وباء كورونا ليس الوباء الأول ولن يكون الأخير

 

لقد دفع وباء “كورونا” العالم الى حالة صعبة لم تكن متوقعة ولم يحسن الاستعداد لها، ويبدو ان عام 2020 الذي بدأ محموماً منذ مطلعه سيأخذ لقب “عام كورونا”، ولكن عندما يزول هذا الوباء كما زالت الأوبئة من قبل، سنكون ساذجين إذا اعتقدنا بأننا نجونا من فِخاخ الأمراض التي تولدها الطبيعة باستمرار. فعلى مر التاريخ البشري أثرت الأوبئة على الحضارات منذ أول تفش معروف عام 430 قبل الميلاد خلال الحرب البيلويونيسية بين حلفاء أثينا وحلفاء إسبرطة وكان للعديد من هذه الأوبئة تداعيات كبيرة على المجتمع البشري، بداية من قتل نسب كبيرة من سكان العالم، وصولاً إلى جعل البشر يفكرون في أسئلة أكبر عن الحياة والوجود. وهنا نستعرض أهم هذه الأوبئة التي مرت في التاريخ البشري:

– طاعون جستنيان (541 – 542 وتكرر بشكل متقطع حتى عام 750)، أطلق المؤرخون المعاصرون على هذا الوباء اسم الإمبراطور جستنيان الأول الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية أثناء حدوث الطاعون. أصاب هذا الوباء الذي يعرف في الوقت الراهن باسم طاعون (جستنيانما) الإمبراطورية البيزنطية وخاصة عاصمتها القسطنطينية (إسطنبول حالياً) وانتشر في المدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط ثم أنتشر في اوروبا وآسيا وتسبب في وفاة بين 30و50 مليون شخص أي ما قد يعادل 14-26% من سكان العالم في ذلك الوقت لكن بحثاً نشر حديثاَ ذكر بأن عدد وفيات الطاعون والآثار الاجتماعية مبالغ فيها، والمتسبب في هذا الطاعون بكتريا تسمى (اليرسينيا الطاعونية) وهو المسؤول عن عدد من الأوبئة العالية الوفيات على مدار التاريخ البشري ويعتقد بعض المؤرخين أن طاعون جستنيان كان أكثر الأوبئة فتكاً في التاريخ، وساهم تفشي هذا الوباء في توقف الأنشطة التجارية وإضعاف الإمبراطورية، مما سمح للحضارات الأخرى باستعادة الأراضي التي كانت تسيطر عليها بيزنطة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأجزاء من آسيا. ويعتقد أن هذا الطاعون بدأ في التفشي انطلاقا من صعيد مصر، ومن ثم أنتقل الى القسطنطينية، التي كانت تستورد كميات كبيرة من الحبوب من مصر، بواسطة السفن التي قد تكون أيضاً نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث التي تحمل المرض. ويذكر الباحث ليستر لتل، ان الطاعون كان ” عاملاً رئيسياً في انتهاء العصور القديمة وبداية العصور الوسطى.” وهي ذات الفترة التي شهدت تحديد شكل الإمبراطورية البيزنطية، وصعود الرهبنة والبابوية الكاثوليكية، والبدايات المبكرة للإسلام، والفتوحات العربية.

– الموت الأسود (1347 – 1351 م)
بين عامي 1347 و1351، انتشر الطاعون الدبلي في جميع أنحاء أوروبا، ظهر فجأة في جزيرة صقلية، وأنتشر بسرعة هائلة ليودي بحياة نصف سكان أوروبا في غضون ثلاث سنوات فحسب، مكتسباً سمعته كأخطر وأبشع قاتل على مر العصور. فما ان أحكم الوباء قبضته على فرنسا، حتى أنطلق يبث الرعب في نفوس سكان القارة الأوربية كلها طوال ما يزيد على ثلاثة قرون. وكان طاعون لندن العظيم هو آخر الضربات الكبرى، وبعدها ببضع سنوات، اختفى الطاعون فجأةَ كما ظهر فجأةَ. واستغرقت إحصائيات مستويات عدد السكان في أوروبا أكثر من قرنين للعودة إلى مستواها قبل العام الذي أنتشر فيه الطاعون، ومن المحتمل أن يكون هذا الوباء قد أنتقل مع حركة التجارة بين الشرق والغرب على طول طريق الحرير. ومن نتائج هذا الوباء الذي عرف في وقت لاحق باسم “الموت الأسود” بداية تراجع القنانة أي الفلاحين في الإقطاعيات حيث مات الكثير منهم لدرجة ان مستوى معيشة الناجين أرتفع. وفي الواقع ساهم ذلك في خلق المزيد من فرص العمل، وتنامي الحراك الاجتماعي ووقف الحروب لفترة قصيرة.

– وباء الجدري وهو من الأمراض التلوثية المعدية الفتاكة يسببه فيروس ينتقل من المصابين إلى الأصحاء، ويعتبر اول مرض استطاع الأنسان ان ينتصر عليه، بعد ان فتك وشوه وسبب العمى لملايين الضحايا عبر تاريخه الطويل، وكان له جولات وبائية اجتاحت مناطق عديدة من العالم، فقد كان الغزو الاستعماري الأوروبي أداة جبارة في أصابه شعوب الأميركتين بأمراض لم تعرفها من قبل وهو ما أدى إلى ابادتها فلم تكن هذه الشعوب تملك مناعة فعالة لمقاومة هذه الأمراض، فعندما وصل الأوربيين لأول مرة إلى هناك عام 1492 جلبوا معهم عدداً من الأمراض التي كانت منتشرة في أوروبا، وكان أحد هذه الأمراض مرض الجدري وخلال عقدين من الزمان تدفق الألاف من شعوب شبه جزيرة أيبيريا الحاملين لفيروس الجدري إلى هذه الأرض البكر وبذلك وصل وباء الجدري لأمريكا الوسطى عام 1518 وإلى المكسيك عام 1521 وإلى شعوب الأنكا شمالاً عام 7152 فقتل نحو20 مليون شخص أي نحو 90% من السكان في القارتين خلال الفترة من القرن 15 الى القرن 17، وساعد هذا الوباء الأوربيين على استعمار وتطوير المناطق التي تم اخلاؤها من سكانها، وتغيير تاريخ القارتين. ففي عام 1630 كان عدد السكان الأصليين 7% فقط من عدد سكان الأميركتين. ومن الجدير بالذكر أنه حتى القرن الخامس عشر كان قد تم استعمال الجدري كسلاح بيولوجي. وكان قد استخدم اول مرة من قبل المغامر الإسباني هيرناندو كورديز عند احتلال المكسيك وتدمير حضارة الأزتك بعد ذلك عام 1519. وفي علم 1763 استعملت القوات البريطانية فيروس الجدري كسلاح بيولوجي ضد الهنود الحمر، فقد أخذ قائد القوات البريطانية بطانيتين ومنديلين ملوثين من مرضى الجدري وأرسلهما هدية الى زعماء الهنود الحمر، ونتيجة لذلك أنتشر وباء أدى الى قتل ما يزيد عن 50% من السكان المحليين.

