الخروج الكبير و التفاحة

 

عندما كان آدم قابعاً في الجنة، ناعماً برغد العيش، لم يقنع بتلك الحياة وأراد أن يخوض تجارب جديدة تجعله يكتشف ما حجب عنه. ومن ثم كان من السهل على إبليس إغواءه ليتذوق من الشجرة المحرمة التفاحة التي حرمته من الخلود، وجعلته يهبط على الأرض ليقاسي فيها ويشقى كي يكون له حياة بها لمحة من رغد العيش الذي كان ينعم به دون أدنى مجهود وهو في جنة الخلود. وبسبب ما فعله آدم، لم يسلم نسله من خطيئة العصيان والعقاب، لدرجة تجعل الآدميون يظنون أن لعنة آدم متوارثة، ومهما فعلوا لن يسلموا منها. ويظن الناس أنه لو تم اعطاءهم الفرصة، ولو حتى لمرة واحدة، فإنهم لن يقترفوا نفس الخطأ، ولسوف يتشبثون بالحياة في الجنة، ولن يحاولوا العصيان حتى لا يعودوا لتجرع الويل في حياة من الشقاء والمعاناة مرة أخرى. فحسب الاعتقاد السائد، أنه بمقدورالإنسان كسر اللعنة لو أعطيت له الفرصة.
وفيما يبدو أن أمنية الناس أجمعين قد تحققت على حين غرة، دفعة واحدة. وأن الجنة نفسها هبطت على الأرض، وتحاول بشتى الطرق أن تجعل الآدميون يتقبلونها، لكنهم للأسف لا يزالون راغبون في التفاحة. ففي زمن تفشي جائحة الكورونا، المطلوب من البشر هو الاستمتاع بالعيش في الجنة، ولو لفترة محدودة من الزمن، من خلال البقاء داخل المنازل. فكل إنسان عندما فكر في الزواج، اختار الطرف الذي يرتاح له قلبه، واختار العيش في المسكن الذي أسسه ونظمه بطريقة تتناسب وذوقه. أضف إلى ذلك، يتناول كل الأطعمة التي يختارها بنفسه وتزيد من مقدار سعادته. وعند قراره بالتمتع بالأطفال، أنجب حفنة الأطفال التي تتناسب وطموحاته. لكن كان يضايقه الاضطرار للذهاب كل يوم إلى العمل للجد والاجتهاد، والدخول في دوامة عبثية تقضي عليه الاستيقاظ في وقت مبكر، ثم التوجه للعمل، ثم العودة للمنزل منهك خائر القوى، فتكون متعته الوحيدة الانغماس في الأكل، ومشاهدة التلفاز، أو الخروج لبضع سويعات – إن توافرت لديه القدرة أن يفعل ذلك. ثم يرجع مرة أخرى للمنزل ليخلد للنوم ثم يعاود الكرة في اليوم التالي. وكان ينتظر نهاية كل أسبوع ليقضيها في سبات عميق، راغباً حتى عن النظر للشارع من وراء زجاج النافذة. فكل واحد قد رسم لنفسه الطريق للاستمتاع بالجنة على سطح الأرض، بالطريقة التي تلائمه. لكن من الواضح أن الشيطان هو حليف الإنسان المفضل منذ عهد آدم، و يفضل الانصياع لوساوسه على الانصياع لأوامر الخالق. ما يحدث في عصر الكورونا هو صورة طبق الأصل من خطيئة آدم. فلعنته في تكرار مستمر، ومدى اللعنة لا نهائي. ففي فترة الحجر الصحي الجميع راغبون عن أفراد الأسرة، وعن شريك الحياة.
و يود الجميع الرجوع لحياتهم السابقة، واستئناف العمل في المؤسسة التي كانوا يكرهون النظر إليها فيما مضى؛ فلقد اشتاق الناس لحياة الكد والتعب، ورؤية حتى زملاء العمل الذين لا يروقونهم. والتفسير الوحيد لذلك أن الإنسان لا يستطيع المكوث خالداً في الجنة فهو بحاجة دائمة للعمل، والكد، وخوض تجارب أخرى جديدة. ولنفس هذا السبب، لم يقنع الإنسان الأول بحياته البسيطة داخل الكهف، التي كان همه الوحيد فيها إيجاد غذاءه المتوافر في كل مكان، ثم يقضي باقي يومه أو أيامه يستمتع داخل الكهف مع شريكته وأطفاله. فالإنسان قد خلق ليعلم، ويتعلم، ويجرب، وهذه هي الجنة التي يطاردها، لكنه لا يعرفها.
اللعنة الحقيقية التي أورثها آدم لنسله هي عدم معرفة قيمة الشئ إلا بعد ضياعه. وفضلاً عن ذلك، لا يقنع الإنسان دوماً بما لديه، فهو في حاجة ملحة للسعي وراء كل ما يشقيه ويؤذيه لطالما كان لا يمتلكه. ولعل خير مثال على ذلك هو تجربة خاضها كل واحد منا على مدار حياته منذ وقت الطفولة، ولسوف تلازمه حتى الشيخوخة، ألا وهي هي الملل السريع من أفضل الأشياء. وعلى النقيض، قد لا نشعر بالملل من أسوأ الظروف. فعلى سبيل المثال، في وقت العطلة المدرسية، ربما يستمتع الأطفال بها في أول أسبوعين، وبعد ذلك تظهر علامات التململ والحنين للرجوع للمدرسة؛ لوجود لذة في الاستيقاظ في وقت مبكر، والذهاب للمدرسة يومياً، ومقابلة الأصدقاء، والاستمتاع بالأوقات. وحتى التنزه في عطلات نهاية الأسبوع وقت الدراسة تتعاظم قيمته ولذته. وبالنسبة للكبار، عند قضاء عطلة مدتها تزيد عن أسبوع في أفخم الأماكن التي تتوافر بها جميع سبل الراحة، لسوف يشعرون بالملل بعد ثلاث ليالي فقط كحد أقصى. لكن بعد العودة، لن يتذكروا إلا اللحظات الجميلة التي استمتعوا بها، بل ويتمنوا لو كانت الإجازة أطول للاستمتاع أكثر، في حين لو أتيحت لهم الفرصة – ولو حتى مجاناً – لن يستمتعوا، وسيشعرون بملل عارم.
والمشكلة التي سوف تجابه سكان الأرض بعد القضاء على فيروس الكورونا هو الخروج من ملل الوجود في حجر صحي إجباري داخل المنزل إلى “نعيم” روتين الحياة اليومي قبل حقبة جائحة الكورونا. فالسيناريو المتوقع – والذي لسوف يصير حرفياً – أنه في نفس لحظة إعلان انتهاء الحظر، ستكون ردات الأفعال كلها حسرة وندم على انتهاء الحجر الصحي، ومحاولات يائسة لانقاذ ما يمكن انقاذه في تلك الفترة الوجيزة، من حيث الاستمتاع الذين لم يحاولوا تحقيقه طوال فترة الحجر. وعلاوة على ذلك، لسوف تكون الأيام الأخيرة من الحجر الصحي هي أكثر الأيام متعة، والتي سوف يستمتع بها الجميع حقاً، وكأنهم يسابقون الزمن لكبحها؛ وستكون خيبة الأمل هي الذهاب للمدرسة أو العمل صباح أول يوم بعد الحجر الصحي.
وعند الخروج من النموذج المصغر للعيش حياة أبدية في الجنة، ستكون أكبر مشكلة لجميع سكان الأرض – في بادئ الأمر- هي التأقلم مرة أخرى على وتيرة الحياة السريعة. فلقد اعتاد سكان العالم على الكسل والتباطؤ؛ بسبب العلم أن المحبس غير محدد بمدة. ولن يعجب البشر مرة أخرى الذهاب للعمل، أو المدرسة؛ للتعود على التواجد بالمنزل. ولعل خير دليل على ذلك، جميع الصرخات التي كانت تدوي الأرض في بداية فترة فرض الحجر الصحي التي بدأت تخفت كثيراً وفي طريقها للتلاشي؛ لأن التأقلم على تلك الحياة كان سريعاً، لدرجة أننا لسوف نشهد فيما بعد محاولات مستميتة لتزايد عدد العمالة من داخل المنزل.
ومن ناحية أخرى، عالم ما بعد جائحة الكورونا لسوف يكون عالماً جديداً تحتل فيه الرقمنة المركز الأول. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على الوظائف التي تنجز من داخل المنزل. وبنظرة سريعة على سوق العمل خلال أيام الحجر الصحي، يلاحظ تزايد فرص العمل من داخل المنزل. أما بالنسبة لأصحاب المشروعات الخدمية، فلقد وجدوا في العالم المرقمن ضالتهم الكبرى، فلقد مكنهم من تأسيس شركات لا تكلفهم سوى خلق موقع على شبكة الإنترنت، بدلاً من الذهاب لأرض الواقع الذي يكلفهم إيجاد مقر، وبذل مصروفات تأسيس، وتوفير تراخيص، ودفع ضرائب. أما العمالة، فلن تكلفهم سوى الأجر الذي يتقاضونه نظير القيام بمهمة محددة، دون اللجوء لدفع أجور، وضرائب، وتأمينات، وحل منازعات بين الموظفين، أو تعديل هيكل الشركة، أو الحصول على شهادة الأيزو حتى تصبح الشركة تنافسية. ففي شركات العالم الافتراضي، جميع الأطراف سعيدة وراضية وتعيش بين عالم الجنة داخل المنزل، وعالم جنة العمل دون وجود زملاء عمل يحيلون حياتهم لجحيم، أو مدراء مستغلين؛ فمن السهل التنقل بين الشركات. لكن يبقى هناك تساؤل خطير، فعند توفير الخيارللإنسان، بحيث ستكون مهمته الوحيدة هي الاختيار فيما بين العمل بداخل المنزل أو خارجه، هل سيكتفي الإنسان بذلك؟ أم سيبدأ في التململ مرة أخرى من أجل البحث عن سراب جديد ينغص عليه حياته، ويعتبره الجنة التي تنتظره، إلى أن يجد وسيلة يصل بها مرة أخر إلى تحقيق هذا السراب؟ المستقبل غير معروف، بيد أن الشئ المؤكد هو أن الإنسان بفطرته المجبولة على التعلم والتجربة سوف يتغلب على جميع التحديات، ويحقق نجاحات أكثر. فالبشر بالرغم من مطاردتهم للجنة، لكنهم صنّاعها

لا تعليقات

اترك رد