رمضان في السودان: شهر المحبة تجسيدا للمعاني والقيم الاسلامية

 
رمضان في السودان: شهر المحبة تجسيدا للمعاني والقيم الاسلامية

رمضان كريم، رمضان شهر التوبة والغفران، رمضان هذا الشهر الفضيل، رمضان شهر الصوم ومراقبة النفس. ضيف كريم عزيز يدخل بيوتنا ومعه تزف الفرحة الى داخل قلوبنا ونفوسنا التي تحتاج الى ترويض وتدريب تستطيع أن تتكيف معه للظروف الطارئة والملمات التي قد تصادفنا أثناء مشوار الحياة الطويل.

ومنذ الطفولة وجدنا هذا الشهر يمتاز دون غيره من الشهور بعادات وتقاليد وطقوس مميزة في جميع أنحاء السودان تنتظم القطر كافة وفي كل بقاعه التي تستقبل رمضان بكل بشاشة وحفاوة بالغة. وهو الشهر الذي يمتاز بكونه بالاضافة الى شهر التوبة والغفران بالسلوك الاجتماعي الملحوظ وتتجسد فيه جميع القيم الاسلامية والانسانية والاجتماعية المعلومة من تعاون على البر والتقوى وتكاتف وتعاضد وانشطة تنتظم جميع ليالي هذا الشهر الفضيل.

يبدأ الناس التحضير لهذا الشهر من قبل دخوله بكثير، وقبل أن يهل الشهر يبدأ رسميا الاحتفال حيث تخرج ما يسمى بالزفة وكأنهم يزفون عريسا، تعزف الموسيقى (عادة فرقة موسيقى قوات الشرطة)، وهي عادة درجت عليها السلطات الرسمية منذ زمان بعيد موغل في عمق التاريخ، تعزف تلك الفرقة الموسيقية الأهازيج وبعض الأناشيد الدينية وهي تعبر عن فرحة المواطنين بدخول واستهلال واستقبال ذلك الشهر المبارك.

هناك عادات اجتماعية غاية في الروعة كانت سائدة في جميع المناطق الحضرية والريفية الا أن بعضها قد تقلص وانحصر في الريف والقرى، وعلى سبيل المثال كانت السمة الغالبة هي الافطار الجماعي لسكان الاحياء حيث كان الناس يتناولون افطارهم في الساحات والطرقات العامة الكائنة داخل الاحياء. وكان كل بيت يخرج افطاره، بل كانت الادوار توزع على جميع بيوت الحي كأن تخرج مجموعة الطعام وأخرى المشروبات الباردة ومجموعة ثالثة تضطلع باعداد وتقديم المشروبات الساخنة من شاي وقهوة. وكان كل سكان الحي من الرجال يتناولون افطارهم في تلك الساحات والطرقات الموجودة داخل الأحياء. ويؤدون صلاتي المغرب والعشاء في جماعة، وكثير من السكان يظلون في مكانهم حتى اداء صلاة العشاء والتراويح. وكان فيما مضى لا نجد من يسهرون الى ساعة متأخرة من الليل وكان هناك من ينادي الى السحور وقت السحر حيث يستيقظ الناس لكي يتسحروا قبل مواصلة الصيام عند الفجر. أما اليوم فقد اندثرت عادة (المسحراتي) فهناك كثيرون يسهرون حتى وقت السحور ومن ثم يؤدون الصلاة ، وأخرون يعتمدون على اجهزة التنبيه والموبايلات التي انتشرت بشكل واسع في الحضر والأرياف.

أما اليوم فاننا نجد عادة تناول الافطار في جماعة خارج البيوت قد انحسرت بشكل شديد (مؤسف للغاية)، وبخاصة في المناطق الحضرية وأحياء المدن، الا في قطاعات شعبية في حدود محصورة وضيقة. الا أن الامر يختلف تماما في المناطق الريفية والقرى التى نجدها لا تزال تحتفظ بتك العادة الجميلة حيث يتناولون افطار رمضان في جماعات خارج البيوت على الساحات والطرقات العامة.