– وباء الكوليرا: وهو من أمراض الجهاز الهضمي التي اجتاحت العالم على مراحل على مدى نحو 150 عام، وظهرت اول مراحل هذا الوباء في روسيا عام 1817 وتسبب بموت نحو مليون شخص، وكان السبب الرئيس لانتشاره هو تلوث مياه الشرب بفضلات البشر. بعد انحسار الوباء في موطن انتشاره الأول عاد الى الظهور في موجة أولى عام 1820 ولكن هذه المرة في البنغال، ثم أنتشر في الهند ليقضي على الآلاف من الهنود وعشرة آلاف جندي بريطاني، ثم امتد تفشي الكوليرا حاصداً أرواح 100 ألف انسان في الصين وإندونيسيا ومناطق بحر قزوين قبل ان ينحسر. اما الموجة الثانية من وباء الكوليرا فكانت عام 1829 واستمرت على فترات متقطعة تظهر في كل عام وتنتقل من بلد إلى آخر حتى اجتاحت كل قارات العالم وتسببت بقتل ما يقارب نصف مليون انسان لغاية عام 1850، وكان الوباء ينتشر عبر المدن المرتبطة ببعضها عن طريق المواصلات النهرية والبحرية. ثم عاد وباء الكوليرا للظهور في موجة ثالثة عام 1852 وكان أثره الرئيس على الأراضي الروسية حيث قتل أكثر من مليون شخص، ومن هناك أنتشر شرقاً طيلة عشر سنوات وبشكل متقطع وشمل إندونيسيا والصين واليابان والفلبين وكوريا والبنغال، ومنها الى العراق وإيران وشبه الجزيرة العربية عن طريق المسافرين والقوات العسكرية. استمر الوباء على شكل مراحل رابعة وخامسة وسادسة، كانت المرحلة السابعة عام1961 واستمرت حتى عام 1973، تسبب في مراحله هذه بهلاك أكثر من مليون ونصف المليون أنسان في معظم أنحاء الكرة الأرضية بالرغم من اكتشاف لقاح الكوليرا عام 1885، وقد وصفت منظمة الصحة العالمية الكوليرا – التي تصيب سنوياً ما بين 1.3 و4 ملايين شخص – بأنها ” الوباء المنسي”. وقالت إن تفشي الوباء السابع لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا.

– وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي كانت بداية ظهوره في أواخر عام 1917 عندما أبلغ علماء الأمراض الدوائر العسكرية عن ظهور مرض جديد مع ارتفاع معدل الوفيات التي أدركوا فيما بعد أنها الأنفلونزا. تفشى الوباء عام 1918 عندما كانت الحرب العالمية الأولى تقترب من نهايتها، ولم يكن لدى السلطات المعنية بالصحة العامة الوسائل الفعالة والكافية للتعامل مع الأوبئة الفيروسية، لذلك استطاع هذا الوباء اصابة 500 مليون شخص مات منهم أكثر من 50 مليون على مستوى العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصيب 28% من اجمالي السكان المقدر عددهم في ذلك الوقت بحوالي 105 مليون، فارق 600 ألف منهم الحياة بسبب هذا المرض. على الرغم من تسمية الوباء بالإنفلونزا الإسبانية إلا أنه لم يصدر من إسبانيا، ويرجع سبب التسمية إلى انشغال وسائل الاعلام الإسبانية بموضوع الوباء نتيجة لتحررها النسبي مقارنة بالدول المشاركة في الحرب العالمية الأولى التي كانت تتكتم على أعداد الضحايا، فإسبانيا لم تكن طرف في الحرب ولم تطبق المراقبة على الأعلام الإسباني.

– وباء نقص المناعة البشرية (الإيدز)، حيث تنعدم أو تضعف فيها قدرة جهاز المناعة من مقاومة الأمراض، هذا الوباء الذي أصاب 75 مليون شخص بفيروس نقص المناعة البشرية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وتوفي ما يصل الى 32 مليون شخص. ويعتقد العلماء ان فيروس نقص المناعة الذي ظهر أول مرة عام 1980 ربما كان في صورة فيروس يصيب القردة والسعادين في الجانب الغربي من منطقة وسط أفريقيا بعد ذلك، تخطى الفيروس عدة أنواع من الكائنات ليصيب الأنسان في العديد من المناسبات، ربما لأن هناك من البشر من التهم لحوم طرائد مصابة به. بعد كل هذه الأوبئة لابد من السؤال التالي:

لماذا رغم كل هذا التقدم تجد الإنسانية نفسها، ومعها جيشها من العلماء والأطباء عاجزة عن إيجاد العلاج لأمراض كهذه، وما هي هذه الأمراض أصلاً ولماذا تظهر هذه الفيروسات المجهولة ومن أين تأتي؟

المقال السابقالنفاق الإعلامي
المقال التالىالغناء فى الشرفات
تربوي اختصاص تاريخ ، عملت في التدريس والادارة المدرسية ، نشرت لي مقالات عديدة في الصحف والمواقع الاكترونية ، كما نشر لي بحث عن فترة حكم المماليك في العراق وبحث عن التصوف الاسلامي وكبار المتصوفة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد