حوار ومثقّفون وأمم!

 
حوار ومثقّفون وأمم!

حين دُعيت من جمعية الصداقة الكردية – العربية، لإلقاء محاضرة في إربيل عن القضية الكردية، في ظلّ التطوّرات السياسية الأخيرة في المنطقة، اخترتُ عنواناً يتعلّق بالمستقبل، فكيف يمكن أن ننظر إليه في ظلّ المحيط العاصف والمضطرب الذي يحيط بالكرد وقضيّتهم، من زاويتها الإنسانية والقانونية، ولا سيّما في إطار المصالح الدولية والإقليمية؟

والمستقبل يمثّل في بعض منه “الحلم” الذي عاش الكرد له وعليه طوال عقود من الزمان، ولعلّ ذلك ما دفع الروائي الروسي مكسيم غوركي وهو يتحدث عن أحد أبرز ثوريّي العهد الذي عاش فيه، بأن وصفه، أن نصف عقله يعيش في المستقبل، أي للحلم الذي أراد رعايته كي يزهر.

وبالطبع ليست كل الأحلام وردية، فبعضها قد يكون كابوساً، الأمر الذي يُحسن بالثوريين أن يفرقوا بين الحلم والكابوس، باختيار اللحظة الثورية المناسبة، كي لا يتبدّد الحلم وينتحر، وكي لا يتم التقاعس بزعم عدم نضوج الظروف، فيتعرّض الحلم للنحر.
وإذا كان الحديث أمام جمع كردي في الغالب، فيصحّ لنا القول: لا يُفتى ومالك في المدينة، إلاّ أن حضوراً عربياً، بعضه من أساتذة جامعة وأكاديميين، كان في صلب مشهد الحوار وتبادل وجهات النظر، خصوصاً وأن بعضهم من النازحين من محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل.

أربعة ملاحظات بمثابة مدخل إلى الموضوع:
الملاحظة الأولى: راهنية ومستقبلية المسألة الكردية، التي تدخلها في تقاطع المصالح الدولية والإقليمية والمحلية من جهة، ومن الجهة الأخرى ترابط الأهداف والوسائل، وحسب المهاتما غاندي فإن الوسيلة إلى الغاية، هي مثل البذرة إلى الشجرة، فهما مترابطان عضوياً، ولا يمكن الانفصال بينهما، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، فالوسيلة الشريفة هي جزء من الغاية الشريفة.

ولكل مرحلة وسائلها النضالية، فلم يعد العنف الخيار الراجح للدفاع عن الحقوق، بل أصبح الحوار واللاّعنف وكسب العقول بعد كسب القلوب والركون إلى السلم والحلول السلمية، هو الغالب الأعم والشائع، باعتباره الأكثر نجاعة والأقل كلفة والأكثر رسوخاً، وذلك ضمن إطار مرحلة جديدة من الصراع من أجل الحقوق.

ويدخل في تاريخ العلاقة العربية – الكردية اليوم موضوع قديم – جديد، هو المصير المشترك، وقد تمّ التعبير عنه عملياً باستقبال مئات الآلاف من النازحين من محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار وغيرها، وهو ما يدخل في إطار التأثيرات المتبادلة، بين الشعبين العربي والكردي في العراق، على الرغم من وجود نعرات انعزالية وتعصبية، لكن واقع التعايش يفرض نوعاً من التسامح والتواصل الإنساني.

الملاحظة الثانية: ثقل العامل الدولي والإقليمي، وهو وإن كان مؤثّراً في السّابق، إلاّ أن تأثيره أصبح أكبر منذ انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، وبداية شكل جديد من الصرع الآيديولوجي. ولا يمكن اليوم الحديث عن حق تقرير المصير وإقامة دول وكيانات جديدة في المنطقة دون حساب مصالح العاملين الإقليمي والدولي، وتأثيراتهما وامتداداتهما.

الملاحظة الثالثة: دور العامل الاقتصادي، والمقصود به، تداخل وترابط العلاقات الاقتصادية والتجارية، خصوصاً وأن إربيل أصبحت مدينة عالمية، وفيها شبكة واسعة من تقاطع المصالح لشركات ودول وقنصليات ومؤسسات دولية وقطاعات مصرفية، ناهيك عن كون كردستان طريقاً تجارياً لإنتاج وتسويق النفط، الأمر ليس من السهولة بمكان تجاوزه من الأطراف الداخلية والخارجية.

الملاحظة الرابعة: مكافحة الإرهاب والأهمية الاستراتيجية والأمنية للمنطقة، ولنلاحظ ماذا حصل عند اقتراب داعش من حدود إربيل، فسرعان ما تحرّكت إيران والولايات المتحدة التي أسست تحالفاً على جناح السرعة لحمايتها، الأمر الذي دفعها للتخلي عن الفكرة والتوجه صوب بغداد.

وإذا كان هذا يخصّ الإقليم، فكيف ارتفع اسم كوباني في الفضاء الدولي، والأمر لا يتعلّق بها فحسب، بل باحتمال قيام كيان كردي في سوريا، وبالتالي علاقة ذلك بحزب العمال الكردستاني الـ PKK، ومن ثم بالمستقبل الكردي في تركيا، ناهيك عن مستقبلها في إيران، بما هو ظاهر وما هو مستتر.

وإذا عدنا للدراسات المستقبلية فهناك مدخلات ومخرجات، وذلك من خلال ثلاث احتمالات:
الأول – بقاء الحال على ما هو عليه لخمس أو عشر سنوات أخرى، وهذا يعني المراوحة
الثاني – عودة القديم إلى قدمه، أي التراجع باتجاه المركز، وإن كان احتمالاً ضعيفاً، لكنه قد يحصل فيما إذا حدثت تغييرات غير محسوبة الآن، منها تصدّع الكيان الكردي القائم وانقسامه، وإعادة النظر بجوهر العملية السياسية والدستور.
الثالث – حدوث تغييرات جيوبوليتيكية باتجاه توسيع كيانية إقليم كردستان واختصاصاته، بالانتقال من الفيدرالية إلى:
1 – كونفدرالية
2 – دولة مستقلة

ويعني هذا الاحتمال الثالث عدم إمكانية المراوحة أو التراجع، وعملياً إعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة تتجاوز معاهدة سايكس – بيكو. التي تجاهلت حقوق الكرد، وإن جرت عودة إليها جزئياً في معاهدة سيفر العام 1920، لكن معاهدة لوزان العام 1923 ساومت عليها مجدداً.

وفي إطار هذا المتغيّر المحتمل يطرح رئيس إقليم كردستان موضوع إجراء استفتاء عام بشأن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الكردية، بقراءة تأخذ بنظر الاعتبار انبعاث الهويّات الفرعية، ومنها الهويّة الكردية، وذلك حتى قبل التغييرات التي حصلت في أواخر الثمانينات في أوروبا الشرقية، ويزداد جدل الهويّات وصراعها ومدلولاتها في ظلّ العولمة واحتمالات قيام دول جديدة، وهناك أمثلة لكيانات أنشأت بقرارات دولية أو أيّد قيامها المجتمع الدولي، مثل تيمور الشرقية وكوسوفو وجنوب السودان. ويتوقع الباحث الهندي – الأمريكي باراج خانا (من مؤسسة أمريكا الجديدة NAF) في كتابه كيف ندير العام؟ How to run the world، احتمال قيام دول جديدة ووصولها إلى 300 دولة خلال العقود الثلاثة القادمة.

وإزاء قيام كيان كردي ثمة ثلاث آراء متفاوتة في تأييدها أو معارضتها أو تحفظاتها لأسباب مبدئية أو تكتيكية أو مصلحية ظرفية أو طويلة الأمد. وتتوزّع القوى الإقليمية والدولية ومثقفي المنطقة بين هذه الخيارات الثلاثة التي تحتاج إلى حوار جاد ومسؤول من أجل الوصول إلى حلول ومعالجات سلمية مقبولة من جميع الأطراف، على أساس مصالح شعوب المنطقة وصداقتها وتعاونها وعيشها المشترك.

وكنت قد دعوت منذ أكثر من عقد من الزمان، وما أدعو إليه الآن بقوّة، هو الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة، العربية والتركية والفارسية والكردية، وأعتقد أن طريق الحوار والسلم هو الطريق الأصوب والأكثر نجاعة، على أساس الاعتراف بالحقوق والإقرار بالتنوّع والتعددية في إطار المشترك الإنساني.

لا تعليقات