ومن عادات وممارسات الافطار الجماعي نجد عادة حميدة ايضا درج عليها معظم العاملين في المصالح والادارات والمؤسسات الحكومية وبعض مؤسسات القطاع الخاص حيث يخصص يوم في الشهر الفضيل لاقامة افطار جماعي لجميع العاملين في المؤسسة او الجهة المعنية بمن فيهم المدير العام للمؤسسة وطاقم الادارة كله، وهذا فيه تجسيد لروح الفريق والعمل الجماعي الذي يعضد من وتيرة التواصل الاجتماعي بين العاملين وهو تجسيد ايضا للقيم الاجتماعية المعروفة منذ قديم الزمان عند السودانيين.

وهناك تقليد رمضاني يؤكد على قيمة كبيرة تجسد روح التسامح الديني عند السودانيين اذ يقيم رجال الدين المسيحي افطارا جماعيا يجتمع فيه لفيف من رجالات الدين المسيحي والاسلامي والمسئولين بالدولة على اختلاف دينهم ومعتقداتهم وهذا التقليد يتم تطبيقه ايضا منذ عهد بعيد، اذ يشارك ايضا المسلمون اخوانهم السودانيين المسيحين الاحتفال ببعض مناسباتهم الدينية وهذا لعمري تقليد يدحض ويخرس السنة الذين يحاولون اتهام أي من الطرفين بالتعصب والعصبية الدينية اذ أن روح التسامح الديني في السودان متجذرة وضاربة في اعماق التاريخ وكل الفئات والطوائف الدينية تعيش في تالف وانسجام تام مع تبادل الاحترام والتقدير المتبادل.

وتشمل عادة الافطار الجماعي بعض كبار الاعيان والشخصيات الدينية الذين يقيمون بشكل متواصل باقامة مثل تلك الافطارات الجماعية دعما لروح التواصل الاجتماعي والتكافل، أما على نطاق الأسر والافراد والاصدقاء فتتواصل هذه العادة ايضا في هذا الشهر الفضيل الذي يشهد نشاطا منقطع النظير مؤكدا سلامة العادات والتقاليد التي صمدت امام موجات الغزو الغربي وأكدت أصالة السودانينن وتمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم العريقة.

وتنشط العلاقات الاسرية والاجتماعية بين كل القطاعات والاهل، وتقام بعض الخيام والسرادقات التي تشهد الافطارات الجماعية للقطاعات الفقيرة والمساكين. ويقوم كثير من المحسنين بتوزيع مستلزمات الشهر العذائية على الاسر المحتاجة والفقراء والذين لا يملكون ما يشترون به تلك المستلزمات فنجد المحال التجارية قد امتلأت بمثل هؤلاء المحسنين مما يؤكد عادة سودانية عريقة تجسد قيمة التكافل والتعاون والاحسان على الطبقات الفقيرة.

وهناك تقليد رمضاني درجت عليه بعض المنظمات الشبابية التي تعمل في نطاق العاصمة المثلثة (الخرطوم/ام درمان/ الخرطوم بحري) يتمثل في نزول متطوعين من الشباب فبيل ساعة الافطار ينتشرون عند تقاطعات الطرق واشارات تنظيم حركة المرور الرئسية يقدمون الافطار السريع (الماء والرطب وغيرها) للذين تدركهم ساعة الافطار في الطريق وهي لفتة بارعة تدل على اصالة اولئك الشباب وسلامة تصرفاتهم وتعكس مدى تفاعلهم مع عامة الناس، وفي الوقت نفسه تؤكد على ان الدنيا بخير وشباب السودان بخير. هذا فضلا عن عادة الكرم التي تقضي بتقديم الطعام والمشروبات في رمضان لكل عابري السبيل الذين لم تمكنهم ظروفهم من ادراك ساعة الافطار مع اهلهم وذويهم فهؤلاء ينزلون ضيوفا على الموائد والتجمعات التي تقام في الساحات العامة.

وفي الشهر الفضيل تمتلىء المساجد بالمصلين في جميع الأوقات و يقصد الناس بعض المساجد الكبيرة التي تقام فيها صلاة التراويح عقب صلاة العشاء حيث يؤدي فيها الصلاة الشيوخ كبار القراء الذين يمتازون بالاصوات العذبة والتلاوة الرصينة.

لا تعليقات

اترك رد