر إلى القلب! الحكي طفولتنا تكبر في أحضان جدّاتنا، أوّاه يا جدّتي، كم كانت الرّوح جائعة وكم كانت حكاياك زادا لا يفنى. الحكي مسامراتنا ليالي الشّتاء الطّويلة وليالي الصّيف تحت الأقمار وقد تراخى الزّمان، وها قد تراخى الزّمان في حجرنا الصّحيّ فهل حكاية تجمع أبناءنا إلينا يستعيضون بها عن لهو حديثهم؟ وهل حكايا تمدّ الأسباب بيننا فيعرف كلٌّ قرينَه وأليفَه ويعرف كلُّ قرينٍ وأليفٍ نفسَه؟
“حكاية نأكلها” بين الحكاية الّتي هي كلام والأكل الّذي مادّته الطّعام حوار وتراسل واجتماع ولقاء وتناوب فإدراك الحكاية باعتبارها طعاما لا ينفكّ عن تجربة اجتماعيّة يكون فيها الكلام فاتحة الطّعام تسبق طقوسُه طقوسَ الطّعام، والحكي جزء من طقس الأكل فمن تمام القرى والكرم مؤاكلة الضّيف ومحادثته تأنيسا له. والحكاية اسم جامع لألوان من السّرد يكون فيها الكلام بديلا عن الطّعام إغراء ومطلا كالحال في المقامة “يَاغُلاَمُ الْخُوَانَ، فَقَدْ طَالَ الزَّمَانُ، وَالقِصَاعَ، فَقَدْ طَالَ المِصَاعُ، والطَّعَامَ، فَقَدْ كثُر الكَلام”، أو دعوة وصدّا على نحو ما نجد في النّادرة: “الأمر هو أن أقول أنا: هلمّ فتجيب أنت: هنيئا، فيكون كلام بكلام. فأمّا كلام بفعال وقول بأكل فهذا ليس من الإنصاف”، ويكون الأكل جزءا من طقس الحكي؛ فاكهةً تزين المجالس والمسامرات وهي صنو فاكهةِ الكلام: طِيبِ الأخبار والقصصِ والأشعارِ. بل إنّ الفاكهة موصولة أبدا بحال التّفكّه والاستمتاع بأنس الاجتماع وبماتع الأحاديث أو بحال الصّفاء والخلوة إلى الذّات نحاورها. ولا أدري لِمَ يُسمّي صنفٌ من الباعة فواكههم “فواكه جافّة” وهي الّتي بها رواء النّفس والعقل وخصوبة السّمر واللّقاء ولو عرفوا لسمّوها فواكهَ الكلام فهي لا تنفكّ عن أحوال المتكلّمين وعن طيب ما يتحدّثون به. وكذا الأدَب أَدْبٌ إلى المحامد والأطايب؛ إلى فاكهة الكلام تُجتنى، وإلى أفاويهِ العبارة تُذاقُ، نستعير في حضرته حاسّة إدراك الطُّعوم لإدراك البيان.
لم يُرِد الفتى البليغ بالحكاية الّتي تؤكل غير لَذٍّ مُشتهَى لا صلة له بالجوع والشّبع بل له كلّ الصّلة بما يزيد الحكيَ فتنة؛ حكيَهُ مع صحبه ذاك الّذي يستهجنه أبوه وينكره ويراه اغترابا عن الحياة لا تعبيرا عنها كالأدب المأدبة. ولعلّه كان يقنع من الطّعام بالحكاية عنه كأن تقول له أمّه: سأعدّ لك بعد حين رُقاقا شهيّا أو قَطْفًا أو تحفة أتخيّرها كتحفة الزّائر… ثمّ لا يلبث أن ينسى في غمرة لعبته طَلَبَهُ وعِدَةَ أُمِّه ولعلّها تنسى أيضا، وقد يعوّض الحكيُ الطّعامَ إذا وجدت النّفس فيه هواها. أوليس جلّ طعامنا هوى لا حاجة؟ ألم تمنع أهواؤنا الجوعى من سدّ حاجاتهم؟
الطّعام مسرودا والسّرد مطعوما يَهَبُنَا كلاهما- في حجرنا الصّحيّ هذا- الحياةَ لأنّ الطّعامَ كالسّرد طوقُ الألفة والألّاف.
يغفل الفتى البليغ عن شوارد استعارته التّصوّريّة ويمضي أبوه يكتب نصّه.

لا تعليقات

اترك رد