أنشودة الحياة الجزء العاشر نص مفتوح ماغوط ، حزنكَ ينبعُ من آهاتِ البشرِ

 
اللوحة للفنان صبري يوسف

إهداء: إلى روحِ الأديبِ المبدع محمَّد الماغوط

194 … …. …….. …..
ماتَتِ الأحلامُ في مقتبلِ العمرِ
أثناءَ الولادةِ
قبلَ الولادةِ
ماتَتْ مِنْ وطأةِ العطشِ
مِن ضجرِ العمرِ

ماتَتْ قبلَ أنْ تعلو
قاماتُ السَّنابل
قبلَ أنْ تنمو أزاهيرُ المقابر!

تخورُ قاماتُ الجبالِ
تكفهرُّ وجوهُ الوديانِ
وطنٌ يرخي أحزانَهُ
فوقَ آهاتِ البراري!

وطنٌ مفخَّخٌ باِنسيابِ الدُّموعِ
بأورامِ الشَّقاءِ

كيفَ تخُوْنُ وطناً مذبوحاً
على قارعةِ الرُّوحِ
هَلْ فاتَتْكَ أوجاعُ
الوطنِ الجريحِ؟!

هَلْ زارَتْكَ يوماً أمواجُ البحرِ
غيمةُ الصَّباحِ
هَلْ أخبرَتْكَ تلالُ الوطنِ
أغوارَ الجراحِ؟!

وجعٌ مِنْ لَونِ الوفاءِ
مِنْ لونِ دُمُوعِ المآقي
وجعٌ لا يفارقُ شرارةَ البرقِ

وجعٌ مِنْ لونِ الغمامِ
مِنْ لونِ الأرقِ

وجعٌ مِنْ لونِ النَّدى المعفَّرِ
بجراحِ الرَّوضِ
بِأغوارِ الهلاكِ!

وَجَعٌ منذُ البداياتِ
حتّى النِّهاياتِ

وجعٌ يُشَرشرُ على قلبِ الحبِّ
على دمعِ الهلالِ!

وجعٌ لا يبارحُ دقائقَ الحلمِ
وجعٌ طويلُ القامةِ
محفوفٌ بِشِباكِ العناكبِ

وجعٌ ملظّى بالجِراحِ
يتغلغلُ في لبِّ الفؤادِ
يجرحُ أحلامَ الآباءِ والأمّهاتِ

وجعٌ في أعماقِ الأزقَّةِ
حولَ عظامِ الرَّقبةِ
حولَ مشطِ القدمِ
حولَ بؤبؤِ العينِ
على مدى الطُّرقاتِ!

وجعٌ متأصِّلٌ في حبلِ النِّخاعِ
في جذوعِ الأشجارِ
في وجهِ الضُّحى
في أعلى الشِّراعِ!

كيفَ تهاطَلَتْ عليكَ
“شقائقُ النِّعمانِ”؟!*
كيف ترسمُ قبلةَ العشَّاقِ
كؤوسَ الأوطانِ؟!

هل ترسمُ شخوصَكَ مِنْ عرينِ الطِّينِ
أمْ مِنْ بخورِ العمرِ
حيثُ جمرةُ الرُّوحِ
تناغي بسمةَ السَّماءِ
تشتهي نبيذَ الدِّنانِ؟!

وطنٌ على صدرِ الماغوطِ يغنِّي
أغنيةَ الوجعِ الآتي
آهٍ .. تخلْخَلَتْ أجنحةُ الماغوطِ
والغدُ لَمْ يأتِ!

ماغوط .. يا قامةً محفوفةً
بخيوطِ الشَّمسِ
يا نكهةَ الشِّعرِ المعفّرِ
بأريجِ الطِّينِ!

ثمّةَ أوجاع تقارعُ خميرةَ الحرفِ
تهدِّدُ بخورَ الوجدِ
تبعثرُ ما تبقَّى مِنْ نقاوةِ الكأسِ!

وطنٌ يتشظَّى حزناً على شراراتِ الغدرِ
وطنٌ مطلسمٌ بالمراراتِ
مصلوبٌ مِنْ خاصرةِ الرُّوحِ
على تخومِ الماءِ الزُّلالِ!

وطنٌ غريبُ الأطوارِ
يتأرجحُ منذُ عصورٍ
على جمراتِ النَّارِ
تتربَّصُه مِنْ كلِّ الجهاتِ
عيونُ الأشرارِ!

وطنٌ يهفو إلى بيادِرِ المحبّةِ
إلى ربوعِ الوئامِ
إلى بهجةِ اللَّيلِ
إلى هديلِ السَّلامِ!

وطنٌ رفرفَ طويلاً
فوقَ جبينِ الحضاراتِ
يئنُّ الآنَ مِنْ اِستمراريّةِ
لهيبِ الجمرِ

وطنٌ مِنْ وجاهةِ البدرِ
تعفّرَ وجههُ بالموبقاتِ
وطنٌ معشَّشٌ بالجراحِ
تنامى فوقَ صدرهِ فراخُ الجناةِ
مهدَّدٌ بسمومِ رماحِ الغدرِ
غدرٍ على كلِّ الجهاتِ
….. … … … …..!

المقال السابقاعادة تأهيل المفاهيم الاخلاقيه
المقال التالىلمصلحة من تسميم الأجواء السياسية
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد